الردع الانتقامي: كيف تستخدم التنظيمات الإرهابية بالساحل المسيّرات في حسم الاشتباكات؟

محمد ربيع الشرقاوي.. باحث متخصص في الشؤون الأفريقية

تشهد منطقة الساحل الأفريقي خلال العقد الأخير، تطورًا ملحوظًا في نشاط الجماعات الإرهابية، وتنامي قدراتها، وتغير استراتيجياتها ونطاقات التحرك من الهامش الحدودي إلى العمق، درجة أن تلك الجماعات اقتربت من السيطرة على العاصمة المالية باماكو.

ولا يرتبط هذا التحول بامتلاك السلاح أو التمدد الجغرافي وحدهما، بقدر ما يعكس قدرة هذه الجماعات على التكيف العملياتي، واستيعاب الأدوات التكنولوجية المتاحة ضمن سياق الحرب غير المتماثلة، في بيئة إقليمية تتسم بتآكل الدولة الوطنية، واتساع الرقعة الجغرافية، وتداخل الصراعات المحلية مع التنظيمات العابرة للحدود، فضلاً عن هشاشة المنظومات الحدودية في دول الساحل.

وتبرز جماعة نصرة الإسلام والمسلمين – بوصفها الذراع الإقليمي لتنظيم القاعدة في منطقة الساحل– كدليل على هذا التطور العملياتي، إذ انتقلت من العمليات التقليدية القائم على الهجمات البرية التي تستهدف التمركزات الأمنية وأرتال القوات الحكومية، إلى نمط أكثر تطورًا يقوم على دمج الطائرات المسيّرة ضمن التخطيط العملياتي الميداني.

 ونجحت هذه التنظيمات في تحويل المسيّرات من أدوات تجريبية محدودة الاستخدام إلى عنصر ثابت في تنفيذ العمليات ومهام الاستطلاع والدعم، في سياق استفادة الجماعة من “الأتمتة” والأدوات الرقمية المتقدمة، بما فيها بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي المساعد، دون أن يصل ذلك إلى مستوى اتخاذ القرار العملياتي المستقل، وهو ما تزامن مع ارتفاع ملحوظ في وتيرة العمليات، خاصة خلال عام 2025، واقتراب نطاقها الجغرافي من المراكز الحضرية الحساسة في دولة مالي.

وتنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن ما شهدته جماعة نصرة الإسلام والمسلمين لا يمثّل عسكرة مباشرة للذكاء الاصطناعي، بقدر ما يعكس تطورًا عملياتيًا مؤسسيًا انتقل بالتنظيم من مرحلة “التجريب التكتيكي المحدود” إلى “مرحلة التنفيذ المنهجي المستدام”، في إطار استراتيجية تستهدف إنهاك الدولة ورفع كلفة الحكم بدلًا من احتلال المراكز الحضرية.

 تصاعد عملياتي: مؤشرات كمية ونوعية

شهدت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين خلال الأشهر الماضية تصاعدًا ملحوظًا في وتيرة عملياتها المسلحة، سواء من حيث العدد أو الانتشار الجغرافي، “في ديسمبر 2025، أعلنت الجماعة تنفيذ أكثر من 70 عملية خلال شهر نوفمبر من العام نفسه أسفرت – بحسب بيانها – عن مقتل ما يزيد على 139 شخصًا في كل من مالي والنيجر وبوركينا فاسو وبنين، إضافة إلى نيجيريا، التي تُعد نطاق عمليات حديث نسبيًا للتنظيم مقارنة بمسارح نشاطه التقليدية في الساحل.

وزعمت الجماعة الإرهابية أن هذه العمليات أدت إلى تدمير نحو 40 آلية عسكرية وأكثر من 100 دراجة نارية تابعة للقوات الحكومية أو المجموعات المتحالفة معها، تنوعت بين غارات مسلحة بلغت 62 هجومًا، وهجمات بالعبوات الناسفة بلغت 27 هجومًا، إلى جانب نصب ما يزيد على ستة كمائن، وتنفيذ عمليتين بالقصف المدفعي، فضلًا عن الاستيلاء على أكثر من 180 قطعة سلاح متوسط، وأسر سبعة جنود دون الإفصاح عن جنسياتهم أو مواقع احتجازهم.

وتكشف هذه الأرقام – التي لم تؤكدها بيانات من الجهات الحكومية – عن تصاعد واضح في طموحات تنظيم القاعدة بشأن تعزيز النفوذ الميداني وتوسيع نطاقات التحرك الجغرافي، لإبراز قدرتها على الاستدامة والانتشار، في تزايد الهشاشة الأمنية وتآكل سلطة الدولة.

ولا يعكس هذا التطور سيطرة تنظيم «القاعدة» عبر جماعة نصرة الإسلام والمسلمين على مسرح الساحل بوصفه وحدة عملياتية واحدة، بقدر ما يعكس طبيعة التنظيم الشبكية القائمة على تعدد الأذرع المحلية وتفاوت مستويات الفاعلية بينها، إذ تُظهر أنماط العمليات أن الجزء الأكبر من النشاط المسلح يتركز في نطاقات تتحرك فيها أذرع بعينها داخل التنظيم، في مقدمتها «جبهة تحرير ماسينا»، التي تمثل الكتلة البشرية والأكثر قدرة على تنفيذ عمليات متكررة في المنطقة.

ويُفسَّر الارتفاع النسبي في وتيرة العمليات خلال الفترة الأخيرة بجملة من العوامل العملياتية، من بينها تشديد الضغط حول “باماكو” واستهداف خطوط الإمداد الحيوية، فضلًا عن اتساع نطاق التحرك إلى مسارح جديدة نسبيًا مثل شمال نيجيريا، دون أن يعني ذلك انتقال التنظيم إلى مرحلة السيطرة الشاملة أو الإدارة المباشرة لتلك المناطق.

كما يكشف تتبع انتشار الكتائب التابعة لجبهة ماسينا عن نمط توسع أفقي قائم على تفريع النفوذ بدلًا من تركيز السيطرة، حيث برزت وحدات مثل «كتيبة حنيفة» في النيجر بوصفها فاعلًا محليًا مؤثرًا على الحدود مع بوركينا فاسو، إلى جانب وحدات فرعية تنشط في شرق بوركينا فاسو وتمتد عملياتها إلى شمال بنين، وهو ما يعكس قدرة على الحركة والاختراق، أكثر مما يعكس قدرة على فرض سيطرة أمنية متماسكة أو إدارة إقليمية مستقرة.

ويعزز هذا التقدير غياب ما يُعرف في أدبيات تنظيم القاعدة بـ«العمليات الانغماسية» خلال المرحلة الأخيرة، وهي العمليات التي يلجأ إليها التنظيم عادةً في البيئات شديدة التنافس بوصفها: “سلاحًا اضطراريًا”، إذ يشير تراجع استخدامها إلى تحسن نسبي في حرية الحركة وخطوط الإمداد في بعض المناطق، دون أن يرتقي ذلك إلى مستوى التحكم الإقليمي الكامل أو الاستغناء البنيوي عن هذا النمط العملياتي.

 المسيّرات كركيزة في نمط القتال:

بالنظر إلى نوعية العمليات التي نفذها تنظيم القاعدة في منطقة الساحل، تُظهر المعطيات المتاحة أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين قد انتقلت بـ “الطائرات المسيّرة: من كونها أدوات استطلاع عارضة إلى مكوّن مركزي في العقيدة القتالية للجماعة، وهو ما أفضى إلى بناء نمط من “حرب المسيّرات” المستدامة والعابرة للحدود، حيث شملت مسارح عمليات متعددة في مالي وبوركينا فاسو وتوجو، وهو ما يمنح هذه الجماعة أفضلية عن غيرها من الكيانات المسلحة خارج إطار الدولة في القارة الأفريقية.

وبدأ الاستخدام الأولي للطائرات المسيّرة لدى جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في سبتمبر عام 2023، عبر عملية محدودة في منطقة “باندياجارا” بدولة مالي، اقتصر دورها على إسقاط عبوات ناسفة بدائية ذات أثر تكتيكي محدود، غير أن هذا الاستخدام ظل في إطار التجريب العملياتي، دون أن يرقى إلى نمط ثابت أو منظم

 إلا أن نقطة التحول الفعلية برزت اعتبارًا من مارس 2025، حيث تشير البيانات إلى أن نحو 82% من الحوادث المؤكدة المرتبطة باستخدام المسيّرات وقعت بعد هذا التاريخ، بما يعكس تصعيدًا حادًا في كل من وتيرة الاستخدام ومستوى التعقيد التكتيكي، ومع هذه المرحلة، انتقلت الجماعة من الاستخدام المعزول للمراقبة إلى تنفيذ هجمات منسقة تجمع بين الطائرات الانتحارية (Kamikaze) وأنظمة الاستطلاع والمراقبة (ISR)، التي باتت تُستخدم لتوجيه القوات البرية أثناء الاشتباك.

ولم تعد الطائرات المسيّرة تعمل كوسائل دعم منفصلة، بل أصبحت جزءً أصيلًا من التخطيط القتالي الميداني، فقد استُخدمت في كشف نقاط الضعف داخل المواقع العسكرية وتحييد الدفاعات، كما حدث في هجمات مثل “دجيبو” و”كوبانكورا”.

كما لعبت المسيّرات دورًا محوريًا في تجاوز العوائق الهندسية، حيث استُخدمت خلال هجوم “سودوجوي” في أبريل 2025 لمراقبة الهجوم البري وتجاوز الخنادق الدفاعية المصممة لإعاقة تحرك المشاة؛ إلى جانب ذلك، عززت الجماعة قدرتها على تنسيق الهجمات المعقدة من خلال الدمج بين المسيّرات الانتحارية والهجمات البرية المتزامنة، بما أسهم في إرباك دفاعات الخصم وتوفير رؤية لحظية للقادة الميدانيين أثناء الاشتباك.

وواكب هذا التحول العملياتي تطوراً ملحوظاً في القدرات الفنية للجماعة، تمثل في تجاوز عدد من الحواجز التقنية التقليدية، فقد تمكنت من تعديل البرمجيات الثابتة (Firmware) للطائرات التجارية المتاحة في الأسواق، بما يسمح بتجاوز القيود الجغرافية (Geofencing) التي تفرضها الشركات المصنعة.

كما تشير التقارير إلى احتمال استخدام نماذج ذكاء اصطناعي مفتوحة المصدر تعمل دون اتصال بالإنترنت – مثل: Mistral وLlama لدعم عمليات استكشاف الأخطاء الفنية، وتخطيط مسارات الطيران بصورة أكثر استقلالية، وتعديل الأجهزة في بيئات تفتقر إلى الاتصال الشبكي المستقر، وإلى جانب ذلك، انتقلت الجماعة من استخدام عبوات ارتجالية بسيطة إلى معيارية الحمولات العسكرية، عبر توظيف ذخائر جاهزة مثل قذائف “هاون يوغوسلافية” عيار 60 ملم و”قذائف T-63″ الصينية.

وفي هذا السياق، أسهم تعاون جبهة أنصار الإسلام والمسلمين مع “جبهة تحرير أزواد” (FLA) في تسريع هذا التطور، لا سيما من خلال انتقال الكوادر ذات الخبرة التقنية إلى صفوف الجماعة، فقد مثّل انضمام شخصيات عسكرية سابقة، مثل العقيد حسين غلام، قناة مباشرة لنقل المعرفة الفنية وتكتيكات استخدام المسيّرات الانتحارية.

كما يُلاحظ تأثر التكتيكات المتبعة في مسرح الساحل بنماذج حروب حديثة في مناطق أخرى، لا سيما ما يتعلق باستخدام طائرات FPV (الرؤية من منظور أول)، حيث جرى تدريب فرق متخصصة على هذا النمط القتالي، بما يعكس قدرة الجماعة على التعلم العابر للساحات.

كذلك لم يقتصر دور الطائرات المسيّرة على البعد العسكري، بل امتد إلى الحرب النفسية والتأثير الرمزي، فقد بدأت الجماعة في نشر مقاطع مصورة لهجماتها الجوية تحاكي في أسلوبها البصري مقاطع الطائرات المسيّرة الحكومية، مثل “بيرقدار”، بهدف إظهار قدرتها على كسر احتكار التفوق الجوي للدولة، كما لوحظ أن العديد من ضربات المسيّرات جاءت في سياق ردع انتقامي ردًا على الغارات الجوية الحكومية، بما أسهم في خلق نمط من “الردع المتبادل” الرمزي، يهدف إلى تثبيت الحضور وإرسال رسائل قوة أكثر من تحقيق حسم عسكري مباشر.

تطور عملياتي في بيئة الاشتباك:

ويكشف تتبّع البنية التقنية لاستخدام الطائرات المسيّرة لدى جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) عن مسار تطور قائم على تراكم الابتكار الهندسي والتكيّف مع القيود التقنية، وهو ما أتاح للجماعة تحسين كفاءة التشغيل، وزيادة الدقة، وتجاوز جانب معتبر من منظومات التشويش الحكومية، دون أن يعني ذلك انتقالها إلى نمط قيادة قتالية ذاتية. وقد أسهم هذا التطور في رفع فعالية الأدوات المستخدمة داخل مسرح الساحل، وأعاد تشكيل بيئة الاشتباك من زاوية تقنية بحتة، لا من حيث العقيدة العملياتية التي جرى تناولها في المحور السابق.

وشهد عام 2025 تحولات تقنية حاسمة مكّنت التنظيم من تحييد جانب معتبر من منظومات الدفاع التقليدية، ففي سبتمبر من العام نفسه، بدأت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين باستخدام طائرات انتحارية من طراز FPV تعمل عبر الألياف البصرية أو أنظمة تشفير متطورة، ما أدى إلى تقليص فعالية أنظمة التشويش الحكومية ضدها. وفي أغسطس 2025، سُجل أول استخدام لما يُعرف بالذخائر المنزلقة (Glide Munitions) قرب مدينة سيكاسو في جنوب مالي، في تطور يعكس انتقال الجماعة من الهجمات القريبة منخفضة الدقة إلى الضربات الدقيقة بعيدة المدى التي تقلل الحاجة إلى وجود مباشر للمقاتلين داخل نطاق الاستهداف.

وبحلول أكتوبر 2025، أظهرت المواد المرئية المنشورة قدرة متقدمة على الدمج اللحظي بين الاستطلاع والضربة (ISR-to-Strike)، حيث باتت مسيرات الاستطلاع توجه الضربات مباشرة، مع بث لقطات الهجوم في الزمن الحقيقي، بما يعكس مستوى متقدمًا من التنسيق العملياتي على المستوى التقني.

وفي إطار ما يمكن توصيفه باستراتيجية «الإنهاك والإرباك»، اعتمدت الجماعة نهجًا قائمًا على استنزاف قدرات الخصم وتحويلها إلى مورد عملياتي – في إطار اقتصاد قتال قائم على إعادة التدوير- فقد تم الاستيلاء على ما يقرب من 24 طائرة مسيرة حكومية خلال فترة 12 شهرًا، من بينها 17 طائرة في يناير 2025 وحده، خلال عمليات نُفذت في بولكيسي وتمبكتو داخل الأراضي المالية، وتمكنت الجماعة من إعادة تشغيل هذه الطائرات خلال ساعات فقط من السيطرة عليها، كما حدث في غاربوغا في نوفمبر 2025، وهو ما يشير إلى وجود فرق تقنية ميدانية مدرّبة داخل التنظيم، وقادرة على التكيّف السريع مع المنظومات المختلفة.

ولا يقتصر دور الطائرات المسيّرة على الوظيفة القتالية المباشرة، بل يمتد ليشمل إدارة الميدان والحرب النفسية، إذ استخدمت الجماعة ما يمكن وصفه بـ«الرؤية المُخرَجة»، من خلال تصوير وحدات صغيرة نسبيًا – يتراوح قوامها بين 20 و80 مقاتلًا- من زوايا متعددة لإظهارها كقوة أكبر وأكثر استمرارية.

كما أصبحت المسيّرات عنصرًا أساسيًا في إدارة الكمائن، حيث سُجل في يونيو 2025 أول استخدام لطائرة مسيرة في توجيه هجوم مباشر على قافلة قرب مدينة كايس في غرب مالي، وهو ما يعكس انتقال المسيّرات من دور الرصد والاستطلاع إلى دور القيادة التكتيكية المحدودة.

وعلى الرغم من هذا التطور، أظهرت الجماعة ضبطًا تكتيكيًا محسوبًا في بعض أنماط الاستخدام، إذ تشير البيانات إلى أن العبوات الناسفة والمسيّرات الانتحارية استُخدمت في نحو 60% من الهجمات ضد الدوريات العسكرية، مقابل 3% فقط من الهجمات ضد قوافل الوقود، وهو تفاوتٌ يرتبط باعتبارات عملياتية ودعائية، من بينها تجنب الانفجارات العشوائية التي قد تلحق خسائر بمقاتلي الجماعة، أو تدمر الوقود المستهدف نهبه، أو تتسبب في خسائر مدنية تضر بصورة التنظيم.

التحولات والاتجاهات المحتملة:

إن ما تشهده منطقة الساحل لا يمكن اختزاله في تصاعد عددي لعمليات الجماعات المسلحة، ولا في توصيف تقني لاستخدام أدوات جديدة، بل يعكس تحولًا أعمق في منطق إدارة الصراع لدى الفاعلين من دون الدول، وفي مقدمتها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، فقد أظهر التحليل أن الجماعة انتقلت تدريجيًا من نمط العمل القائم على المبادرة التكتيكية المحدودة إلى تطور عملياتي مؤسسي، استفاد من التكنولوجيا المتاحة – ولا سيما الطائرات المسيّرة والأدوات الرقمية المساعدة – بوصفها وسائل لرفع الكفاءة وتقليص فجوة التفوق مع الدولة، دون أن يرقى ذلك إلى عسكرة كاملة للذكاء الاصطناعي أو إلى نمط قيادة قتالية ذاتية.

ويشير هذا التحول إلى أن الصراع في الساحل يتجه نحو مرحلة “الاشتباك المرن”، حيث لا تسعى التنظيمات المسلحة إلى السيطرة الإقليمية الشاملة أو إدارة المراكز الحضرية الكبرى، بقدر ما تستهدف إعادة تشكيل بيئة الاشتباك نفسها عبر إنهاك الدولة، ورفع كلفة الحكم، وتآكل القدرة على فرض الأمن المستدام، وفي هذا السياق، تمثل المسيّرات أداة مركزية في تحقيق هذا الهدف، ليس فقط من خلال أثرها العسكري المباشر، بل أيضًا عبر دورها في الحرب النفسية، وإدارة الميدان، وتكريس صورة التفوق النسبي في مواجهة مؤسسات الدولة.

ومن منظور استشرافي، يمكن القول إن المسار الحالي ينذر بتطبيع استخدام التكنولوجيا منخفضة الكلفة وعالية التأثير داخل الصراعات غير المتماثلة في إفريقيا، بما يجعل التطور الذي شهدته جماعة نصرة الإسلام والمسلمين نموذجًا قابلًا للتكيّف والانتقال، لا استثناءً معزولًا، غير أن هذا لا يعني انتقال التنظيمات المسلحة إلى مرحلة الحسم العسكري، بقدر ما يشير إلى إطالة أمد الصراع وتعقيده، وتحويله إلى معادلة استنزاف مزمنة يصعب على الدولة حسمها بالوسائل التقليدية وحدها.

وعليه، فإن مستقبل الصراع في الساحل سيُحدَّد بمدى قدرة الدول على استيعاب طبيعة هذا التحول، والانتقال من منطق الرد العسكري المباشر إلى مقاربة مركبة تجمع بين تطوير القدرات التقنية المضادة، وتعزيز السيطرة على المجال المعلوماتي، وإعادة بناء الحضور المؤسسي للدولة في الأطراف الهشة، فالتحدي لم يعد يتمثل في مواجهة تنظيمات تسعى إلى “الحكم”، بل في احتواء فواعل مسلحة تسعى إلى تعطيل الحكم وجعل كلفته أعلى من قدرة الدولة على الاحتمال.

وبهذا المعنى، لا تمثل التطورات الراهنة مؤشرًا على قرب انهيار الدولة في الساحل، بقدر ما تعكس دخول المنطقة في مرحلة صراع طويلة الأمد، تتغير فيها أدوات القتال أسرع من قدرة المؤسسات الرسمية على التكيف، وهو ما يجعل فهم هذا التحول العملياتي والتقني شرطًا أساسيًا لأي مقاربة واقعية لإدارة الصراع واستشراف مآلاته المستقبلية.

______________ المراجع _______________________

1. Niccola Milnes, Rida Lyammouri, “Countering JNIM’s Drone Proliferation in the Sahel,” Policy Paper (Rabat: Policy Center for the New South, PP – 24/25, July 2025).

2. Niccola Milnes, Rida Lyammouri, “AI-Enabled Purple Teaming for Sahel Convoy Security: Case of Fuel Blockade by JNIM,” Research Paper (Rabat: Policy Center for the New South, RP-19/25, December 2025).

3. رغدة البهي، ” التنظيمات الإرهابية والذكاء الاصطناعي: تهديدات فعلية ومحتملة”، دورية بقلم خبير (القاهرة: مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، أكتوبر 2023).

4. الشيخ محمد، «كيف وسّع تنظيم القاعدة نفوذه في غرب إفريقيا؟»، الشرق الأوسط (الرياض: 4 ديسمبر 2025) متاح على الرابط التالي https://2u.pw/catIz

5. مساعي تنظيم “القاعدة” لعزل العاصمة “باماكو”: أبعاد الحصار ومساراته المحتملة، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية (أبوظبي: 5 نوفمبر 2025) متاح على الرابط التالي https://2u.pw/nLS88

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى