د. محمد الجمال يكتب.. حماية صناعة مصر

في لحظة تتسارع فيها التحديات الاقتصادية عالميًا، وتشتد فيها المنافسة بين الدول على جذب الاستثمارات وتعظيم الصادرات، لم يعد ملف الصناعة مجرد بند اقتصادي عادي، بل تحول إلى ركيزة أساسية للأمن الاقتصادي الوطني، وإلى أداة مباشرة لحماية فرص العمل واستقرار الأسواق. ومن هنا جاءت مناقشات لجنة الصناعة بمجلس النواب الأخيرة لتؤكد أن الدولة المصرية تتحرك وفق رؤية متوازنة، لا تكتفي بحماية الصناعة الوطنية، بل تسعى في الوقت ذاته إلى تهيئة بيئة إنتاج مستقرة تُمكّن المصانع من النمو والتوسع.
في هذا السياق، عقدت لجنة الصناعة بمجلس النواب اجتماعًا مهمًا بحضور الدكتور محمد فريد وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، حيث جرى نقاش موسع حول تداعيات فرض رسوم الحماية على مدخلات إنتاج الحديد والبيليت، وتأثير هذه الإجراءات على الصناعة المحلية، سواء من حيث تكلفة الإنتاج أو قدرة المصانع على الحفاظ على مستويات التشغيل والتوسع في الأسواق الخارجية. ولم يكن النقاش تقنيًا فقط، بل حمل بعدًا استراتيجيًا يتعلق بكيفية الحفاظ على توازن السوق، وضمان استمرار عجلة الإنتاج دون اضطراب.
الحديث عن صناعة الحديد تحديدًا ليس حديثًا عن قطاع واحد، بل عن سلسلة صناعية متكاملة تمتد من مواد البناء إلى الصناعات الهندسية، ومن مشروعات البنية التحتية إلى المشروعات القومية الكبرى. فهذه الصناعة تمثل عصبًا رئيسيًا للاقتصاد، وتوفر آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، كما أنها ترتبط بشكل وثيق بمعدلات النمو الاقتصادي وحجم الاستثمارات في الدولة. ولذلك فإن أي قرار يتعلق بمدخلات إنتاجها ينعكس بصورة مباشرة على السوق وعلى قدرة المصانع على المنافسة.
وخلال الاجتماع، كان واضحًا أن الهدف لم يكن مجرد فرض رسوم أو الدفاع عن قرار إداري، بل البحث عن صيغة تحقق التوازن بين حماية الصناعة الوطنية من الممارسات الضارة أو المنافسة غير العادلة، وبين توفير مدخلات الإنتاج بأسعار مناسبة تضمن استمرار التشغيل بكفاءة. فالصناعة لا تحتاج فقط إلى حماية، بل تحتاج أيضًا إلى استقرار في التكلفة، ووضوح في السياسات، وثقة في أن القرارات الاقتصادية تصدر وفق رؤية شاملة تأخذ في اعتبارها مصلحة السوق والمستهلك والمنتج معًا.
ومن النقاط اللافتة في النقاش، استعراض خطط دعم نمو القطاع الصناعي وتعظيم الصادرات، وهي نقطة تعكس تحولًا مهمًا في فلسفة إدارة الاقتصاد المصري خلال السنوات الأخيرة. فالدولة لم تعد تنظر إلى الصناعة باعتبارها نشاطًا محليًا يهدف إلى تلبية احتياجات السوق الداخلي فقط، بل باعتبارها منصة للتصدير وجذب العملة الأجنبية، ووسيلة لتعزيز مكانة مصر كمركز صناعي إقليمي. وهذا التوجه يتطلب تطويرًا مستمرًا في البنية التحتية، وتحسينًا في بيئة الاستثمار، وتوفير حوافز تشجع المستثمرين على التوسع في الإنتاج.
كما تناول الاجتماع مستهدفات وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية، ودور الصندوق السيادي في جذب الاستثمارات، وهي عناصر تؤكد أن ملف الصناعة لم يعد منفصلًا عن ملف الاستثمار، بل أصبح جزءًا من منظومة متكاملة تهدف إلى زيادة معدلات النمو الاقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة. فالصندوق السيادي، بما يمتلكه من أدوات مالية وقدرة على الشراكة مع المستثمرين، يمثل أحد الأذرع المهمة لدعم المشروعات الصناعية الكبرى، وفتح مجالات جديدة للاستثمار في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية.
وفي تقديري، فإن الرسالة الأهم التي خرج بها الاجتماع هي أن الدولة تسعى إلى بناء نموذج صناعي متوازن، يقوم على حماية المنتج الوطني دون الإضرار بحركة السوق، ويعتمد على تشجيع الإنتاج المحلي مع الانفتاح على الاستثمارات الخارجية. هذا النموذج هو ما تحتاجه مصر في هذه المرحلة، خاصة في ظل التحديات العالمية المرتبطة بارتفاع تكاليف الإنتاج واضطراب سلاسل الإمداد وتقلبات الأسواق الدولية.
كما أن تعزيز التنافسية الصناعية لم يعد خيارًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة الاقتصاد العالمي اليوم. فالدول التي تنجح في دعم صناعاتها وتوفير بيئة استثمار مستقرة هي التي تستطيع جذب رؤوس الأموال، وتوسيع قاعدة التصدير، وخلق فرص عمل حقيقية لمواطنيها. ومن هنا فإن أي خطوة تهدف إلى تحقيق التوازن بين حماية الصناعة وتوفير مدخلات الإنتاج بأسعار مناسبة تمثل استثمارًا في المستقبل، وليس مجرد إجراء مؤقت لمعالجة أزمة.
في النهاية، يمكن القول إن مناقشات لجنة الصناعة بمجلس النواب عكست إدراكًا واضحًا لحجم المسؤولية الملقاة على عاتق صانع القرار في هذه المرحلة، ورسخت مفهوم أن حماية صناعة مصر ليست مجرد شعار، بل سياسة متكاملة تستند إلى الحوار مع القطاع الصناعي، والتنسيق بين مؤسسات الدولة، والعمل المستمر على تطوير بيئة الإنتاج والاستثمار. فالصناعة القوية تعني اقتصادًا قويًا، واقتصادًا قويًا يعني دولة أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والتنمية.