د. محمد الجمال يكتب.. مصنع الألومنيوم خطوة لدعم الصناعة

تابعتُ خلال الأيام الماضية تصريحات رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي حول ملف الكهرباء والصناعة، وكان واضحًا من حديثه أن الدولة تضع هذا الملف في مقدمة أولوياتها، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية العالمية والتحديات التي تواجه قطاع الإنتاج، حيث أكد أن استقرار شبكة الكهرباء لم يعد مجرد خدمة أساسية للمواطنين، بل أصبح عنصرًا حاسمًا لاستمرار المصانع والعمل بكفاءة، وأن أي خطة للتوسع الصناعي لا يمكن أن تنجح من دون طاقة مستقرة ومضمونة.
ما أعجبني في التصريح أنه لم يتوقف عند الحديث عن الكهرباء باعتبارها أزمة أو تحديًا، بل قدمها كجزء من رؤية أوسع ترتبط باستراتيجية الطاقة 2030، وهي استراتيجية تسعى إلى تنويع مصادر الطاقة وزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة مثل الرياح والطاقة الشمسية، لأن الصناعة الحديثة تحتاج إلى طاقة مستدامة يمكن الاعتماد عليها لسنوات طويلة، وليس مجرد حلول مؤقتة.
وما لفت انتباهي أيضًا أن الحديث لم يكن نظريًا أو عامًا، بل ارتبط مباشرة بمشروعات صناعية حقيقية يجري العمل عليها، وعلى رأسها مشروع إنشاء مصنع جديد للألومنيوم في منطقة شرق بورسعيد بالتعاون مع شركة صينية، باستثمارات تقارب 2 مليار دولار، وهو رقم كبير يعكس حجم الطموح في هذا القطاع، ويؤكد أن الدولة لا تكتفي بتأمين الكهرباء، بل تسعى في الوقت نفسه إلى جذب استثمارات صناعية قادرة على الاستفادة من هذه الطاقة وتحويلها إلى إنتاج وفرص عمل.
أعود بالذاكرة قليلًا إلى حجم الاستثمار الصيني في مجال صناعة الألومنيوم حول العالم، فأدرك أن دخول الشركات الصينية إلى هذا القطاع ليس أمرًا عابرًا، لأن الصين اليوم تعد أكبر منتج للألومنيوم عالميًا، وتمتلك خبرة طويلة في إنشاء المصانع الضخمة وتشغيلها بكفاءة عالية، كما أن استثماراتها في هذا المجال تمتد إلى دول كثيرة في آسيا وإفريقيا وأوروبا، وهو ما يجعل وجودها في مصر خطوة طبيعية ضمن توسعها الصناعي العالمي، وفي الوقت نفسه فرصة مهمة لمصر للاستفادة من التكنولوجيا والخبرة التي تمتلكها هذه الشركات.
وأذكركم هنا بأن صناعة الألومنيوم في مصر ليست صناعة صغيرة أو حديثة، بل هي واحدة من الصناعات الاستراتيجية التي تمتلك تاريخًا طويلًا، حيث تعد مصر من الدول المنتجة للألومنيوم في المنطقة، ويقع على رأس هذه الصناعة مجمع الألومنيوم في نجع حمادي، الذي يعد من أكبر القلاع الصناعية في صعيد مصر، ويعمل به آلاف العمال والفنيين، ويسهم في توفير احتياجات السوق المحلي وتصدير جزء من الإنتاج إلى الخارج.
كما أن مصر تحتل مكانة متقدمة نسبيًا في صناعة الألومنيوم على مستوى إفريقيا والشرق الأوسط، ويعمل في هذا القطاع عدد كبير من العمالة المباشرة وغير المباشرة، لأن صناعة الألومنيوم لا تقف عند إنتاج المعدن فقط، بل تمتد إلى صناعات أخرى مرتبطة به، مثل صناعة الكابلات ومواد البناء وقطع غيار السيارات والأجهزة الكهربائية، وهي صناعات توفر بدورها فرص عمل إضافية وتدعم الاقتصاد الوطني.
ومن هنا يمكن فهم أهمية إنشاء مصنع جديد للألومنيوم في شرق بورسعيد، لأنه لا يمثل مجرد إضافة مصنع آخر، بل يمثل توسعًا في صناعة تحتاجها الدولة لتلبية الطلب المتزايد في السوق، ولتعزيز قدرتها على التصدير، خاصة مع وجود موقع جغرافي مميز قريب من الموانئ وقناة السويس، ما يجعل نقل المنتجات إلى الخارج أسهل وأسرع.
وفي تقديري، فإن الربط بين استقرار الكهرباء وإنشاء مصانع جديدة هو أهم ما يمكن أن نقرأه في تصريحات رئيس الوزراء، لأن الصناعة لا تنمو بالقرارات وحدها، بل تحتاج إلى بيئة متكاملة تشمل الطاقة والاستثمار والبنية التحتية، وعندما تتوافر هذه العناصر معًا، يصبح من الممكن تحقيق نمو حقيقي ومستدام.
في النهاية، يبدو أن مشروع مصنع الألومنيوم في شرق بورسعيد يمثل خطوة جديدة في مسار دعم الصناعة المصرية، ويعكس توجهًا واضحًا نحو توسيع قاعدة الإنتاج وجذب استثمارات كبرى، وهو ما قد يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة في صناعة الألومنيوم خلال السنوات المقبلة، مرحلة تعتمد على التكنولوجيا الحديثة والطاقة المستقرة، وتمنح الصناعة المصرية فرصة أكبر للمنافسة في الأسواق الإقليمية والدولية.