مركزية الاستهداف: التحولات في جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بالساحل الإفريقي

إسراء محمود- باحثة ببرنامج دراسات البحر الأحمر وإفريقيا
برزت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) بوصفها أحد أخطر التنظيمات الجهادية في منطقة الساحل الإفريقي، وأكثر الفواعل المسلحة غير النظامية تأثيرًا في النزاع الممتد عبر مالي وبوركينا فاسو والنيجر وما جاورها. ولم تعد الجماعة مجرد تشكيل عسكري يعمل في الظل، بل تطورت تدريجيًا إلى كيان يستثمر الفراغات الأمنية والسياسية في دول المنطقة، ليؤسس لنفوذ متزايد عبر مزيج من العمليات المسلحة ومحاولات التغلغل الاجتماعي والسياسي داخل المجتمعات المحلية. وارتباطها التنظيمي بفروع القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي منحها مظلة مرجعية عابرة للحدود، وساعدها على التحول من جماعة قتال إلى شبكة نفوذ مرنة.
تحولات مؤثرة:
عند قراءة مسار جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في الساحل الإفريقي، لا يكفي النظر إليها كتنظيم يعتمد العنف وحده؛ فسلوكها يتشكل داخل بيئة سياسية وأمنية أفرزتها تسويات ناقصة. فقد صُمّم اتفاق السلام والمصالحة في مالي، المنبثق عن مسار الجزائر عام 2015، لإعادة دمج الحركات المسلحة غير الجهادية وإعادة ترتيب العلاقة بين المركز والأقاليم، لكنه عمليًا ترك ثغرة جوهرية: الفاعل الجهادي لم يكن طرفًا في التسوية، وبقي خارجها كقوة قادرة على التعطيل أو الاستثمار في تعثر التنفيذ.
نص الاتفاق ذاته يقدّم إطارًا مؤسسيًا واسعًا لإعادة بناء الدولة والحوكمة المحلية، وإدماج المقاتلين، وترتيبات أمنية وإدارية. غير أن أي إخفاق في التطبيق كان يعني، عمليًا، فتح نافذة جاهزة أمام فاعل مسلح منافس للدولة.
ومنذ السنوات الأولى لتوقيع الاتفاق، اتضح أن مسار التنفيذ يواجه أزمات بنيوية تتعلق بتعدد الفاعلين، وهشاشة الدولة المالية، وتضارب المصالح بين القوى الموقعة، إلى جانب بطء ترتيبات الأمن والدمج. وتشير القراءات التحليلية لمسار السلام إلى أن الاتفاق وُضع لمعالجة أزمة 2012 وما تلاها، لكن التحديات التي واجهت العملية كانت كبيرة، وهو ما انعكس في استمرار انعدام الأمن وتعدد مراكز القوة خارج سيطرة الدولة.
في مثل هذا السياق، لا تتحرك الجماعات الجهادية رغمًا عن الاتفاق فحسب، بل تتحرك داخل تشقّقاته: مناطق لم تصلها الدولة، مجتمعات لم تلمس أثرًا ماديًا للسلام، وشبكات محلية وجدت بدائل للحماية والعدالة خارج الإطار الرسمي.
تأسست جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في مارس 2017 عبر دمج عدة مكونات جهادية محلية وإقليمية، تحت مظلة القاعدة. وما يهم هنا ليس تاريخ التأسيس بحد ذاته، بل فلسفة التشكيل: توحيد شبكات متناثرة داخل جغرافيا رخوة بهدف تعظيم القدرة على الحركة والتجنيد والتأثير السياسي–المجتمعي. فقد تشكلت الجماعة من اندماج مجموعات بارزة مثل أنصار الدين، وكتيبة ماسينا، والمرابطون، وفرع الصحراء من القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، وهو ما منحها مزيجًا من الخبرة القتالية والامتداد الاجتماعي والمرونة الشبكية.
هذه البنية “التحالفية” جعلت الجماعة أكثر قابلية للتكيف مع واقع ما بعد اتفاق الجزائر؛ فهي ليست تنظيمًا مغلقًا في نطاق جغرافي واحد، بل شبكة قادرة على الانتقال حيث يتعثر السلام وحيث تفشل الدولة في ملء الفراغ.
أحد أبرز التحولات المرتبطة بمرحلة ما بعد الاتفاق يتمثل في أن بؤرة العنف لم تعد حكرًا على شمال مالي. فقد أدى تعثر الترتيبات الأمنية وتباطؤ الدمج واستمرار الشكوك بين الأطراف إلى نشوء ما يشبه “حزام هشاشة” يمتد من الشمال إلى الوسط ثم إلى الحدود مع بوركينا فاسو والنيجر. داخل هذا الحزام، بنت JNIM نفوذًا تدريجيًا عبر الجمع بين الهجمات على القوات الأمنية وبناء علاقات مصلحية مع بعض الفواعل المحلية، مستفيدة من صراعات الموارد والتوترات المجتمعية.
التحول الأهم في سلوك الجماعة لا يُقاس فقط بعدد الهجمات، بل بانتقالها المتدرج إلى أنماط أقرب إلى “إدارة نفوذ” داخل مجتمعات مهمشة. فعندما يفشل اتفاق سلام في إنتاج أمن يومي وخدمات أساسية، تظهر مساحة لفاعل مسلح كي يقدم نفسه كـ“حامٍ” أو “حَكَم” أو “وسيط”، حتى وإن كان هذا الدور قائمًا على الإكراه.
في هذا الإطار، تشير تحليلات حديثة إلى أن JNIM لجأت إلى أدوات ضغط اقتصادي والتحكم في طرق الإمداد لإجهاد الدولة وإظهار عجزها، بما وسّع مساحات القبول أو التعايش القسري معها في بعض المناطق. وقد عكست هذه الممارسات انتقال الجماعة من حرب تكتيكية محدودة إلى حرب استنزاف وبناء نفوذ.
وتُظهر خبرة الساحل أن التسويات الوطنية لا تُترجم تلقائيًا إلى تهدئة محلية، خاصة في الأرياف والمناطق الحدودية. وهنا برزت قدرة الجماعة على التعامل مع الواقع عبر “تفاهمات” أو “تهدئات” محلية غير رسمية، أو عبر إرسال إشارات استعداد للحوار عندما يخدم ذلك تثبيت نفوذها. وقد شهدت بعض المناطق مبادرات محلية أفضت إلى وقف إطلاق نار مؤقت وخففت معاناة المدنيين، في ظل غياب تحضيرات جدية لمفاوضات شاملة على المستوى الأعلى.
هذا المعطى بالغ الدلالة: فكلما تعثر اتفاق الجزائر في إنتاج “سلام فوقي” فعّال، تعاظمت قيمة “السلام السفلي” الذي تستطيع الجماعة اختراقه أو التحكم في شروطه.
آليات الاستهداف:
في السنوات الأخيرة، ظهر انتقال واضح من نمط الكمائن والعبوات كإزعاج أمني إلى نمط “إدارة اختناق” اقتصادي يضغط على الحكومات من الأطراف، عبر ضرب طرق التجارة والوقود وتعطيل الإمدادات وتوسيع الحضور حول المدن بدل اقتحامها. هنا تغيّر معيار القياس: لم يعد النجاح مرتبطًا بعدد القتلى فقط، بل بقدرة الجماعة على إرباك الاقتصاد اليومي وإظهار الدولة كعاجزة عن توفير أساسيات الحياة.
ومن التطورات اللافتة خلال 2023–2025 دخول الجماعة مجال المسيّرات بصورة عملياتية متدرجة، من الاستطلاع إلى الضربات، مع توظيفها في الدعاية النفسية أيضًا. استخباراتيًا، يعني ذلك تقليص فجوة الوعي الميداني التي كانت تميل لصالح الجيوش، وزيادة دقة الاستهداف، وخفض كلفة المخاطرة البشرية، بما يعزز كفاءة حرب الطرق والإمداد التي تتبناها الجماعة.
عوامل مؤثرة:
في الساحل، يتزامن “الشتاء” تقريبًا مع الفترة الجافة ورياح الهارماتان، وهو ما قد يقيّد أحيانًا الرؤية وبعض أنماط الحركة الجوية. غير أن الافتراض بأن الشتاء يعني تلقائيًا هبوط العمليات يظل تبسيطًا مخلًا؛ فالجفاف يحسن قابلية الحركة البرية مقارنة بموسم الأمطار، بينما يتذبذب التمويل تبعًا لدورات الرعي والزراعة والأسواق.
الأدق القول إن المناخ يعمل كمضاعف هشاشة أكثر منه محركًا مباشرًا للعنف. فاضطراب الأمطار وطول دورات الجفاف يضغطان على الزراعة والرعي، ويزيدان احتكاكات الموارد، ما يوسّع قابلية المجتمعات للابتزاز أو “الحماية” القسرية. وفي الفصل الجاف تحديدًا قد تتغير خرائط الجباية والنهب مع تحركات القطعان وتراجع السيولة في الاقتصاد الريفي، لكن التنظيم يعوض ذلك عبر تنويع مصادر دخله.
وبات تمويل الجماعة أقرب إلى “محفظة” داخل اقتصاد الحرب: جباية على الطرق، ابتزاز الأسواق، استغلال التعدين الحرفي للذهب، سرقة الماشية، والخطف مقابل فدية. هذا التنوع يمنحها قدرة على امتصاص الصدمات الموسمية أو الأمنية، ويجعل الخطف أداة مالية وسياسية في آن واحد.
انعكاسات واضحة:
لم يعد اتفاق الجزائر شأنًا ماليًا داخليًا فحسب، بل تحول إلى عنصر توتر إقليمي مع انعكاسات مباشرة على التنسيق الحدودي وآليات العمل المشترك. وفي بيئة تتراجع فيها الثقة بين العواصم وتتآكل قنوات التعاون، تتحسن شروط الحركة أمام الفاعلين غير الدولتيين عبر الحدود.
وقد كشفت حادثة إسقاط مسيّرة مالية قرب الحدود الجزائرية–المالية في مارس 2025، وما أعقبها من إجراءات دبلوماسية متبادلة، هشاشة إدارة الحدود في منطقة يفترض أنها تمثل خط دفاع أول ضد الجماعات المسلحة. وبالنسبة لـJNIM، فإن كل خلاف سيادي بين الدول يعني فرصة مضاعفة: تراجع التعاون الاستخباراتي، انشغال الحكومات ببعضها، واتساع هامش الحركة في مناطق التماس.
سيناريوهات محتملة:
(*) السيناريو الأول،– يتمثل في “التمدد المحسوب جنوبًا وغربًا” مع إبقاء الشمال ساحة مناورة مرنة، عبر توسيع حرب الطرق والاقتصاد في المناطق الأكثر حيوية سكانيًا لإظهار عجز الدولة ورفع كلفة التحالفات المناهضة.
(*) السيناريو الثاني،– هو تصعيد تنافسي مع داعش–الساحل، قد يدفع نحو عنف أشد في مناطق التماس، مع ارتفاع كلفة الصدام المحلي وتفاقم موجات النزوح.
(*) أما السيناريو الثالث،– فيقوم على “تشظّي مسرح الشمال” بعد نهاية اتفاق الجزائر، بما يخلق مساحات رمادية تُدار بتفاهمات مؤقتة، تستفيد منها الجماعة عبر لعب دور الوسيط القسري وإدارة نزاعات الموارد وفرض الإتاوات.
وفي ضوء تفاعل انهيار مسار الجزائر مع تنافس القاعدة وداعش، يبدو أن الأرجح هو مسار مركّب يجمع بين التمدد المحسوب جنوبًا وغربًا وتشظّي الشمال، دون انزلاق سريع إلى مواجهة شاملة أو إعلان كيان سياسي رسمي. فالأقرب أن تُبقي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الشمال ساحة مناورة مرنة تستثمر فيها المساحات الرمادية وتفاهمات الأمر الواقع لإدارة الموارد والمرور والجباية، مع تكثيف حرب الاقتصاد في الأقاليم الأكثر حيوية.
هذا المزج يمنح التنظيم مكسبين متوازيين: تثبيت نفوذ بنيوي يصعب اقتلاعه في الشمال، ورفع كلفة الحكم عبر الضغط الاقتصادي بعيدًا عن مراكز الثقل العسكري. كما يتيح له إدارة تنافسه مع داعش بمرونة أكبر. وعليه، لا يبدو الأفق القريب مرشحًا لسيناريو “الإمارة المعلنة”، بقدر ما يتجه نحو ترسيخ سلطة أمر واقع لامركزية تُفرغ الدولة تدريجيًا من وظائفها عبر التحكم في الحركة والموارد، مستفيدة من هشاشة الحوكمة وتآكل الوساطة الإقليمية بعد نهاية مسار الجزائر.