مجدى طنطاوى يكتب.. حين يسبق الفكر الصادق ضجيج الدعوة الزائفة

قراءة في طرح علي محمد الشرفاء الحمادي لقضيتي الطلاق والزكاة
في زمن اختلطت فيه الاصوات وتصدرت فيه منابر الدعوة وجوه احترفت المظهر وابتعدت عن الجوهر برز فكر يستمد نوره من القرآن وحده لا من أهواء البشر ولا من روايات متناقضة ولا من مصالح سلطة او جماعة، فكر يطرح السؤال قبل أن يقدم الإجابة ويعيد الإنسان إلى أصل الرسالة حيث العدل والرحمة والحرية.
هنا يتقدم طرح علي محمد الشرفاء الحمادي خطوة واسعة أمام كثير من مدعي الإيمان الذين جعلوا الدين أداة للسيطرة لا وسيلة للهداية فحولوه إلى قيود تخنق المجتمع بدل أن تحميه.
الشرفاء لم يدخل معركة شعارات بل دخل إلى عمق أخطر قضيتين تمسان بنية المجتمع، وهما الطلاق والزكاة فوجد فيهما الخلل الحقيقي الذي ترك ثغرات في جدار الأمان الاجتماعي.
الزواج عقد مسؤولية لا ساحة صراع
ينطلق الشرفاء من فهم قرآني واضح للعلاقة الزوجية، قال الله تعالى “ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة”، هذا السكن لا يمكن أن يتحقق في ظل فوضى المفاهيم ولا في ظل سيطرة طرف على آخر.
لذلك يطرح الشرفاء فكرة العقد الاجتماعي التفصيلي للزواج القائم على التراضي الكامل والمعرفة المسبقة بالحقوق والواجبات، ليس زواجا شكليا بل اتفاق واعي يسبق الارتباط، وليس علاقة مفروضة بل شراكة إنسانية تحقق قول الله تعالى “ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف”
ومن هنا تأتي دعوته إلى تأهيل المقبلين على الزواج عبر دورات معرفية توضح معنى المودة والرحمة وتكشف خطورة الجهل في بناء الأسرة، هذا الطرح لا يعيد فقط التوازن للعلاقة بل يمنع الانفجار قبل حدوثه، يمنع أن تتحول البيوت إلى ساحات عنف، يمنع أن تصل إمرأة إلى حافة اليأس، فتفر هربا من بطش زوج أو طليق.
الطلاق ليس سيفا بل نظام عدل
حين تناول الشرفاء قضية الطلاق لم يراها أداة بيد الرجل كما صورها البعض، بل منظومة محكومة بضوابط قرآنية دقيقة قال تعالى “الطلاق مرتان فامساك بمعروف او تسريح باحسان”، هذا النص وحده يكشف أن الطلاق عملية منظمة وليست قرارا عشوائيا، فيها مهلة وفيها مراجعة وفيها أخلاق. لكن ما حدث عبر قرون هو اختزال هذه المنظومة في كلمة تطلق في لحظة غضب فتهدم أسرة كاملة
الشرفاء يعيد الاعتبار للنص القرآني ويطالب بتفعيل ضوابطه كاملة حماية للاسرة ومنعا للظلم. لأن الله لا يشرع عبثا ولا يترك الإنسان فريسة للهوى.
الزكاة بناء مجتمع لا صدقة عابرة:
أما في قضية الزكاة فيقدم الشرفاء طرحا صادما يعيد التفكير في مفهومها من جذوره.
الزكاة ليست نسبة جامدة من المال بل نظام اقتصادي واجتماعي متكامل. يطرح الشرفاء أنها الخمس من صافي المكسب بما يحقق التوازن الحقيقي داخل المجتمع.
القرآن يحدد الهدف بوضوح، كي لا يكون دولة بين الاغنياء منكم. هذا الهدف لم يتحقق حين تحولت الزكاة الى ممارسة شكلية محدودة، فبقي الفقير فقيرا بل ازداد فقرا، وبقي الغني محاطا بالخوف من الانفجار الاجتماعي
طرح الشرفاء يعيد الزكاة إلى وظيفتها الأساسية، حماية المجتمع من الجوع، وبناء جسور المحبة، وتحصين الاغنياء من السقوط الاخلاقي قبل المادي. قال تعالى “خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها”، التطهير هنا ليس للفقراء بل للأغنياء من الأنانية ومن القسوة ومن الغفلة.
حين يغيب الفهم تحضر المأساة
ما نشهده من مشاهد قاسية، إمرأة تهرب من ظلم، فقير يلقي بنفسه تحت عجلات القطار، مجتمعات تتفكك وتنهار، ليس قدرا محتوما بل نتيجة مباشرة لفكر مغلوط اختطف الدين وشوهه.
الشرفاء لا يقدم تنظيرا بل يقدم طريق نجاة، يعيد الإنسان إلى أصل الرسالة، إلى أن الله غفور رحيم، إلى أن البشر خلقوا من نفس واحدة، قال تعالى “يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة” هذه الوحدة الإنسانية تهدم كل مبررات الظلم والاستبداد.
الخلاصة
سبق علي محمد الشرفاء الحمادي غيره لأنه لم ينشغل بالمظهر بل عاد إلى المصدر، لم يكرر ما قيل بل سأل هل ما قيل يوافق كتاب الله، فكشف خللا عميقا في فهمنا للزواج والطلاق والزكاة، وطرح بديلا يعيد بناء المجتمع على اسس العدل والرحمة.
الفكرة ليست في شخص الشرفاء بل في المنهج الذي يدعو إليه منهج يجعل القرآن مرجعية حية، ويحرر الدين من قبضة من اتخذوه مطية، وحين يعود الناس إلى هذا الفهم، لن نرى مأساة تهرب فيها امرأة من بيتها، ولا فقيرا يهرب من الحياة، بل مجتمعا يعيش كما اراد الله، أمنا عادلا متراحما.