المُربكات الأربعة: ماذا يبحث الرئيس “تبون” في القاهرة؟

تأتي زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى القاهرة في توقيت تشهد فيه المنطقة العربية مُربكات كبرى، يأتي أهمها تأجيل الانتخابات الليبية واحتمالات تعثر إجراءها، وتصلب شرايين الاقتصاد التونسي، وإقبال تونس على إجراءات سياسية تحتاج إلى دعم الجارتين مصر والجزائر، بالإضافة إلى تباينات عربية حول تمثيل سوريا في القمة العربية المقبلة بالجزائر، ناهيك عن العلاقات المتوترة بين الجزائر والمغرب، والتي ربما تؤدى إلى تأجيل القمة العربية المقبلة من شهر مارس القادم إلى منتصف العام، وذلك حسب تصريحات أدلى بها السفير حسام زكي، الأمين المساعد لجامعة الدول العربية نشرتها بعض وسائل الإعلام.

وفقا للمُربكات الأربعة سابقة الذكر، وزيادة مستوى التدخلات الإيرانية في المنطقة العربية، وانعكاسات ذلك على الأمن الخليجي الذي يعتبر جزء من الأمن العربي- يبقى السؤال، ألا وهو: ماذا يبحث الرئيس “تبون” في القاهرة، ما هي دلالات توقيت الزيارة، وما هي انعكاساتها المحتملة؟.

التوقيت ودلالاته:

زيارة “تبون” للقاهرة في توقيت يتراجع فيه معدل انتقالات رؤساء دول العالم بسبب تزايد معادلات الإصابة بـ”كورونا”- ثلاثة زيارات فقط خلال يناير 2022 قام بها بعض رؤساء وزعماء العالم-، يشير إلى أهمية أجندة الزيارة، وما تحمله من قضايا ملحة، وأن انعقاد هذا اللقاء المرتقب بين الرئيس “السيسي” و”تبون” قد يؤدى إلى حلحلة قضايا متجمدة أو على الأقل فتح ملفات ملحة قبل انعقاد القمة العربية المقررة في مارس المقبلة بدولة الجزائر.

تأسيساً على ما سبق، قد تمثل الزيارة في هذا التوقيت ظهير قوى للرئيس التونسي قيس سعيد في أزمته مع إخوان تونس، لما تمثله الجزائر من قوة معنوية ودافع داعم لثبات للشعب التونسي في مواجهته لقوى التيار الإسلامي- حركة النهضة- إما بسبب تأثير الجغرافيا أو باعتبارهما-الجزائر ومصر- نموذجان ملهمان في انتصار مؤسسات الدولة على التيارات الدينية التي تقاتل من أجل السلطة، خاصة وأن “قيس سعيد” يحتاج في هذا التوقيت إلى دعم الأصدقاء العرب في تنفيذه لإجراءاته الإصلاحية، التي بدءها بالاستفتاء الإلكتروني في بداية الشهر الجاري، ثم تنظيمه لاستشارات مباشرة على الإصلاحات في كل دوائر الدولة تنتهي في 20 مارس المقبل، وإعلانه عن الاستفتاء العام في 25 يوليو المقبل، وإجراءه الانتخابات التشريعية في ديسمبر 2022.

وإذا كانت زيارة “تبون” للقاهرة في هذا التوقيت تدعم بطريقة غير مباشرة الإجراءات التي اتخذها الرئيس التونسي “قيس سعيد” ضد حركة النهضة، فإنها أيضا تأتي في توقيت مهم يتعلق بالصدمات التي تشهدها عملية إجراء الانتخابات الليبية، فقد تؤدى تلك الزيارة التي تزامنت مع نهاية المدة المحددة لإجراء الانتخابات المؤجلة منذ 25 ديسمبر الماضي، إلى توحيد المواقف العربية،- مصر والجزائر وتونس-، تجاه المسار الآمن الذي يلزم الأطراف الليبية بإجراء الانتخابات والحفاظ على مؤسسات الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار، وتعزيز الجهود الدولية المتفقة مع رؤية تلك الدول الثلاثة. يذكر أن الانتخابات الليبية كان مقرر إجراءها في 24 ديسمبر وتم تأجيلها لمدة شهر ثم قرر مجلس النواب الليبي في جلسته المنعقدة في نهاية ديسمبر الماضي، تأجيلها لمدة 6 أشهر على الأقل، مع اختلاف القوى السياسية على شكل إجراءها سواء التشريعية في توقيت والرئاسية في توقيت أخر أو إجراءهما في نفس التوقيت.

وبالانتقال من ليبيا إلى الجزائر نفسها، مقر انعقاد القمة العربية المقبلة، قد يكون لقاء “السيسي” و”تبون” في هذا التوقيت عامل قوى مؤثر على مسار تمثيل سوريا في القمة العربية المقبلة، بالتالي قد يمهد هذا اللقاء إلى الارتكاز على أرضية صلبة أو مستقرة فيما يتعلق بوضع الحكومة السورية المقبل في الجامعة وعلاقتها مع الأطراف العربية التي بدت أكثر تقارباً خلال الشهور الأخيرة.

أجندة ممتلئة:

من المحتمل أن تتناول أجندة اللقاء المرتقب بين الرئيسين “السيسي” وتبون”، ما تم مناقشته بالقاهرة في الـ 17 من يناير الجاري مع وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج الجزائري رمطان العمامرة، الذي كان أهمه مناقشة الاستعداد للقمة العربية المقبلة بالجزائر، وكذلك القضية الفلسطينية، والأزمة في ليبيا، وأيضا الوضع الإقليمي، وكذلك الدور المنوط بالبلدين في دعم العمل العربي المشترك، ودعم قيم وإعلاء مبادئ الاتحاد الأفريقي.

تفصيلا، يمكن القول إن مناقشات الرئيسين “السيسي” و”تبون” ستتطرق إلى كيفية تطوير العلاقات الثنائية والشراكة والتعاون بين البلدين في مختلف القطاعات والمجالات، خاصة الاقتصادية والتجارية والاستثمارية”. هذا بالإضافة إلى أن المناقشات المغلقة بينهما قد تتناول بدقة كيفية التعاون والاستعداد للعمل سويا لتحقيق النجاح للقمة العربية، وكذلك الوضع الأخير وتطورات الأزمة الليبية، وآفاق تفعيل الحل السياسي وإجراء الانتخابات لإنهاء التدخلات الخارجية في هذا البلد الشقيق”.

 هذا بالإضافة إلى مراجعة الوضعين الأمني والسياسي بالقارة الأفريقية، خاصة وأن الدولتين اتفقتا من قبل على “أهمية التنسيق بين وفدي البلدين داخل المنظمة القارية وفي مختلف هياكلها لدعم الحلول السلمية للأزمات وفق مقاربة تكرس مبدأ الحلول الأفريقية لمشاكل القارة السمراء”.

انعكاسات ممتدة:

توقيت الزيارة ومستوى أجندتها سيكون لهما انعكاسات ايجابية على عدد من الملفات العالقة، والتي قد يكون أهما: (*) التنسيق الأمني والاستخباراتي بين البلدين في مواجهة الإرهاب ومحاصرة مرتكزاته في مناطقه الجديدة في القارة الأفريقية، حيث أكد الرئيس السيسي في أحد لقاءاته الخارجية بالرئيس “تبون” على أن موقف مصر، يظل داعماً للجزائر في مواجهة الإرهاب، خاصةً في منطقة الساحل، ودعم الإجراءات، التي تتخذها القيادة الجزائرية في سبيل الحفاظ على الأمن، ومعربا عن ضرورة تدعيم التنسيق الأمني وتبادل المعلومات بشأن الجماعات الإرهابية التي تمثل تهديدا مشتركا للبلدين والمنطقة بأكملها”. (*) تثبيت وثبات الموقف الشعبي الداعم للإجراءات الإصلاحية التي يقوم بها الرئيس التونسي قيس سعيد، حيث أن مناقشة الرئيسين “السيسي” و”تبون” للوضع في تونس من منطلق دعمها للاستقرار الداخلى في تلك الدولة، وهو ما يعني المساندة غير المباشرة لخارطة الطريقة التي حددها قيس سعيد- سينعكس على إصرار الرئيس والشعب التونسي معا على التمسك بإجراءات الإصلاحات في مواجهة تحديات جماعة الإخوان التونسية، وما يؤكد الموقفين المصري والجزائري من الإجراءات المتخذة من قبل الرئيس التونسي، هو ما قيل في بيان للرئاسة المصرية في الخامس من أغسطس المضي، وهو أن “الرئيس عبد الفتاح السيسي اتفق مع وزير الخارجية الجزائرية، رمطان لعمامرة، على الدعم الكامل للرئيس التونسي، قيس سعيد”، وأيضا بدت الجزائر نشطة، إذ كان الرئيس، عبد المجيد تبون، أول مسئول يتواصل مع نظيره التونسي بعد إعلانه إقالة حكومة هشام المشيشي وتعليقه أعمال البرلمان، وزار لعمامرة تونس في مناسبتين، في غضون أيام. (*) أما الانعكاس الثالث، فيتمثل في احتمالات خروج بيان أو تصريح مشترك يدعم إجراء الانتخابات الليبية في موعدها سواء كانت الرئاسية أو التشريعية، وهو ما يعبر عن توافق كامل في موقف الرئيسين، ويدعم الموقف الدولى المحفز على عدم تأجيل الانتخابات، مما يؤدي إلى انعكاسات مباشرة تتمثل في حلحلة مواقف الأطراف الليبية المتعارضة، وهو ما يمهد الطريق لعودة الأمن والاستقرار في هذا البلد الشقيق ويقوض التدخلات الخارجية به”.

في النهاية يمكن القول، إن زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى القاهرة في هذا التوقيت، ستكون لها انعكاساتها الإيجابية على منطقة المغرب العربي، خاصة تونس وليبيا، وربما أيضا على واقع العلاقات المغربية الجزائرية، خاصة وأنه من المحتمل التطرق إلى واقع الأزمة بين البلدين، وحدود تقريب وجهات النظر بين الدولتين. وعلى المستوى العربي قد تنعكس تلك الزيارة على مستقبل العلاقات العربية السورية، خاصة فيما يتعلق بوضع الحكومة السورية في الجامعة العربية وكيفية التعامل مع التدخلات الإيرانية في المنطقة العربية والتأثير على الأمن القومي العربي.

د.أبو الفضل الاسناوي

المستشار الأكاديمي والمشرف العام -حاصل على دكتوراه في النظم السياسية من جامعة القاهرة في موضوع الأداء البرلماني في دول الشمال الأفريقي. -حاصل على ماجستير في النظم السياسية عن موضوع النظام السياسي والحركات الإسلامية في الجزائر. -مدير تحرير مجلة السياسة الدولية بالأهرام. -كاتب في العديد من المجلات العلمية وخبير مشارك في العديد من مراكز الدرسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى