كيف اغتصب المتطرفون سلطة الله المطلقة؟.. في “دوائر التحريم”.. (عرض كتاب)

تغلبت على المجتمعات العربية الثقافة الذكورية؛ فتصنعت دوائر لتحريم تناسب وتخدم الثالوث المعظم المتمثل في (السلطة، الجسد، المٌقدس)، حيث أعطت لهذا الثالوث الأحقية في أن يعادي كل ما يحمل معنى الجمال من إبداع وعلم وفن، حتى وإن كان لا يتوافق مع أوامر النصوص الفقهية من قريب أو بعيد. ومن ثم فإن كتاب “دوائر التحريم السلطة والجسد والمقدس” يدافع عن الحرية بوصفها القيمة النهائية للإنسان، كذلك باعتبارها السبيل الأوحد أمام البشر للتحرر من كافة أوهامهم اللاهوتية والسياسية.

قدم الأستاذ الدكتور حسن حماد، أستاذ الفلسفة المعاصرة وعلم الجمال دراسة فلسفية وجودية لا تخلو من المحاور السياسية والأخلاقية ومدى تأثيرها على الجانب الاجتماعي. اندرجت تلك الدراسة تحت عنوان “دوائر التحريم.. السلطة والجسد والمُقدس”، وخلال صفحات الكتاب اقتحم المؤلف عديد من المناطق الفكرية المحظورة بالمجتمعات العربية؛ لتفكيك الدوائر التحريم التي تحيط بها، والعمل على تحليلها ونقدها وإعادتها إلى جذرها الإنساني والدنيوي، حتى يترفع الإنسان العربي عن دوائر القهر والقمع الفكري التي تسببت في تأخير حركة التقدم والصيرورة.

يناقش الكتاب البالغ عدد صفحاته “260”، من الحجم المتوسط ثلاث محاور (السلطة، الجسد، المُقدس)، ويوضح أستاذ علم الجمال، أن دوائر التحريم الثلاثة متشابكة فيما بينها بصورة يصعب مناقشة أي منها بمعزل عن الأخرى؛ فهناك علاقات سرية مُبهمة وغامضة تتم فيما بين الدوائر الثلاث، موضحًا ما تعنيه الدائرة الأولى المتمثلة في السلطة بمعناها السياسي؛ فإذا ما كانت سلطة دنيوية تبدو سلطة مُدنسة من وجهة نظر لاهوتية، أما في حالة امتزاجها بالدين تصبح سلطة مُقدسة ومطهرة؛ وذلك يرجع إلى أنها ستحكم حينئذ باسم الإله.

ويتابع الكاتب: تحليله لدوائر التحريم الثلاثة، موضحًا أن الجسد بشكل عام ينتمي إلى دوائر المُدنس، إلا أنه قد يكتسب صفات المٌقدس بالوضوء والصلاة والنظافة والغُسل في حالة الموت، مضيفًا إلى تحليله الدائرة الأخيرة وهي المُقدس التي تدل بالمُثل على كل ما يتصف بالألوهية أو التحريم.

وأوضح حماد، أن كلمة مُحرم مزدوجة الدلالة، حيث تعني المُقدس والمدنس أو الطاهر والنجس معًا، متطرقًا خلال صفحات الكتاب إلى العلاقة بين القهر السياسي والقمع الديني، موضحًا أن هذه العلاقة علاقة طردية؛ فكلما تقلصت مساحة الحرية اتسعت دائرة الإرهاب والتطرف الديني، وبالتالي تتسع دوائر التحريم بحيث يصبح التفكير جريمة تساوي التكفير، ويصبح كل جديد أو تجديد بدعة وضلالة ينبغي قذفها في النار.

وأسقط المؤلف خلال سطور الكتاب الضوء على ثقافة التحريم بالمجتمعات العربية، وتطرق لشرح ما تعنيه الفكرة أو الخاطرة بتلك الثقافة، حيث اعتبارها وسوسة من وساوس الشيطان، كما تصبح النظرة سهمًا من سهام إبليس، ولا تقل في جرمها وخطيئتها عن الزنى الفعلي. أما الكلمة بتلك الثقافة؛ فلها قوة الفعل وبها يكون الإيمان وبها يكون الزواج وبها يحدث الطلاق، وبذلك تُصبح الكلمات بديلًا سحريًا للواقع، فالكلمة هي التي تقرر مصير الإنسان، وتحدد حياته ووجوده، أما الكلمة المُقدسة فلها من القوة والجبروت والسلطة ما لا يمكن تخليه أو إدراكه.

دوائر التحريم تتسع عند المتطرفين الجدد.. هكذا ما أشار إليه أستاذ الفلسفة الحديثة دكتور حسن حماد خلال صفحات كتابه، موضحًا أن دوائر التحريم أخذت في الاتساع إلى أن أصابت بشكل كبير حياة المٌسلم من أمور تتعلق بالعبادات بينه وبين ربه، وصولًا إلى الأفعال والسلوكيات، ولم يكتفوا بذلك بل تجاوزوا حدود المخيلة، وانبثقوا في الأفكار والأخيلة، حتى أن أصبح المسلم يخشى الاجتهاد الذاتي وإعمال عقله في أمور دينيه؛ خوفًا من تكفيرهم له.

ويتابع حماد في شرح حال المتطرفين الجدد اتجاه الدين والعباد، موضحًا أن هؤلاء اغتصبوا سلطة لله المطلقة في الأوامر والنواهي ونسبوها لأنفسهم من خلال الفتاوى التي اتخذت لدى المسلمين المعاصرين طابعاً فوضوياً وعبثياً؛ فأصبح بوسع أي أحد أن يمارس وظيفة الإفتاء بمجرد أن ينضم إلى أحد الجماعات الإسلامية، حيث أضافوا محرمات جديدة إلى المحرمات المذكورة في القرآن من ابتكار خيالاتهم المريضة. من هذه الفتاوى تحريم الأغاني والأفلام والمسرحيات وكافة أنواع الفنون التشكيليَّة بوصفها وسائل تحرض على الفحشاء وأدوات للإلهاء والانشغال عن الأمور الدنيوية.

يكشف الكتاب بصفة خاصة عن مدى سيطرة الثقافة الذكورية في المجتمعات العربية وما تتعرض له المرأة من جراء انتشار هذه الثقافة، وكم القهر والتسلط والجحود الذي تعيشه ليل نهار، خاصة من التحريمات التي يسقطها المتشددين على المرأة، حيث أنهم يحرمون وجودها في المجال العام، كذلك يحرمون كل ما يمت للمرأة بصلة: صوتها، رائحتها، وجهها، جسدها، ولذلك ينبغي توخي الدقَة في عزلها وحجبها وتصميتها بوصفها عورة ينبغي سترها

أما عن الموقف الإسلامي من المرأة، يكشف المؤلف عن النظرة الساخطة على المرأة، التي قد انتقلت من التراث الحضاري القديم، موضحًا اتهام هذا التراث المرأة بأنها قد أدخلت الخطيئة والشقاء والموت إلى هذا العالم، وأنها ستبقى مسؤولة عن اقتراف الخطيئة الأصلية، وبهذا جعل الرجل من المرأة مسؤولة العذاب والفشل وضياع الفردوس الأرضي؛ فوجد ضالته في المرأة بوصفها كبش الفداء أو الأُضحية التي يشعر من خلالها بأنه قد تخلص وللأبد من إحساسه المخزي بالذنب والعار، ومن شعوره المرعب بالعجز والخواء.

وأضاف المؤلف، أن احتقار الرجل للمرأة ليس سوى وسيلة دفاعية حاول من خلالها الرجل أن يسقط نواقصه وعيوبه كافة على ذلك الكائن الغامض المجهول الذي يسمى بالأنثى، موضحًا أن الموقف الذكوري من المرأة اتسم على الدوام بطابع التناقض، وتأرجح بين الانجذاب والنفور، وبين الافتنان والعداء، وإن هذه الازدواجية تطبع المرأة بطابعها، فهي التي تعطي الحياة وتنذر الموت، وهي سر السعادة، وأصل الشقاء، وهي الأم ورمز الحب والعطاء، وهي أيضًا مصدر الغواية والفتنة. كما أضاف التراث القديم إلى المرأة بعدًا إلهيًا مقدسًا، مما جعل المسألة أكثر تعقيدًا وصعوبة.

 وتوصل دكتور حماد، إلى أن موقف الثقافة العربية الإسلامية من قضية المرأة بشكل عام موقف يتسم بالغموض والالتباس والتناقض، مشيرًا إلى موقف (الطاهر الحداد) في رؤيته لموقف الإسلام من المرأة، حيث يقول الحداد: “إن الإسلام يتخذ موقفًا حاسمًا فيما يتصل بكراهية البنات التي كانت سائدة في الثقافة الجاهلية قبل الإسلام، وقد قال الرسول-صلى الله عليه وسلم-: ” أنا أبو البنات”. وقد ذكر القرآن في عرض ذم لقتل البنات: “وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ”. ومن دلائل اهتمام الإسلام بالمرأة أن جعل لها في القرآن سورة من طوال السور، وسماها سورة النساء، وذكرها أيضًا في آيات وسور مختلفة مُشيدًا بقيمتها ومقدرًا لحقوقها.

“الرغبة هي علامة بؤس الإنسان، والجسد هو سر شقائه، ولهذا كان لا بُد من إماتة الرغبة وقمع الجسد حتى تنهض الحضارة، وتزدهر النوازع الروحانية”… هكذا عبر حسن حماد عن نظرة معظم الديانات الشرقية القديمة وكذلك الديانات الإبراهيمية الثلاث للجسد، موضحًا أن معظم الديانات سواء الوضعية والسماوية تطالب الجسد بالترفع عن كل متطلباته وضروراته، وأن يتطهر ويصبح جسدًا نورانيًا؛ فالحضارات على اختلاف أنواعها كانت تلصق بالنفس أو الروح كل صفات الصفاء والطهارة والسمو والنقاوة، على حين تلصق بالجسد كل صفات القذارة والنجاسة والتدني والابتذال والشر.

وتطرقت صفحات الكتاب إلى الحب الإلهي وتجلي المُقدس، ووضحت بين سطورها أن الحب الإلهي الذي يربط بين الخالق والمخلوق لم يصرفه عن الاهتمام بالحب الإنساني، مستدلًا على الذوق الصوفي عند ابن العربي كمثال لتجربة العشق “فالعين تعشق والأذن تعشق” وفي هذه دلالة قاطعة على أن الجسد هو مركز الذوق الصوفي لدى ابن العربي، وهو ميدان تجلي المقدس؛ فالفناء ليس تغييبًا للجسد بقدر ما هو حضور وتجلي للجسد في أسمى درجاته، حيث نشهد الواحد في أعلى وأجمل وأروع صور تجليه.

وذكر المؤلف جدلية المٌقدس والإنساني عند إريك فروم، التي تنص على: “إذ لا يجب أن ننظر إلى كل ما هو لا شعوري في الذات الإنسانية على أنه شيء دنيء، بل يمكن أن يكون ساميًا أيضًا”. وهذا ينعكس على صورة الإله، حيث أوضح تلك الصورة في كل من الديانتين الإنسانية والتسلطية، بأنها تختلف وتتمايز. على حين يكون الإله في الديانة الإنسانية لذات الإنسان العليا ورمزًا على أن يحتمل أن يكونه الإنسان أو ينبغي أن يكونه، نجد أن الإله في الديانات التسلطية يصبح هو المحتكر، أما كان يملكه الإنسان أصلًا: عقله وحبه.

وتوصل المؤلف إلى العلاقة بين الإله والإنسان التي تنص على: “أنه كلما أصبح الله أكثر كمالًا أصبح الإنسان أكثر نقصًا، حيث إنه يسقط أروع ما يملك على الإله؛ بالتالي يفقر ذاته. الآن الله يمتلك كل الحب والحكمة، كل العدل. أما الإنسان فإنه يفتقر لهذه الصفات، إنه خاو وفقير”. وبذلك يسقط الإنسان أغلى صفاته الخاصة وأعلاها على الإله، فتصبح هذه الصفات منفصلة عنه، وفي هذه العملية يصبح مغتربًا عن ذاته، فكل ما كان يملكه أصبح ملكًا للإله، ولم يُعد أمامه من وسيلة يقترب بها من نفسه سوى التقرب إلى الله.

 ويرى أنه من خلال عبادة الإنسان للإله يحاول العبد جاهدًا أن يتصل بذلك الجزء المغترب من ذاته، والذي فقده أثناء عملية الإسقاط. لذا يعسى الإنسان جاهدًا في التوسل إلى الله؛ كي يعيد إليه بعضًا مما فقده، وبعضًا مما كان يملكه من تلك الكنوز الضائعة.

وأشار إلى الدين طبقًا لفريد: “هو تكرار لتجربة الطفولة؛ فالإنسان يتعامل مع القوى التي تهدده بالأسلوب نفسه الذي كان يتبعه عندما كان طفلًا، إنه يواجه شعوره بعدم الأمان بالاعتماد على الأب يعجب به ويخافه في وقت واحد. كما أن الدين يفرض على الجميع وبصورة متكافئة أسلوبه الخاص لبلوغ السعادة، وتجنب الألم. وتقوم تعاليمه على الحط من قيمة الحياة وتشويه صورة العالم الواقعي بطريقة مضللة.

 ويوضح المؤلف أن فرويد يرفض تلك الوصاية التي تمارسها الديانات التوحيدية الإبراهمية على الديانات الأخرى بوصفها معيارًا أو إطارًا مرجعيًا نُقيم ونفهم من خلاله الديانات الأخرى كـ (البوذية، الطاوية، الكونفوشيوسية)، التي تبدو لا دينية من وجهة نظر الديانات المؤلهة، مع أنها تستحق هذا الاسم على الأقل من الناحية النفسية.

  ويوضح حماد، أن الديانات الإبراهمية الثلاثة تختلف بما فيه الكفاية، حيث تختلف فيما بينها اختلافًا جذريًا، وتتناقض تمامًا مع أي أفكار غريبة عنها، أو لا تنتسب لنصها الديني، ولعل السبب في ذلك يعود إلى مركزية المُقدس في كل من هذه الديانات؛ موضحا ما يعنيه، قائلًا : ” أن النص الديني الذي يعتقد أنه كلمة الله؛ بالتالي لا يجوز نقده أو الشك فيه أو حتى تأويله. ومن ثم فإن أصحاب كل ديانة من هذه الديانات يعطي لنفسه الحق في التحدث باسم الإله، ويؤمن بأنه الأقرب إليه، ومن هنا يستحوذ على الحقيقة المطلقة أو المقدسة التي تجعل كل الحقائق الأخرى باطلة إن لم تكن مُدنسة”.

وتابع: ” ولا شك أن المطلقات أو المُقدسات لا يمكن أن تتحاور أو تتعايش معًا أو مع غيرها، مستشهدًا بما تشهده منطقة الشرق الأوسط حاليًا من صراعات وتناحرات طائفية ومذهبية مجنونة ومستعرة يحركها الصراع الوهمي القائم على امتلاك المقدس ووهم الاصطفاء، وذلك الصراع الذي لن يكون له سوى نتيجة واحدة هي الموت المجاني لعشرات ومئات الأبرياء الذين يذبحون تحت راية المقدس وباسم الإله”.

وانتقل أستاذ الفلسفة الحديثة إلى الفتنة الحائرة بين القداسة والسياسة، موضحها من منظور الكاتب التونسي “هشام جعيط”، بأن الفتنة الكبرى أمر متوقف على مراحل تطور الفتنة، كما متوقف على المتنازعين من أبطال القضية ومحركيها. فالمقاتلون؛ المسببون الأوائل للفتنة كانوا يقاتلون بولع في سبيل تطبيق أحكام القرآن في شئون المسلمين، لكن معاوية بن أبي سفيان في آخر المرحلة كشف عن مطامحه في الوصول إلى سدة العليا للحكم. وكذلك علي بن أبي طالب يدافع عن شرعية خلافته باسم سابقته في الإسلام؛ أي كان ينافح عن سلطة سياسية باسم مقولات وقيم دينية.

وتابع: “ أن حقيقة الأمر أن الديني والسياسي ممتزجان؛ إذ من الطبيعي أن ترجع إلى الديني أولًا، أمة قامت على أساس دعوة دينية في البداية، أي على كتاب مُقدس، وأن يظهر لها دينيًا كل شيء، بما في ذلك وبشكل خاص السياسي، لكن لكل واحد من المتنازعين له تأويله الخاص لهذا الديني الموظف في السياسي، فقد كان القراء الذين قتلوا عثمان بن عفان في نظر الآخرين، يتمسكون بحرفية الكتاب ولا زمنيته. ومن دون أن يكون لديهم فكرة واضحة عن أي شكل آخر للقيادة والزعامة؛ فبعدما قتلوا عثمان، سيقفون إلى جانب علي أي شكل آخر للقيادة وقوفهم ضده، حين شكلوا أول حزب سياسي/ ديني في الإسلام (حزب الخوارج)؛ حيث كان القراء يمثلون قوة جديدة مؤدلجة جدًا شديدة الانطباع بالقرآنية، ويمثلون في آن واحد الجانب الثوري الإرهابي للفتنة.

أشار المؤلف إلى رأي “جعيط” حول الآثار التي جاءت بعد الفتنة الكبرى، وما ترتب عليه من رد فعل تسلسلي، الانقسامات السياسية والمذهبية الكبرى التي ستنبثق من تلك الصراعات الأولى، الانقسامات التالية في خلال قرنين أو ثلاث قرون، فيما أكد جعيط في العديد من المواضع والصفحات رفضه تسييس الفتنة وإحالتها إلى مجرد صراع على السلطة أو صراع من أجل الاستحواذ على الخلافة. ويسلط جعيط الضوء على هذه الطائفة القراء التي استطاعت أن تقلب الأوضاع بصورة دراماتيكية؛ فالقراء هم من أشعلوا الفتنة وغيروا مسيرة التاريخ الإسلامي، والقراء يقتلون عثمان، باسم بعض الأفكار يقع إعلان علي خليفة، والقراء مثل أكثرية الأمة ينضوون تحت رايته، وعلى حساب القراء أيضًا الذين كانوا قد اعتقدوا أنهم سيصلحون حكمًا منحرفًا باللجوء إلى أحكام الكتاب وتعاليمه. الأمر الذي يعني أن بذور المطالب والمنازعات المقبلة كامنة هنا، وأنها تنتظر الظهور والبروز بموجات متقطعة”.

وأكد حماد، أن الفتنة برغم كل خطاياها تظل بالنسبة لجعيط -ولنا- لحظة ديناميكية فارقة، لحظة ساحرة كسائر الفترات الأكثر إثارة في تاريخ البشرية، ومن حيث أبطالها المتصارعين، كذلك من حيث قيمها وخطابها. يتبين أنها فترة مكثفة متوترة استثنائية على غرار الثورات الكبرى التي زعزعت الثوابت وغيرت من مصائر الإنسانية.

وأخيرًا.. يتواصل المؤلِّف أن دوائر  التحريم ليست قاصرة فحسب على السلطة الدينيَّة، ربما تكون السلطة الدينيَّة هي أكثر السلطات قدرة على تعزيز المشاعر التحريميَّة، لأن المعتقدات الدينيَّة إذ تنفذ إلى قلب وأعماق الإنسان تتحوَّل إلى سلطة باطنيَّة مطلقة لا يجب مناقشتها ولا يجوز فهمها، أما السلطات الأخرى التي تنافس السلطة الدينيَّة في فرض تحريماتها ومحظوراتها. فيأتي في مقدّمتها السلطة السياسيَّة بكل مؤسَّساتها وأجهزتها وأدواتها إلى جانب السلطة الاجتماعيَّة الممثَّلة في العرف والتقاليد، وسلطة الرأي العام والسائد والمألوف.

 إن هذه السلطات كثيراً ما تدخل في منافسة وصراع مع السلطة الدينيَّة من أجل فرض نموذجها ومثالها التحريمي على الأفراد والجماعات، ولكن عندما تكون السلطة السياسيَّة والسلطات الثقافيَّة والتربويَّة التابعة لها في حالة من الضعف والهشاشة والرخاوة، هنا تصبح المؤسَّسة الدينيَّة لها الكلمة العليا في حياة الإنسان، فهناك علاقة طرديَّة ما بين القمع السياسي والتشدُّد الديني، فكلما تقلَّصت مساحة الحريَّة اتَّسعت دائرة الإرهاب والتطرّف الديني، وبالتالي تتَّسع دوائر التحريم بحيث يصبح التفكير جريمة تساوي التكفير، ويصبح كل جديد أو تجديد بدعة وضلالة ينبغي قذفها في النار.

وجدير بالذكر، أن كتاب “دوائر التحريم.. السلطة والجسد والمُقدس” صدر عن دار مصر العربية فى القاهرة، هو من تأليف الدكتور حسن حماد أستاذ الفلسفة فى جامعة الزقازيق. والعميد الأسبق للكلية، وأستاذ كرسي اليونسكو للفلسفة بمصر، عضو اتحاد كتاب مصر.

رباب الحكيم

باحث ببرنامج التطرف والإرهاب، ومدير العلاقات العامة والاتصال الخارجي. حاصلة على ليسانس آداب فلسفة، وباحثة ماجستير في الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى