مسارات مخيفة: كيف ينعكس عودة “طالبان” على مستقبل التطرف؟

تابع المجتمع الدولي مشهد دخول طالبان إلى القصر الرئاسي بكابل أول أمس بترقب وذهول، لكن تجدر الإشارة هنا إلى أن مركز رع للدراسات توقع في تحليل نشر بتاريخ 6 يوليو 2021-أي منذ شهر ونصف، أن عملية دخول “طالبان” للعاصمة كابل لن تتجاوز ثلاثة أسابيع، بعيداً عن ما تم نشره في السابق، وإن كان ذكره الآن من الضروري، يمكن التأكيد على أن تلويح قوات طالبان بالسلاح من داخل القصر الرئاسي، وقراءة آيات قرآنية بمجرد الدخول، يبعث عن إشارات تحتاج إلى تفسير وتحليل، خاصة وأن عهد جديد تتشكل ملامحه في أفغانستان بسيطرة طالبان على السلطة، كما أن مرافقة قناة الجزيرة دون غيرها قيادات الحركة أثناء دخولهم القصر الرئاسي، يعكس حدوث تنسيق بين الحركة والمسئولين في قطر أعد له من قبل.

وعلى ما سبق، وفي ظل توقع البعض لمسارات مخيفة بعد سيطرة طالبان على العاصمة الأفغانية كابل، يبقى السؤال، وهو: ما هو وضع الجماعات المتطرفة في المنطقة في ظل سيطرة طالبان على السلطة في أفغانستان؟، وما هي علاقة الحركة مع التنظيمات الإرهابية المختلفة؟.

مقصد آمن للجماعات المتطرفة:                           

سينعكس سيطرة طالبان على السلطة على نشاط الجماعات المتطرفة سواء في الشرق الأوسط، أو في غرب إفريقيا، وذلك على النحو التالي:

(*) طوق نجاه لجماعة الإخوان الإرهابية: فسقوط كابل في يد طالبان أعطى قبلة الحياة للجماعات المتطرفة في المنطقة على رأسها جماعة الإخوان الإرهابية، خاصة بعد أن لفظتهم أغلب الشعوب العربية وأقصوهم عن الحكم، وأدرج عناصرهم على قوائم الإرهاب وأصبحوا مطلوبين في بلادهم، فضلا على أن بعض الأنظمة التي كانت توفر الدعم والملاذات الآمنة لعناصر الجماعة، تخلو عنهم بعد أن أصبحوا عبء معيق، بين تلك الأنظمة وعلاقاتها بالدول العربية المجاورة.

وعليه، يمكن التأكيد على أن سيطرة طالبان على السلطة مثل لعناصر جماعة الإخوان الهاربين وكافة فروعها عبر العالم طوق نجاة، فمن المتوقع أن توفر الحركة لعناصر الجماعة الإرهابية ملاذات داخل كابل، ومعسكرات تدريب خاصة، وأن الحركة أصبحت تمتلك ترسانة أسلحة سواء مما تركه الجيش الأمريكي أو ما تركه الجيش الأفغاني وسقط في يد عناصر الحركة. فما حدث في أفغانستان سيعيد الثقة لجماعة الإخوان وحلفائها، وسينشط خطاب ضرورة قيام الدولة الإسلامية عن طريق الجهاد، وسيرتفع معدل تجنيد شباب في صفوف الجماعة، وستزيد معدل العمليات الإرهابية نتيجة لذلك بعد أن تراجع منذ فترة.

(*) نشاط ممتد لداعش: وثانيا، من المتوقع أيضاً أن ينشط تنظيم الدولة “داعش” في الشرق الأوسط وغرب وشمال إفريقيا، فستعطى طالبان لداعش الضوء الأخضر للقيام بعمليات توسعية خارج أفغانستان، عن طريق دعمهم بالأسلحة والمعدات والمقاتلين. فعلى الرغم من أن حركة طالبان حركة محلية، لا تسعى لتطبيق النموذج المتشدد إلا في حدودها الإقليمية، إلا إن ذلك لن يمنعها من التنسيق والتحالف مع جماعات متطرفة كداعش، للتوسع في مناطق أخرى من العالم خاصة الشرق الأوسط وإفريقيا. كما أنه من المحتمل أن تلجأ عناصر “داعش” وعوائلهم المطلوبين في دولهم إلى أفغانستان، سعيا لطلب الحماية ولتكون نقطة انطلاق للقيام بعمليات تستهدف دول الجوار ودول الشرق الأوسط، وأيضا قد يزيد معدل النساء الدواعش الهاربات من المخيمات على حدود العراق وسوريا قاصدين أفغانستان، خاصة وأن الحركة سبق وأن أعلنت في بيان صريح، عن دعم مقاتلى سوريا من الدواعش.

ولتأكيد ما سبق، تجدر الإشارة هنا إلى الرسالة التي وجهها فضل الله خرسانى عام 2014 زعيم طالبان فرع باكستان، الذي يبايع طالبان أفغانستان، وهو معبر عن أفكار الحركة، حيث شدد في رسالته إلى مقاتلى داعش في سوريا والعراق، بضرورة قيام الدولة الإسلامية، وأكد على رفض العلمانية والديمقراطية، واصفا “داعش” بالإخوة المجاهدين، قائلا “أنتم إخوتنا في الله، نفتخر بفتوحاتكم المباركة ضد الأعداء، وإننا معكم في العسر واليسر، ونوصيكم بالصبر والاستقامة في هذه الأيام الشاقة……وقاوموا الاتحاد العالمي الكفرى،……….. وكل من أنكر الطاغوت وقاتل في الله فهو أخونا المسلم………………………إننا معكم في هذه الظروف الشاقة ونساعدكم ما استطعنا إن شاء الله”.

(*) القاعدة على نفس الخط مع طالبان: استكمالا لما سبق، من المحتمل أيضاً أن ينشط تنظيم القاعدة وتقوى شوكته في المناطق التي تقع تحت سيطرته، خاصة وأن أيمن الظواهري أعلن مبايعته عبر تسجيا صوتي لزعيم طالبان “هبه الله اخندازه” عام 2016، مما يعكس المساحة المشتركة الكبيرة بين فكر القاعدة وحركة طالبان، بما يسمح للتنسيق والدعم بين التنظيمين، مما يجعل من المتوقع أن يشهد العالم عمليات إرهابية بفعل تنظيم القاعدة قريبا، فضلا عن دعم بعض فصائل وأفرع القاعدة، التي اتجهت إلى العمل السياسي برعاية أمريكية،”كهيئة تحرير الشام” في سوريا.

(*) معسكر تدريب لبوكو حرام: إضافة لما تقدم، ستنشط الجماعات المتطرفة التي تسيطر على أجزاء من غرب إفريقيا، على رأسهم جماعة بوكو حرام، فالمتتبع لسجل الجماعات المتطرفة وتاريخها القريب، يجد أنه منذ أكثر من عشر أعوام، تأكدت أنباء عن تدريب عناصر تابعة لبوكو حرام داخل أفغانستان، تحت رعاية ودعم طالبان، مما يعكس العلاقة بين التنظيمين، خاصة وأن بوكو حرام وطالبان، تتقاسما نفس المشترك الأيديولوجي الذي يضع الأولوية لقتال الحكومة المحلية، لتطبيق النموذج الإسلامي المتشدد، الذي يتبناه كل تنظيم داخل بلاده.

مهادنة تكتيكية:

تأسيسا على ما تقدم؛ لا مجال للحديث عن عهد مغاير لطالبان، مختلف عن ما كانت عليه في تسعينيات القرن الماضي، فتاريخ الحركة يؤكد ويوضح ما سيؤول إليه مستقبلها، فضلا عن دلالات مشهد دخول القصر الرئاسي من قبل عناصر الحركة، فالحركة استهلت حديثها من داخل القصر الرئاسي بقراءة سورة النصر قال تعالى ” إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توبا”، مما يعكس رؤية الحركة من اعتبار سيطرتها على الحكم، بمثابة اعتناق الدولة دين الإسلام، وما قبل الحركة كانت الدولة في كفر وضلال. فالحركة كانت تعتبر حكومة “أشرف غنى” حكومة كفرية، والحركة، هى التي أدخلت الإسلام إلى أفغانستان، بسيطرتها على مقاليد الأمور، فضلا عن مشهد طى العلم الأفغاني، ورفع علم طالبان، والتلويح بالأسلحة من فوق المكتب الرئاسي، بقراءة معطيات المشهد التاريخي السابق، يتأكد أننا أمام جماعة متشددة، ستفرض أيديولوجيتها العقائدية بالقوة، ولا مجال للتعددية ولا حقوق المرأة ولا الديمقراطية ولا غيره، من مفاهيم الدولة العصرية المدنية.

إذن، التصريحات التوافقية التي صدرت عن الحركة، في أول حديث إعلامي، من مشاركة الفصائل السياسية المختلفة في الحكم، والسماح للمرأة بالتعليم والعمل، للترويج الدولي، لتحصل الحركة على اعتراف ودعم من المجتمع الدولي، حتى لا تقع فريسة الحصار والعزلة الدولية، التي تؤدى بها إلى انهيار اقتصادي وسياسي.

أخيرا؛ من المتوقع أن يشهد العالم موجة إرهاب جديدة، من جماعات إرهابية مختلفة، بتصدير ودعم من حركة طالبان، فالتنظيمات المتطرفة ستكتسب ثقة في قدراتها الفترة المقبلة، ويصحو لديها حلم السيطرة على الحكم كلا في بلاده، خاصة وأن بعض الدول العربية والشرق الأوسط في حالة ترقب، ولن يعترف بعضها بحركة طالبان في الوقت الحالي، بالتالي احتمالية أن يبدأ منحنى الإرهاب في الصعود في دول الشرق الأوسط أولا، ثم ينتقل صعود العمليات الإرهابية إلى أوروبا وأمريكا، التي بادرت بعض دولهم بالاعتراف الدولي الصريح بحركة طالبان، كما فعلت روسيا والصين، أو الاعتراف الضمني كما فعلت أمريكا، على الرغم من إدراج أمريكا للرجل الثاني في الحركة “سراج الدين حقانى، على قوائم الإرهاب هو وعائلة حقانى جميعا، لارتكابه ووالده عمليات عنيفة ضد القوات الأمريكية خلال العقدين الأخيرين، ولكن يبدو أن الإدارة الأمريكية أعدت صفقات مع الحركة، وأخذت ضمانات منها بالعمل لمصلحة أمريكا في الفترة القادمة، فطالبان ستكون ذراع أمريكا في موجة الجيل الخامس من الحروب القادمة.

 

أسماء دياب

-رئيس برنامج دراسات الإرهاب والتطرف. -باحث دكتوراه في الشريعة الاسلامية . - حاصلة على ماجستير القانون الدولي جامعة القاهرة. -حاصلة على دبلوم القانون الدولى جامعة القاهرة. -حاصلة على دبلوم القانون العام جامعة القاهرة. - كاتبة في العديد في الصحف والمواقع الإلكترونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى