دكتور محمد الجمال يكتب.. الصناعة في 2030: عندما يصبح الإنتاج قضية دولة

حين تطرّق الفريق مهندس كامل الوزير إلى خطة تطوير الصناعة في إطار رؤية مصر 2030، بدا حديثه أقرب إلى توصيف واقع ومحاولة تغييره، لا إلى إطلاق وعود كبيرة أو شعارات جاهزة. الكلام عن الصناعة هذه المرة لم يأتِ باعتباره ملفًا منفصلًا، بل كجزء من صورة أوسع لدولة تحاول أن تعيد ترتيب أولوياتها الاقتصادية، في ظل ضغوط داخلية وخارجية لم تعد خافية على أحد.

هذا الطرح يلتقي إلى حد كبير مع ما ظل الرئيس عبد الفتاح السيسي يكرره خلال السنوات الماضية، حين أكد أكثر من مرة أن الصناعة ليست ترفًا ولا رفاهية، وأن الدول لا يمكن أن تستمر معتمدة على الاستيراد إلى ما لا نهاية. الرئيس تحدث كثيرًا عن ضرورة أن يكون لدى مصر إنتاج حقيقي، ومصانع تعمل، وسلع تحمل علامة “صُنع في مصر” وتستطيع أن تجد لها مكانًا في الأسواق، لا أن تبقى حبيسة المخازن.

الواقع أن الصناعة المصرية عانت طويلًا من مشكلات تراكمت بمرور الوقت. مصانع توقفت، وأخرى تعمل بأقل من طاقتها، وتعقيدات إدارية أرهقت المستثمرين، إلى جانب فجوة واضحة بين ما يتعلمه الشباب وما يحتاجه سوق العمل فعليًا. الجديد في المرحلة الحالية أن الدولة لم تعد تنظر إلى هذه المشكلات باعتبارها حالات فردية، بل كأعراض خلل أعمق يحتاج إلى معالجة شاملة، وهو ما يفسر الحديث المتكرر عن إعادة بناء المنظومة الصناعية بالكامل.

خطة تطوير الصناعة حتى عام 2030، كما ظهرت في حديث الوزير، لا تقوم فقط على زيادة عدد المصانع أو تخصيص أراضٍ جديدة، بل على محاولة الإجابة عن أسئلة أساسية طال تجاهلها: ماذا ننتج؟ وأي صناعات تستحق الدعم؟ وأين توجد فرص حقيقية للتصدير؟ هذه الأسئلة تتقاطع مع توجيهات رئاسية واضحة بعدم إنشاء مشروعات بلا دراسة، وبضرورة أن يكون لكل مصنع هدف واضح وسوق محتمل، حتى لا يتحول إلى عبء جديد بدلًا من أن يكون إضافة للاقتصاد.

الرئيس السيسي ربط في أكثر من مناسبة بين الصناعة والأمن القومي، خاصة في ما يتعلق بالغذاء والدواء ومستلزمات الإنتاج. هذا الربط لم يكن نظريًا، بل نابعًا من تجارب عالمية أظهرت كيف يمكن للأزمات الخارجية أن تكشف هشاشة الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد. ومن هنا جاء التركيز على قطاعات بعينها تمس حياة المواطن اليومية، وتساعد في تقليل الفجوة بين الإنتاج المحلي والاحتياجات الفعلية للسوق.

ضمن هذا السياق، برزت فكرة تشغيل المصانع المتعثرة كأولوية، قبل التفكير في إنشاء كيانات جديدة. الرئيس تحدث أكثر من مرة عن أهمية استغلال ما هو قائم بالفعل، وعدم إهدار موارد الدولة في مشروعات لا تعمل بكامل طاقتها. هذه النظرة العملية تبدو حاضرة في خطة التطوير، التي تضع التشغيل الحقيقي في المقدمة، بدل الاكتفاء بأرقام التراخيص أو المساحات الصناعية.

اللافت أيضًا أن هناك محاولة لتغيير طريقة التعامل مع المستثمر الصناعي. فبدلًا من النظرة التقليدية التي يغلب عليها الحذر والتعقيد، يظهر توجه يقوم على تشجيع المستثمر الجاد، وتوفير بيئة أكثر استقرارًا، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن الأرض الصناعية يجب أن تُستغل في الإنتاج، لا في التخزين أو المضاربة. هذا التوازن بين الدعم والانضباط تحدث عنه الرئيس صراحة، ويبدو أنه أصبح جزءًا من التوجه العام في إدارة الملف الصناعي.

في هذا الإطار، جاءت مبادرة «ابدأ» كأحد النماذج العملية لهذا التفكير. المبادرة لم تُقدَّم باعتبارها حلًا سحريًا، لكنها حاولت التدخل في نقاط محددة: إعادة تشغيل مصانع متوقفة، دعم صناعات صغيرة ومتوسطة، وربط التمويل بالإنتاج الفعلي. الأهم أن المبادرة بعثت برسالة مفادها أن الدولة لا تنظر إلى الصناعة كعبء، بل كفرصة يمكن البناء عليها إذا توفرت الإدارة والدعم المناسبان.

حديث الرئيس المتكرر عن التعليم الفني والتدريب المهني يظل حاضرًا في خلفية أي نقاش جاد حول الصناعة. فالتوسع الصناعي لا يمكن أن ينجح دون عمالة مدرَّبة وقادرة على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة. هذه النقطة تظل أحد التحديات الأساسية، لكنها في الوقت نفسه تمثل فرصة حقيقية إذا ما تم التعامل معها بجدية واستمرارية.

في النهاية، يمكن القول إن ملف الصناعة يقف اليوم عند نقطة مهمة. الطريق إلى 2030 ليس سهلًا، والتحديات ما زالت قائمة، لكن الفارق أن الصناعة لم تعد موضوعًا هامشيًا أو مؤجلًا. أصبحت جزءًا من النقاش العام حول مستقبل الاقتصاد، ومحاولة جادة للانتقال من الاعتماد على الاستيراد إلى بناء قاعدة إنتاجية أكثر صلابة. النجاح هنا لن يُقاس بسرعة النتائج، بل بقدرة الدولة على الاستمرار في هذا المسار، خطوة بعد خطوة.

د. محمد الجمال

د. محمد الجمال، كبير الهيئة الاستشارية بمركز رع للدراسات، هو خبير في شئون الصناعات والاستثمار. حاصل على بكالوريوس في الهندسة الكهربائية – جامعة القاهرة، وحاصل على دكتوراه في الهندسة الكهربائية – أكاديمية فينكس، الولايات المتحدة الأمريكية. هو عضو في مجلس الأعمال المصري الفنلندي منذ عام 2013، ورئيس شعبة الألومنيوم باتحاد الصناعات المصرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى