مؤثرون جدد: كيف تصنع الريلز المتطرفين؟

لم تعد أخبار التطرف في مناطق مختلفة من العالم تُقرأ باعتبارها وقائع أمنية معزولة، بل باعتبارها مؤشرات على تحوّل أعمق في طريقة تشكّل الوعي لدى الأجيال الجديدة. ففي النمسا، فبراير ٢٠٢٥، أعلنت السلطات أن منفذ هجوم طعن في مدينة فيلاخ كان قد تعرّض لمحتوى متطرف عبر منصات الفيديو القصير قبل ارتكابه الجريمة، فيما جرى لاحقًا في العام نفسه اعتقال مراهق في الرابعة عشرة من عمره للاشتباه في تخطيطه لهجوم بمحطة قطارات في فيينا، بعد انغماسه في دوائر رقمية متطرفة. وفي التشيك، يناير ٢٠٢٤، كُشف عن مجموعة مراهقين انجرفوا نحو تنظيم داعش عبر الإنترنت، واتُّهم اثنان منهم بمحاولة إحراق معبد يهودي.
في ذات السياق؛ وثّقت تقارير أوروبية – في فترات متفرقة – تنامي مسارات راديكالية لأطفال لم تتجاوز أعمارهم الثانية عشرة، بدأت بفضول ديني عابر، ثم انتهت داخل غرف مغلقة على تطبيقات مشفرة صُنعت لأغراض التطرف. وأظهرت الدراسات والتقارير الدولية أن التطرف العنيف بات يشمل فئات عمرية أصغر من السابق، مع تنامي دور الفضاء الرقمي كقناة رئيسية للتحريض والاستهلاك الأيديولوجي. فقد أشارت بيانات تقرير صادر عن المركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي إلى تزايد أعداد المدانين بالجرائم الإرهابية من القُصّر في بريطانيا بين عامي ٢٠١٦–٢٠٢٥.
كما تؤكد تقارير وكالة الشرطة الأوروبية المعنية بتحليل مشهد الإرهاب عامي ٢٠٢٤ و٢٠٢٥ أن عدد عمليات الاعتقال المتعلقة بالاتحاد الأوروبي قد ازداد، وأن هناك نمطًا مستمرًا لتورّط مراهقين في أنشطة ذات صلة بالعنف المتطرف، خاصة مع انتشار الدعاية الرقمية والتجنيد عبر المنصات الاجتماعية. ويشير التقرير أيضًا إلى أن الديناميكيات الرقمية الحديثة، مثل الخوارزميات والمجتمعات الافتراضية والتواصل المشفر، تسهم في تسريع مسارات التطرف بين الفئات الشابة، ما يُظهر تحوّلًا في كيفية تعامل الشباب مع المحتوى الحاد مقارنة بما كان عليه الوضع قبل ٢٠١٨.
انطلاقًا من الوقائع والبيانات سابقة البيان؛ يمكن رصد أن ثمّة مدخلات حديثة ربما ستشكّل جيلًا جديدًا من المتطرفين حديثي العمر، مؤهلين بفعل اعتماد المقاطع القصيرة على المنصات المختلفة للإنترنت كمصدر للمعلومات. على الجانب الآخر، استغل أشخاص متطرفون – غالبًا لا ينتمون لتنظيم بشكل علني – تلك المنصات ذات التأثير الواسع في تلك الفئة العمرية لبث أفكار متطرفة تسهم بشكل سريع وواسع الانتشار في صناعة التطرف. عليه؛ يحاول هذا التحليل الوقوف على أبعاد المشهد وقراءة مبرراته ومآلاته.
ريلز لصناعة متطرف:
هذه الوقائع – المشار إليها – المتقاربة زمنيًا والمتشابهة في بنيتها النفسية، تكشف أن التطرف لم يعد يبدأ بخطبة أو كتاب أو تنظيم، بل أحيانًا يتم تصنيع متطرف بمقاطع قد لا يتجاوز أحدها ثلاثين ثانية، يُعاد تمريرها عشرات المرات مستهدِفة فئة عمرية لا تتجاوز العشرين عامًا، حتى تتحول من مجرد فيديو إلى إطار ذهني مُلحّ. المسألة هنا ليست تقنية فقط، ولا تتعلق بخوارزميات تيك توك أو إنستجرام أو غيرها، بل تتصل بما يمكن تسميته «تحفيز مشاعر الغضب»، حيث يُعاد تشكيل وعي الشاب عبر جرعات قصيرة من المظلومية والاصطفاء والقطيعة الوجدانية، تُقدَّم في قالب عاطفي مكثف، يخاطب الإحساس قبل العقل، ويغلق المعنى بدلًا من أن يفتحه.
تُظهر أنماط الريلز المنتشرة على المواقع والمنصات أنها تعتمد رسائل قصيرة وخاطفة، لكنها ذات تأثير عميق؛ نمط يحفّز المظلومية، مثل «العالم كله ضدك»، تبدو جملة عابرة، لكنها تؤسس نفسيًا لشعور بانقسام حاد بين «أنا مظلوم» و«هم متآمرون». هنا يبدأ الشاب في إعادة تفسير إخفاقاته الشخصية باعتبارها نتيجة حرب كونية عليه، لا مسارًا إنسانيًا طبيعيًا محمّلًا بالعثرات. هذه المظلومية الرقمية لا تمنح فقط تفسيرًا مريحًا للألم، بل تخلق عزلة معرفية كاملة، يصبح فيها أي رأي مخالف جزءًا من المؤامرة.
وتشير الدراسات الحديثة، ومنها دراسة حول يوتيوب بعنوان «تفكيك مسارات التطرف على يوتيوب: من المحتوى العام إلى المحتوى الراديكالي»، إذ تؤكد أن مسار التطرف الرقمي لا ينطلق بالضرورة من بوابة الخطاب الإسلاموي الصريح، بل غالبًا ما ينطلق من محتوى عاطفي عام يقوم على تغذية الشعور بالمظلومية والاصطفاء الفردي. وهذا النمط لا يحمل بالضرورة مضمونًا دينيًا، لكنه يعيد تشكيل الوعي النفسي للمراهق، ويضعف مناعته النقدية، ويؤسس لانقسام حاد بين الذات والآخر. ومع تراكم هذا التأطير النفسي، يصبح الفرد أكثر قابلية لتلقي سرديات راديكالية لاحقة، حيث قد ينتقل تدريجيًا من خطاب عام غير مؤدلج إلى تبنّي خطاب إسلاموي متطرف يوفر له تفسيرًا ومبررًا للغضب، بما يحوّل المظلومية الرقمية إلى بوابة تمهيدية للتطرف العقائدي.
وهنا تحديدًا يلتقي خطاب الريلز مع أدبيات التكفير، التي قامت تاريخيًا على مفاهيم التخيير بين جماعة الحق والمجتمع الضال، بما يبرر القطيعة النفسية معه تحت راية الولاء والبراء. الفارق أن هذه الأفكار كانت تحتاج سابقًا إلى دراسة مطوّلة للأدبيات التكفيرية والاحتكاك التنظيمي المكثف، وأصبحت اليوم تُزرع في العقول الصغيرة عبر لقطات سريعة مشفوعة بعبارات مشحونة.
نمط آخر من الريلز يروّج لفكرة الاصطفاء، بترديد عبارات مثل «أنت مش عادي»، «أنت من القلة التي فهمت الحقيقة». هذا الخطاب يعالج هشاشة داخلية عميقة لدى كثير من المراهقين، عبر منحهم شعورًا فوريًا بالقيمة والتميّز دون أدنى جهد. فيتحول الانتماء للفكرة نفسيًا إلى بديل عن بناء الذات، وتصبح القضية وسيلة لتعويض شعور دفين بالفشل أو التهميش، فيتضخم نتيجة هذا الشعور الوهمي بالتحقق، فيرى الشاب نفسه مشروع بطل، ينتظر لحظة إثبات، حتى لو كانت عنيفة. وهو ما استثمرته أدبيات التنظيمات الجهادية الحديثة، حين أعادت تشكيل صورة الإرهابي بوصفه بطلًا فرديًا، بغض النظر عن الانتماء التنظيمي، وركّزت على سرديات التضحية السريعة والمجد الزائف، بما يجعل الفعل العنيف يبدو كاختصار للطريق نحو المعنى.
ثم تتمثل المرحلة الأخطر في نمط الريلز العاكس للتبسيط الفكري؛ ريلز مفادها أن العالم أبيض وأسود، وأن كل من يختلف معك خائن أو منافق أو عميل. هنا يفقد العقل قدرته على إدراك التعقيد، ويصبح الحكم على الناس والأحداث قائمًا على رد فعل شعوري، لا على تحليل عميق. ومع تكرار هذا النمط تتآكل المنطقة الرمادية التي يعيش فيها التفكير النقدي، ويحل محلها يقين صلب لا يحتمل الأسئلة.
ويتعزز أثر هذه الأنماط من الريلز عبر الاعتماد المتزايد على أصوات مولّدة بالذكاء الاصطناعي تُلقى بنبرة درامية ثابتة، وتُدمج مع لقطات مأخوذة من ألعاب إلكترونية قتالية، بما يخلق حالة انفعالية مصطنعة لدى المتلقي. وقد كشفت تقارير حديثة لخبراء أمنيين وتقنيين عن استخدام جماعات متطرفة – من تيارات مختلفة – لتقنيات استنساخ الصوت بالذكاء الاصطناعي بهدف زيادة جاذبية المحتوى المتطرف وتسريع انتشاره عبر منصات التواصل.
واقع متشابك:
ما يحدث في أوروبا اليوم لا ينفصل عن السياق العربي، حيث تتقاطع كتلة شبابية واسعة تعاني ضغوطًا اقتصادية أو نفسية أو كلاهما، مع فضاء رقمي مفتوح تصنعه خوارزميات منصات مثل تيك توك ويوتيوب، وهي خوارزميات تكافئ المحتوى الصادم والانفعالي لأنه الأعلى مشاهدة. في هذا السياق؛ لا يحتاج الشاب إلى خطاب أيديولوجي منظم كي ينزلق، بل تكفيه سلسلة ريلز متتابعة: مقاطع غضب، فيديوهات مظلومية، مشاهد عنف في غزة أو السودان بلا سياق، ثم مونتاج بطولي مصحوب بموسيقى حادة.
في مصر مثلًا؛ تنتشر ريلز تحمل عناوين من قبيل «الكرامة المهدرة»، «الرد الحقيقي على الغرب»، تُركَّب فيها لقطات حرب مع عبارات تحريضية قصيرة، وتُعاد مشاركتها آلاف المرات خلال ساعات، دون أي شرح تاريخي أو قانوني، فيتحول التعاطف الطبيعي إلى شحنة انفعال خام. على الجانب الآخر، فقر المحتوى الهادف واستغراقه في تقليدية العرض والتناول.
خلاصة القول؛ إن نمط الريلز المتداول – محل البحث – اليوم لا يقوم في السياق العربي على مؤثرين تابعين لتنظيم بعينه، بل على منظومة حسابات مجهولة – بأسماء مستعارة – تعمل وفق قالب صوتي وبصري موحّد. هذا النمط لا يروّج لأيديولوجيا محددة في بدايته، بل يعمل على التعبئة الشعورية، بما يجعل الرسالة منفصلة عن أي مرجعية فكرية وممهدة لتلقّي أي أدبيات متطرفة في وقت لاحق. في هذا الإطار؛ تتحول الريلز من أداة تسلية إلى وسيط تعبوي يعيد شحن وعي المراهق تدريجيًا بشكل سلبي، بما يعكس انتقال التطرف من نموذج القيادة والتنظيم إلى نموذج الانتشار الشبكي والانفعال الرقمي.