د. محمد الجمال يكتب.. كيف نتعامل مع أزمة النقل والشحن بسبب الحرب؟

من خلال تتبعي لأزمة النقل والشحن بسبب الحرب في المنطقة، أصبح واضحًا أن ما يجري لا يتعلق فقط بالعمليات العسكرية أو الصواريخ المتبادلة، بل يمتد تأثيره بسرعة إلى شرايين الاقتصاد العالمي. فالحروب لا تُغلق الجبهات العسكرية فقط، بل تُربك أيضًا الموانئ والمطارات ومسارات التجارة، وهو ما نراه اليوم بوضوح في حركة الطيران والشحن البحري.

خلال أيام قليلة فقط من التصعيد، أُلغيت أكثر من 5400 رحلة جوية في المنطقة، بعد إغلاق أو تقييد عدد من المجالات الجوية وتعطل 7 مطارات رئيسية. هذا الرقم لا يعني فقط تأخر رحلات أو تغيير مسارات طائرات، بل يعني آلاف المسافرين العالقين، وتكاليف إضافية على شركات الطيران، وارتباكًا كبيرًا في حركة النقل بين آسيا وأوروبا التي تمر عادة عبر أجواء الشرق الأوسط.

لكن التأثير الأكبر ظهر في البحر. فالتقارير تشير إلى أن نحو 140 سفينة حاويات أصبحت عالقة أو محاصرة في الخليج بسبب المخاطر الأمنية والتوترات العسكرية. هذه السفن تحمل ما يقرب من 470 ألف حاوية بضائع، أي مئات الآلاف من الشحنات التي يفترض أن تصل إلى أسواق مختلفة حول العالم.

الأمر لا يتوقف عند السفن العالقة فقط، بل يمتد إلى ارتفاع تكلفة النقل نفسها. شركات الشحن بدأت بالفعل في فرض ما يسمى رسوم الحرب على الحاويات. ففي بعض الخطوط قد تصل الرسوم إلى 2000 دولار للحاوية 20 قدم و3000 دولار للحاوية 40 قدم، بينما ارتفعت الرسوم في خطوط أخرى بشكل فوري من 500 إلى 1000 دولار للحاوية. وفي الوقت نفسه تشير التقديرات إلى أن نوالين الشحن قد ترتفع بين 50 و100 في المائة إذا استمر التصعيد.

خطورة الموقف تعود إلى أن هذه المنطقة ليست مجرد ممر تجاري عادي. فـمضيق هرمز وحده يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا. أي اضطراب في هذا الممر يعني فورًا ارتفاع تكلفة نقل الطاقة، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار السلع والغذاء والتصنيع في مختلف دول العالم.

لكن في خضم هذا المشهد القلق، حرصت الدولة المصرية على طمأنة المواطنين. فقد أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة أن المصريين لا ينبغي أن يقلقوا، وأن مصر آمنة وقادرة على التعامل مع التحديات مهما كانت تطورات الأوضاع في المنطقة.

كما أوضح رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي أن الحكومة وضعت خطة استراتيجية لتأمين السلع الأساسية، وأن الدولة تمتلك احتياطيات كافية من السلع الغذائية لفترات طويلة، بما يضمن استقرار السوق وعدم تأثر المواطن بأي اضطرابات محتملة في حركة التجارة العالمية.

وفي مثل هذه الظروف، يصبح من المهم التركيز على إدارة سلاسل الإمداد وتوافر المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية والمواد الخام، بحيث يمكن تقليل تأثير أي تأخير في الشحن أو ارتفاع في تكاليف النقل.

كما أن إدارة المخاطر في قطاع النقل والتجارة تصبح ضرورة، سواء عبر خطط الطوارئ أو المرونة في التعامل مع التغيرات المفاجئة في حركة الشحن والطيران.

في النهاية، ما نشهده اليوم يذكرنا بحقيقة بسيطة: الاقتصاد العالمي أصبح شديد الترابط. طائرة تُلغى في الخليج، أو سفينة تتوقف في مضيق هرمز، قد يؤثر ذلك بعد أيام قليلة في سعر سلعة في سوق بعيد آلاف الكيلومترات.

ولهذا فإن التعامل مع أزمة النقل والشحن لم يعد مجرد مسألة لوجستية فقط، بل أصبح جزءًا من إدارة الاستقرار الاقتصادي في عالم تتداخل فيه السياسة بالحرب بالتجارة في لحظة واحدة.

د. محمد الجمال

د. محمد الجمال، كبير الهيئة الاستشارية بمركز رع للدراسات، هو خبير في شئون الصناعات والاستثمار. حاصل على بكالوريوس في الهندسة الكهربائية – جامعة القاهرة، وحاصل على دكتوراه في الهندسة الكهربائية – أكاديمية فينكس، الولايات المتحدة الأمريكية. هو عضو في مجلس الأعمال المصري الفنلندي منذ عام 2013، ورئيس شعبة الألومنيوم باتحاد الصناعات المصرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى