د. محمد الجمال يكتب.. الطاقة النظيفة بوابة التصدير الصناعي

لم يعد ملف الطاقة في الصناعة المصرية مجرد مسألة تشغيل أو خفض فواتير، بل أصبح أحد مفاتيح التنافس الحقيقي في الأسواق العالمية، خاصة في القطاعات الثقيلة وفي مقدمتها الصناعات المعدنية. ومن هذا المنطلق، يكتسب التوجه الأخير نحو إلزام المصانع الكبرى بتدبير جزء من احتياجاتها من الطاقة عبر مصادر شمسية، أهمية تتجاوز الإطار التنظيمي، ليصبح جزءًا من رؤية أشمل لإعادة تموضع الصناعة المصرية إقليميًا ودوليًا.
هذا التحول لا يمكن فصله عن الجهود المتراكمة التي قادتها الدولة خلال السنوات الماضية لدعم الصناعة، والتي كان محورها الرئيسي هو بناء قاعدة إنتاجية قادرة على المنافسة، وليس مجرد تلبية احتياجات السوق المحلي. وفي القلب من هذه الجهود، برز اهتمام خاص بالصناعات المعدنية، باعتبارها العمود الفقري لقطاعات التشييد، والبنية التحتية، والصناعات الهندسية، والصادرات ذات القيمة المضافة.
ومنذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي المسؤولية، شهد قطاع الصناعة، وخاصة الصناعات الثقيلة والمعدنية، دعمًا غير مسبوق، سواء عبر التوسع في إنشاء المجمعات الصناعية، أو تطوير البنية التحتية، أو إتاحة الأراضي الصناعية، أو توجيه الاستثمارات نحو توطين صناعات استراتيجية كانت تعتمد لسنوات طويلة على الاستيراد. هذا الدعم لم يكن نظريًا، بل تُرجم إلى مصانع قائمة، وخطوط إنتاج جديدة، وزيادة في الطاقة الإنتاجية، خصوصًا في الحديد، والألومنيوم، والمنتجات المعدنية المغذية.
في هذا السياق، يأتي التوسع في استخدام الطاقة الشمسية بالمصانع كحل عملي لواحدة من أكثر التحديات تعقيدًا في الصناعات المعدنية، وهي كلفة الطاقة واستقرارها. فهذه الصناعات بطبيعتها كثيفة الاستهلاك، وأي تقلب في أسعار الطاقة ينعكس مباشرة على سعر المنتج النهائي، ويؤثر على قدرته التنافسية في التصدير. ومع دخول الطاقة الشمسية كمكوّن دائم في مزيج الطاقة، تتحول المعادلة من الاعتماد الكامل على مصادر تقليدية، إلى نموذج أكثر توازنًا واستدامة.
الأهم من ذلك، أن القرار لا يُنظر إليه فقط من زاوية التوفير، بل من زاوية “القبول التصديري”. فالأسواق الكبرى، وعلى رأسها أوروبا، باتت تُقيّم المنتجات الصناعية ليس فقط على أساس الجودة والسعر، بل أيضًا وفق البصمة الكربونية المرتبطة بالإنتاج. وهنا، تكتسب الصناعات المعدنية المصرية ميزة نسبية جديدة، حين تستطيع إثبات أن جزءًا معتبرًا من طاقتها يأتي من مصادر نظيفة.
هذه الميزة تصبح أكثر وضوحًا عند المقارنة بدول منافسة في نفس القطاعات. ففي تركيا، على سبيل المثال، واجهت بعض الصناعات المعدنية تحديات متزايدة في التصدير بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة والضغوط البيئية الأوروبية. وفي المغرب، استطاعت الصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة أن تحجز لنفسها موقعًا متقدمًا في سلاسل التوريد الأوروبية، مستفيدة من الاستثمار المبكر في الطاقة المتجددة.
أما التجربة الأوروبية نفسها، وخاصة في دول مثل ألمانيا، فتُظهر كيف أصبحت الطاقة النظيفة جزءًا من تعريف “الصناعة القابلة للتصدير”. فالمصانع التي لا تواكب هذه التحولات تجد نفسها تدريجيًا خارج المنافسة، بغض النظر عن تاريخها أو حجمها.
في الحالة المصرية، لا يقتصر أثر القرار على المصانع القائمة فقط، بل يمتد إلى خريطة الاستثمار الصناعي المستقبلية. فاشتراط الاعتماد الجزئي على الطاقة المتجددة أصبح عنصرًا مرجحًا عند المفاضلة بين المستثمرين، وهو ما يضمن جذب استثمارات أكثر توافقًا مع توجهات الاقتصاد العالمي، ويعزز من صورة مصر كمركز صناعي حديث في المنطقة.
ولا يمكن إغفال أن هذا التوجه يتكامل مع رؤية الدولة لتعميق المكون المحلي، خاصة في الصناعات المعدنية المغذية، وربطها بمشروعات قومية كبرى في البنية التحتية، والنقل، والطاقة، والإسكان. فالمصانع التي تنتج الحديد، والصلب، والألومنيوم، وتستخدم طاقة نظيفة، لا تخدم فقط التصدير، بل تدعم أيضًا مشروعات التنمية الداخلية وفق معايير حديثة.
في المحصلة، لا يبدو قرار التوسع في استخدام الطاقة الشمسية بالمصانع مجرد استجابة ظرفية لتحديات الطاقة، بل خطوة محسوبة ضمن مسار طويل لإعادة بناء الصناعة المصرية على أسس أكثر تنافسية. ومع استمرار الدعم السياسي الواضح للصناعة، خاصة من القيادة السياسية، وتنامي وعي القطاع الخاص بمتطلبات الأسواق العالمية، تبدو الصناعات المعدنية المصرية أمام فرصة حقيقية لتثبيت موقعها كلاعب إقليمي قادر على المنافسة، ليس بالسعر فقط، بل بالجودة والاستدامة معًا.