هل تسقط العاصمة “كابول” في قبضة حركة طالبان؟

يستمر الزحف من قبل حركة طالبان، للسيطرة على مساحات جديدة داخل أفغانستان، حيث سيطرة الحركة على 130 مديرية داخل أفغانستان، في حين تسيطر القوات الحكومية على 34 ولاية، وفقا لمصادر حكومية داخل الدول الأفغانية، ويستمر تقدم الحركة للسيطرة دون توقف على المناطق المتاخمة للعاصمة “كابول”، مما يدعو إلى طرح الأسئلة، هل ستتمكن الحركة قريبا من السيطرة على العاصمة “كابول”، وإعادة نظام الإمارة الإسلامية الذى كان سائدا في التسعينات؟، وما مستقبل قضايا حقوق الإنسان عقب وقوع العاصمة في قبضة طالبان؟، وهل لدى أمريكا النية لمحاربة الإرهاب في أفغانستان بعد إتمام خروج قواتها العسكرية سبتمبر القادم؟.

معطيات مقلقة:

من أهم المناطق التي سيطرت عليها حركة طالبان في الفترة الأخيرة، ولاية لغمان شرقى البلاد، ويتعدى عدد سكانها 600 ألف نسمه، غالبيتهم من البشتون التي تنتمي إليها الحركة، كما سيطرت الحركة على أروزكان وسط البلاد، ويبلغ عدد سكانها 400 ألف نسمة من البشتون أيضا، وأعلنت الحركة مؤخرا سيطرتها على مقر مديرية كلدار أكبر المدن الأفغانية شمال البلاد، التي كانت تتمركز فيها القاعدة العسكرية الألمانية قبل انسحابها، كما سيطرة على ولاية بطلان في الشمال، ويبلغ عدد سكانها 2 مليون نسمة، بالإضافة إلى سيطرتها على معبر شرخان الحدودي مع طاجيكستان، وتتقدم بذلك الحركة غربا وجنوبا مقتربة من العاصمة “كابول”، قبل أسابيع من إتمام خروج القوات الأمريكية من أفغانستان.

بقراءة المعطيات السابقة نجد، سهولة سيطرة الحركة على المناطق ذات الغالبية السكانية من البشتون التي تنتمي إليها الحركة، مما يشير إلى تنسيق غير معلن بين عناصر الحركة وممثلين عن سكان تلك المناطق، تعكسه سهولة تسليم هذه المناطق للقوات التابعة للحركة، واندماجهم في المنظومة الفكرية للحركة دون مقاومة أو تزمر، خاصة وأن المناطق التي سيطرت عليها الحركة ذات طابع ريفي أو قبلي منغلق، بالتالي لا يواجهون مشكلة في التماشى مع المنظومة الفكرية المتشددة للحركة.

على العكس تواجه الحركة صعوبات، في السيطرة على المناطق ذات الأغلبية السكانية من غير البشتون، مما يؤكد وجهة النظر السابقة بأن هناك تنسيق ما بين الحركة والبشتون، كما تقاوم المدن ذات الطبيعة المدنية تقدم الحركة نحوها، لتصادم الرؤية الفكرية المتطرفة للحركة مع طبيعة الحياة المدنية، ويتوقع أن تقوم الحركة بالسيطرة على عواصم الأقاليم بالقوة المسلحة، لعزل المدن عن طريق قطع وسائل الاتصال بينها، وحال تمكنت الحركة من السيطرة على المدن، تصبح في موقف قوة يسمح لها بالتفاوض مع القوى السياسية حول التهدئة، والانتقال بالتالي إلى مرحلة السيطرة على العاصمة “كابول” دون مقاومة عسكرية عنيفة.

إمارة إسلامية في القريب:

تطلق الحركة على نفسها إمارة أفغانستان الإسلامية، مما يذكر بالوضع الذى كان سائد في أفغانستان وقت إدارة الحركة لشئون البلاد عام 1996 ، وهو ما يشير إلى اقتراب إعلان أفغانستان كلها إمارة إسلامية تحت إدارة طالبان، ومن المؤشرات التي توحي بذلك:

 (*) لدى الحركة مسئولون يديرون الخدمات الأساسية في المناطق الخاضعة تحت سيطرتها.

(*) ألغت الحركة من المناهج التعليمية،المواضيع المتعلقة بالفن والمواطنة، واستبدلتهما بمواضيع إسلامية وفقا لرويتها.

(*) تفرض الحركة قيود على حركة النساء في الأسواق والمستشفيات والأماكن العامة، فيما يخص فرض زى معين، ووجوب وجود محرم للخروج من المنزل ليلا، فضلا عن وجود مخاوف قائمة من حرمان النساء من التعليم، كما كان يحدث إبان حكم طالبان في التسعينات، خاصة مع عدم وجود تمثيل للمرأة داخل الحركة إلى الآن.

تراجع متوقع في قضايا حقوق الإنسان:

ومن المتوقع أن تحدث تطورات سريعة وحادة خلال الأسابيع القليلة القادمة، بمجرد أن تسقط العاصمة “كابول” في قبضة طالبان، في كل مناجى الحياة التي تتعلق بحقوق الإنسان، من حرية ممارسة الشعائر الدينية للمختلفين مع الحركة، سواء في العقيدة أو الطائفة، وتراجع في حق التنقل بدأت بوادره في الظهور، من خلال قيام الحركة بعمل نقاط تفتيش على الطرق الرئيسية، والقبض على من يتشككون أنه لديه ارتباط بالحكومة الأفغانية، واعتقاله وتحويله إلى محاكمة تابعة للحركة، وفرض قيود على الزى وإلغاء كل مظاهر الدولة المدنية، وتراجع في حقوق المرأة بشكل عام.

بالإضافة إلى ما سبق؛ ستتصاعد الصراعات بين التنظيمات المسلحة، بمجرد إتمام خروج القوات الأمريكية بعد أسابيع قليلة، ستحاول القاعدة وتنظيم الدولة السيطرة على مساحات جديدة، لمحاولة إفساح لموطئ قدم لهما، لترسخ مبادئهما وأفكارهما لمحاولة إعادة دولتهما، مما سيمثل خطر على قضايا حقوق الإنسان، التي تتعلق باحتمالية زيادة قتل وإصابة المدنيين، فضلا عن اضطرار البعض النزوح من مناطقهم، هربا مما سيتعرضون له من جراء النزاعات.

فضلا عن ما سيحدث من تراجع كبير، فيما يتعلق بحقوق النساء حيث ستزيد العقوبات العلنية التي تطبق عليهن، من قبل الجماعات المسلحة، كمحاولة لفرض رؤية هذه الجماعات الفكرية على النساء، وستزيد الانتهاكات ضد الصحفيين والإعلام دون رادع، كما ستزيد الاعتداءات ضد أقليات كالآزارة والشيعة من جانب تلك الجماعات .

عليه؛ ستشهد أفغانستان في حال وصلت طالبان للسلطة، أسوء فترات فيما يتعلق بتراجع حاد، سيتجاوز كل الخطوط الحمراء بقضايا حقوق الإنسان، خاصة مع وجود اعتراف دولى بالحركة يسمح لها بالتمادي دون رادع، والتنسيق المعلن بين القوات الدولية والحركة، الزى جعل الحركة لا تستهدف قوات أجنبية بضرباتها منذ فترة، وتستهدف قوات حكومية أفغانية فقط.

تنسيق أمريكي مع حركة طالبان:

استقرت الإدارة الأمريكية الحالية، على أن محاربة الإرهاب داخل أفغانستان، ومحاولة بناء الدولة كان مضيعة للوقت، واستنزاف للقوة العسكرية والبشرية والمال، لذا اتخذت إستراتيجية جديدة للتعامل مع هذا الملف، فمن المتوقع أن تدعم الإدارة الأمريكية، وصول طالبان إلى السلطة في الفترة المقبلة، ومحاربة التنظيمات المسلحة الأخرى كـ “داعش والقاعدة”، من خلال استهدافهم بالضربات الجوية وغارات القوات الخاصة، مما سيزيد من احتمالية إصابة المدنيين، حيث أن ضربات الطائرات بدون طيار، كثيرا ما تخلط بين التجمعات القبلية السلمية والتنظيمات المسلحة.

في النهاية، يمكن القول إنه من المحتمل أن يشهد المجتمع الدولى، عودة طالبان إلى السلطة في أفغانستان خلال أسابيع قليلة، حيث أصبح ذلك واقع قادم بخطى ثابتة، وفق المعطيات السياسية والدولية على الأرض، في ظل اعتراف وتنسيق دولي بوضع طالبان داخل أفغانستان، حيث سيطرت الحركة فعليا على أكبر عدد من المقاطعات والأقاليم،استعدادا لتطويق العاصمة “كابول” وسقوط الحكومة، وسنشهد إعلان أفغانستان إمارة إسلامية تحت قيادة طالبان، خاصة وأن الغرب بات لا يملك أوراق ضغط على طالبان، في ظل اعتراف دولي بالحركة.

أسماء دياب

-رئيس برنامج دراسات الإرهاب والتطرف. -باحث دكتوراه في الشريعة الاسلامية . - حاصلة على ماجستير القانون الدولي جامعة القاهرة. -حاصلة على دبلوم القانون الدولى جامعة القاهرة. -حاصلة على دبلوم القانون العام جامعة القاهرة. - كاتبة في العديد في الصحف والمواقع الإلكترونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى