محطات في حياتي •• المحطة التاسعة والعشرون

حين تصنع الحكمة رجالاً •• في مدرسة رمز من رموز الوطن

حين تسبق السُمعة اللقاء

في مسيرة الإنسان شخصيات لا نلتقيها في البداية وجهاً لوجه لكنها تفرض حضورها في وعينا منذ الصغر من خلال ما نسمعه عنها من مواقف وما نلمسه من أثرها في مؤسسات الدولة وما تحمله من رصيد وطني يجعلها محل تقدير حتى قبل المعرفة المباشرة هكذا كانت علاقتي باللواء أركان حرب محسن النعماني وكيل أول جهاز المخابرات العامة ومحافظ سوهاج ووزير التنميه المحليه الأسبق عرفته اسماً ورمزاً قبل أن أتشرف بلقائه وكونت عنه انطباعاً راسخاً بأنه نموذج للمسؤول الذي يجمع بين الخبرة العميقة والحكمة الرصينة والقدرة على اتخاذ القرار في توقيته الصحيح .

من الرمز إلى القرب •• حين تتحول القناعة إلى تجربة:

لم تكن لحظة التعارف المباشر مجرد لقاء عابر بل كانت محطة فارقة في حياتي وذلك عندما انضم سيادته إلى مؤسسة صناع الحياة رئيساً لمجلس الأمناء ذلك المجلس الذي يضم نخبة من الوزراء السابقين وأساتذة الجامعات وكبار الشخصيات العامة وأشرُف أن أكون مستشاراً لسيادته داخل المؤسسة وهو ما أتاح لي فرصة ممتده للاحتكاك المباشر برجل دولة من طراز خاص والتعلم من مدرسة إدارية وإنسانية متكاملة ومنذ تلك اللحظة لم تعد الصورة الذهنية مجرد تقدير عن بُعد بل تحولت إلى يقين قائم على المعايشة والتجربة .

مدرسة الإدارة الحكيمة •• علم يُمارس لا يُدرّس:

من خلال ملازمتي لسيادته قرابة خمس سنوات أدركت أن الإدارة ليست قرارات تُصدر بل منظومة متكاملة من التفكير والتخطيط والتوقيت والتنفيذ وقد تجلت ملامح هذه المدرسة في عدة محاور كالتالى :

 ١- القرار المدروس: لم يتخذ قراراً إلا بعد دراسة علمية متأنية توازن بين المعطيات والنتائج بعيداً عن الاندفاع أو التسرع .

 ٢- التوقيت الحاسم : يدرك أن قيمة القرار لا تكمن فقط في صحته بل في توقيت اتخاذه .

 ٣- القدرة على التطوير المستمر : لم يكتفي بالحفاظ على ما هو قائم بل يسعى دائماً إلى الابتكار والتحديث بما يضمن استمرارية النجاح .

 ٤- بناء المؤسسات لا إدارتها فقط : وهو ما انعكس بوضوح في ترسيخ قواعد ثابتة داخل مؤسسة صناع الحياة جعلتها قادرة على الاستمرار والعطاء .

قيادة الشباب •• فن صناعة الأمل:

من أبرز التحديات التي واجهها سيادته داخل المؤسسة هو طبيعة الكيان نفسه حيث الاتى. :

 ١- أغلب الأعضاء من الشباب أقل من 40 عاماً

 ٢- مجلس إدارة المتطوعين أقل من 30 عاماً

ورغم ذلك نجح في تحويل هذه التركيبة إلى نقطة قوة لا نقطة ضعف من خلال الاتى :

 ١- احتواء الطاقات الشبابية وتوجيهها

 ٢- خلق روح الانتماء والالتزام

 ٣- بناء جسور الثقة بين الأجيال

 ٤- غرس قيمة العمل الجماعي

فكانت النتيجة نموذجاً فريداً في إدارة العمل التطوعي المؤسسي .

الإنسان قبل المسؤول •• فن التعامل الراقي:

لم تكن دروسي مع سيادته مقتصرة على الإدارة فقط بل امتدت إلى فن التعامل الإنساني :

 ١- احترام الجميع دون استثناء

 ٢- الاستماع الجيد قبل إصدار الأحكام

 ٣- احتواء الخلافات بحكمة

 ٤- تقدير الجهد مهما كان حجمه

وهنا أدركت أن القيادة الحقيقية تبدأ من الأخلاق قبل القرارات .

بنك العاطفة •• فلسفة إنسانية في ميزان العطاء:

من أعمق ما تعلمته من سيادته تلك المقولة التي طرحها في أحد الاجتماعات الأخيرة والتي أسعدتني كثيراً لما تحمله من عمق إنساني وإداري وهي “*بنك العاطفة*”.

وقد قدم سيادته تصنيفاً بديعاً للإنسان في إطار العمل يمكن صياغته وتوضيحه كالتالي :

١- صادق المشاعر المنكب على العمل: هو الإنسان الذي يجمع بين الإخلاص الداخلي والعمل الجاد فيكون عطاؤه نقياً مستمراً وهو العمود الفقري لأي مؤسسة ناجحة .

٢- صاحب المشاعر المنغلقة: يمتلك مشاعر طيبة لكنها غير ظاهرة فيحتاج إلى بيئة تحفزه لإخراج طاقته فهو قيمة كامنة تنتظر التفعيل .

٣- العطاء الصافي: وهو الذي يغلب عليه جانب العطاء فيمنح دون انتظار مقابل ويشكل رصيداً إيجابياً في “*بنك العاطفة*”.

٤- منطقة التوازن: بعض الأفراد يقفون في منتصف الطريق بين العطاء والتردد وهؤلاء يمكن توجيههم ليكونوا عناصر إيجابية مؤثرة .

٥- عناصر الهدم: وهم الذين يسحبون من رصيد المؤسسه وينشرون السلبية ويجب التعامل معهم بحسم أو إعادة توجيههم .

وهنا تتجلى عبقرية هذا المفهوم حيث يربط بين الإدارة والعاطفة والسلوك الإنساني في معادلة واحدة .

الدروس المستفادة •• خلاصة التجربة:

من هذه الرحلة الثرية أستخلص عدة دروس أراها جديرة بأن تكون مرجعية :

 ١- الإدارة الحكيمة أساس النجاح المستدام

 ٢- الشباب طاقة إذا أُحسن توجيهها تصنع المعجزات

 ٣- القرار المتأني يوفر الكثير من الأخطاء

 ٤- القيم الإنسانية هي جوهر القيادة الحقيقية

 ٥- المؤسسات تبنى بالمنهج لا بالأفراد فقط

 ٦- العاطفة عنصر أساسي في نجاح العمل المؤسسي

توصيات عملية نحو نموذج يُحتذى به: 

 ١- ضرورة تبني نموذج “بنك العاطفة” في المؤسسات

 ٢- الاستثمار في تدريب القيادات الشابة على هذا النهج

 ٣- تعزيز ثقافة العمل التطوعي المؤسسي

 ٤- بناء نظم إدارية قائمة على العلم والخبرة

 ٥- ترسيخ القيم الأخلاقية داخل بيئة العمل

كلمة وفاء •• تقدير مستحق:

إن الحديث عن اللواء أ.ح/ محسن النعماني ليس مجرد استعراض لمسيرة رجل، بل هو تقدير لمدرسة وطنية متكاملة جمعت بين الأمن والإدارة والعمل المجتمعي.

لقد تعلمت من سيادته الكثير… تعلمت كيف يكون القرار مسؤولية، وكيف تكون القيادة رسالة، وكيف يكون العطاء أسلوب حياة.

وإنني أدعو الله أن يمده بالصحة والعافية، وأن يوفقه دائمًا لما فيه خير الوطن، وأن تبقى تجربته منارة تهتدي بها الأجيال القادمة.

حين تتحول التجربة إلى مرجعية:

ليست هذه المحطة مجرد ذكرى بل هي وثيقة تعلم وتجربة إنسانية ومهنية تؤكد أن الأمم لا تُبنى فقط بالمشروعات بل تُبنى بالرجال الذين يصنعون الفارق وفي هذا السياق تترسخ لدي قناعة عميقة بأن هناك نماذج استثنائية في حياتنا لا يكفيها ما نُسطره من كلمات تقدير ولا تُوفيها حقها المناصب التي تقلدتها بل تستحق ما هو أسمى وأبقى وسام الأحترام.

هذا الوسام لا يُمنح بقرار رسمي ولا يُعلق على الصدور بل يُولد في ضمير الشعوب ويترسخ في وجدان كل من عايش هذه النماذج عن قرب هو وسام يُمنح لمن جعل من المسؤولية رسالة ومن العطاء نهجاً ومن القيم منهج حياة لا يتغير بتغير المواقع .

ويأتي اللواء أ.ح / محسن النعماني في مقدمة تلك النماذج التي تستحق هذا الوسام بجدارة ليس فقط لما قدمه ويقدمه حتى الان من عطاء في مواقع المسؤولية بل لما تركه من أثر ممتد ومنهج راسخ وقيم تُورث للأجيال .

لقد تعلمت من سيادته أن القيادة ليست موقعاً بل تأثير وليست سلطة بل مسؤولية وليست قرارًا بل حكمة تُمارس وعدل يُطبق وسيظل بالنسبة لي، نموذجاً للقائد الذي جمع بين العقل والحكمة والقلب وهي المعادلة الأصعب لكنها الأجدر بأن تُروى وتُخلد .

حفظ الله من يعطي وأدام على وطننا نعمة وجود مثل هذه القامات التي لا تحتاج إلى تعريف بل تحتاج إلى أن تُروى وتُقتدى بها ورحم الله من مضى .

 

لواء أحمد زغلول

اللواء دكتور أحمد زغلول مهران: المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية، سيادته كان مساعدًا لمدير المخابرات الحربية، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإدارية، كما أنه خبير متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى