انعكاسات الاستتابة: كيف يُنتج فقه القمع الإلحاد؟
قراءة تحليلية لمشاهد فيلم "الملحد"

أقامت الصفحات الإلكترونية التي تعمل لصالح الجماعات المتطرفة حملات تشويه ممنهجة ضد فيلم «الملحد» قبل عرضه بأكثر من عام، بما يعني أن تلك التيارات تأهبت لتكفير صُنّاع العمل قبل معرفة محتواه، في محاولة لإغلاق العقول مقدمًا عن تقبل أي طرح يثير إعمال العقل، أو يدعو إلى مناقشة المناطق الرمادية والمسكوت عنها.
لم يقدّم فيلم «الملحد» الإلحاد بوصفه شكًا فلسفيًا أو مغامرة عقلية مع الأسئلة الكبرى، بل تناوله كنتاج مباشر لبيئة دينية مغلقة، ترى السؤال عدوانًا، والاختلاف خطيئة. هنا لا يولد الإلحاد من فرط الحرية، بل من فائض القمع، ولا يتكوّن من عقل متسائل مشتت، بل من نفس حوصرت طويلًا باسم الله، فكانت القطيعة الكاملة نتيجة ومهربًا نفسيًا في آنٍ واحد.
هذا التناول اصطدم مباشرة بخطاب التطرف والإكراه، الذي يستند إلى جذور فقهية انتقائية، ويجد له في أدبيات الجماعات المتطرفة صياغات فجة. ومن هنا تنطلق تساؤلات جوهرية: ما المنطلقات التي استند إليها المتطرفون لتصفية المخالف تحت غطاء «الاستتابة»؟ وكيف جرى اختطاف هذا المفهوم وتحويله من اجتهاد فقهي إلى أداة قتل؟
مخالفة النص:
يؤسس القرآن لقاعدة لا تحتمل الالتباس: «لا إكراه في الدين». هذه الآية ليست توجيهًا أخلاقيًا عامًا، بل تأسيس لطبيعة الإيمان ذاته. فالإيمان، في التصور القرآني، فعل قلبي حر، لا يتحقق بالإجبار، ولا يقاس بالامتثال الظاهري. ولهذا فرّق القرآن بوضوح بين الإيمان والنفاق، فالمنافق هو من يُظهر ما لا يعتقد، وغالبًا ما يولد النفاق في البيئات التي تُجبر الإنسان على إعلان ما لا يؤمن به.
وانطلاقًا من ذلك، حين يتحدث القرآن عن الردة، يذكرها بوصفها فعلًا له جزاء أخروي، لا مادة لعقوبة دنيوية: «ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم». لم تذكر الآية عقوبة دنيوية، لا استتابة ولا قتل ولا مقاضاة. وقد قرر الطبري في تفسيره أن الإيمان لا يصح بالإجبار، لأن التصديق القلبي لا يُنتزع قهرًا، وذهب الرازي إلى أن الإكراه لا ينتج إيمانًا، بل نفاقًا. أي أن القمع، من المنظور القرآني، لا يصنع مؤمنًا ولا يحمي دينًا.
الفيلم ترجم هذه الحقيقة النفسية بوضوح: فالطفل الذي تربى على الخوف لا على الفهم، وعلى العقاب لا على المعنى، حين ينهار البناء القهري الذي نشأ عليه، لا يبقى إيمان هش يمكن ترميمه، بل تحدث قطيعة كاملة مع الإيمان ذاته.
انتقائية فقهية:
يوجد في الفقه الكلاسيكي قول بقتل المرتد، مستندًا إلى رواية: «من بدل دينه فاقتلوه». غير أن تحويل هذا القول – على فرض صحته – إلى حكم مطلق خارج السياق، يُعد انحرافًا عن مقاصد الشريعة. فحتى من قالوا به قيّدوه بشروط صارمة: قيام دولة وسلطة قضائية، وأن تكون الردة مهددة للجماعة، وأن تكون الاستتابة لفهم الشبهة لا لإجبار القلب.
يقول ابن تيمية، الذي يتخذه المتطرفون حجة: «ليس كل من وقع في الكفر كفر، ولا كل من كفر قُتل»، ويقول أيضًا: «الردة التي يُقاتل صاحبها هي الردة المغلظة المقترنة بالمحاربة». هذه النصوص لا يستند إليها المتطرفون كاملة، بل تُجزأ وتُبتَر لخدمة هدف واحد: تصفية الخصوم.
وبناءً على ذلك، لم ترث الجماعات التكفيرية الفقه بأمانة، بل شوّهته عبر ثلاث خطوات واضحة: الأولى نقلت الحكم من الدولة إلى التنظيم، والثانية حولت الردة من فعل مرتبط بالمحاربة إلى حالة نفسية أو فكرية، والثالثة استبدلت المقاصد بالترهيب. يظهر ذلك بوضوح في كتاب «إدارة التوحش»، حيث تغيب لغة الفقه والاجتهاد، وتعلو نبرة القهر والعنف، إذ يرد فيه نصًا: «سيساق الناس إلى الإسلام أذلة، ولن يكون هناك اختيار بعد اليوم». هذا ليس تعبيرًا عابرًا، بل إعلان مذهب يرى أن الإسلام يُفرض ولا يُختار.
وفي موضع آخر من الكتاب نفسه: «إقامة الدين لا تكون إلا بالقوة، والناس لا ينضبطون إلا بالسيف». فأي فقه هذا الذي يجعل الإيمان قائمًا على الذل؟ وأي دين هذا الذي يُحمى بإذلال البشر؟ الاستتابة في خطاب المتطرفين ليست بابًا للمراجعة، بل عدًّا تنازليًا للقتل؛ ليست منحة للفهم، بل أداة للرعب.
في مقابل هذا الاستخدام الانتقائي للفقه، جرى تجاهل مسار فقهي أكثر اعتدالًا ومنطقية، يرى أن الردة لا عقوبة دنيوية لها، وأن الحساب فيها أخروي، وأن ما قيل بالعقوبة ارتبط بالخيانة السياسية أو الحرابة. هذا المسار يستند إلى النص القرآني، وهو أعلى مصادر التشريع. كما أن مقاصد التشريع الإلهي تنطلق من صحة التكليف القائم على الاختيار، ومن ثم فإن الإكراه يُبطل العمل والمعنى معًا. فالإيمان المنتزع تحت التهديد لا يُنتج إيمانًا حقيقيًا، بل نفاقًا أو انفجارًا لاحقًا، وهو ما جسده الفيلم بوضوح.
محاكم تفتيش حديثة:
مارس تنظيم داعش ما سماه «الاستتابة» بوصفها إجراءً شكليًا يسبق قرارًا محسومًا. يبدأ الأمر بتوصيف مسبق للشخص باعتباره مرتدًا أو زنديقًا، ثم تُمنح له مهلة قصيرة لإعلان توبة مُلقنة علنًا، بلا نقاش أو حق دفاع. في الواقع، لم تكن الاستتابة باب نجاة، بل طقس إدانة؛ فالرفض أو التردد ينتهي غالبًا بالقتل، وأحيانًا يُقتل الشخص لاحقًا بزعم نقض العهد، ما يكشف أن القرار كان حتميًا وسابقًا للإجراء.
أما تنظيم القاعدة فاعتمد أسلوبًا أقل استعراضية وأكثر انتقائية. ففي كثير من الحالات لم تُطرح استتابة أصلًا، بل جرى الاغتيال المباشر بعد توصيف الهدف بالردة أو الطعن. وأحيانًا اتخذ الأمر شكل تهديد علني أو مطالبة باعتذار، يعقبها تفويض مفتوح بالعنف عبر عبارات من نوع «من لي بهذا»، أي نقل قرار القتل لأي تابع، وتحويل التحريض إلى ترخيص.
وفي التسعينيات، مارست الجماعة الإسلامية الاستتابة عبر محاكم غير رسمية، خاصة في مناطق نفوذها بالصعيد وبعض الأحياء الشعبية. كان يُطلب من الشخص الموصوف بالردة إعلان البراءة من الدولة، أو ترك الوظيفة، أو الالتزام بخط الجماعة، وكان الرفض يعني التصفية الفورية. لم تكن هذه الممارسات اجتهادًا، بل فرزًا عقديًا بالقوة، وفتاوى تُستدعى لتبرير العنف، بما حوّل الاستتابة إلى إما شرط نجاة شكلي، أو مبرر قتل جاهز.
في هذا السياق، يقدم الفيلم قراءة إنسانية مباشرة لنتاج هذا الفكر المتطرف؛ فلا يصور الاستتابة كخلاف فقهي، بل كخبرة قهر نفسي طويلة تغلق كل المنافذ. هنا تتبلور الفكرة الرئيسية للفيلم: فهو لا يهاجم الدين، ولا يحتفي بالإلحاد، بل يدين نموذجًا من التدين القهري الذي يحوّل الإيمان إلى عبء نفسي. فالملحد في الفيلم ليس متمردًا على المقدس، بقدر ما هو نتاج خطاب ديني متطرف أغلق أمامه كل السبل، فكان الهروب الكامل مخرجه الوحيد.
هذا الفهم ينطلق من جوهر النص القرآني؛ فالدين الذي لا يحتمل السؤال، ولا يسمح بالتدرج، ولا يعترف بالضعف الإنساني، ليس دين القرآن، بل دين المتطرفين. والاستتابة حين تتحول من اجتهاد فقهي إلى أداة قمع وتصفية، تصبح مفهومًا متطرفًا بامتياز.
في النهاية، لا يقوم التطرف على قوة الفكرة، بل على الخوف منها؛ فالفكرة الواثقة لا تحتاج إلى تهديد، ولا تستعين بالإكراه كي تبقى. المتطرف لا يخشى خصمه بقدر ما يخشى اهتزاز يقينه المغلق. وكما قالت حنّة آرنت: «العنف يظهر حين تفشل السلطة». وحين تفشل الفكرة المتطرفة في الصمود أمام السؤال، تتحول إلى سكين، وحين تعجز عن إنتاج المعنى، تنتج الخوف والقهر. هكذا لا يصنع التطرف إيمانًا ولا يقينًا، بل يعيد إنتاج نفسه عبر القمع، ويترك خلفه فراغًا إنسانيًا، لا يملؤه إلا الانفجار أو الانسحاب.