تزييف الواقع الرقمي.. عندما تصبح الثقة هدفًا للهجوم

لم يعد السؤال في البيئة الرقمية اليوم هو: هل يمكن تزييف صورة أو صوت أو مقطع فيديو؟ فقد تجاوز التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي هذا السؤال بالفعل، وأصبحت القدرة على إنتاج محتوى اصطناعي شديد الواقعية متاحة بتكلفة محدودة وفي وقت قصير. لكن السؤال الأكثر خطورة أصبح: ماذا يحدث عندما يفقد الجمهور ثقته في قدرته على التمييز بين الحقيقي والمزيف؟

هذا السؤال يمثل نقطة الانطلاق لدراسة مقبلة يصدرها مركز رع للدراسات الاستراتيجية حول مخاطر تقنيات الـDeepfake على الأمن المعلوماتي والأمن القومي، في محاولة لقراءة الظاهرة بعيدًا عن التعامل معها باعتبارها مجرد تطور تقني جديد في صناعة الصور والفيديوهات، والنظر إليها بوصفها أداة يمكن أن تنتقل من نطاق التزييف الفردي والاحتيال الإلكتروني إلى نطاق أوسع يرتبط بالتأثير في المجتمعات والمؤسسات والدول.

فخلال سنوات قليلة، تغيرت طبيعة المحتوى الاصطناعي بصورة كبيرة. ولم تعد عمليات التلاعب بالصور والمقاطع المرئية والصوتية تحتاج إلى إمكانات تقنية مرتفعة أو فرق متخصصة كما كان الحال في السابق، بل أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على محاكاة الملامح البشرية والصوت والحركة بدرجات متقدمة من الواقعية، وهو ما يوسع دائرة الاستخدام المحتمل لهذه التقنيات ويزيد في الوقت نفسه صعوبة اكتشاف المحتوى المزيف.

وتكشف المؤشرات التقنية عن جانب مهم من المشكلة. فبرنامج GenAI: Deepfakes 2026 التابع للمعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا NIST يشير إلى أن إنتاج بعض أشكال الـDeepfake أصبح منخفض التكلفة والجهد وواسع الإتاحة، بينما يواجه عدد من أنظمة الكشف تحديات عند الانتقال من الاختبارات الأكاديمية إلى ظروف التشغيل الواقعية. وهذا يعني أن المواجهة لا تجري أمام تقنية ثابتة يمكن تطوير أداة لكشفها والانتهاء من المشكلة، وإنما أمام سباق متواصل بين القدرة على التزييف والقدرة على اكتشافه.

ولا تتوقف التداعيات عند الأخبار الزائفة أو تشويه سمعة الأشخاص. فالقدرة على محاكاة صوت شخص أو صورته تفتح المجال أمام استخدامات أكثر خطورة، تبدأ من انتحال الهوية والهندسة الاجتماعية والاحتيال المالي، وتمتد إلى استهداف المؤسسات ومحاولات الوصول إلى معلومات حساسة وانتحال شخصيات مسؤولين وصناع قرار.

وقد حذر مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي FBI بالفعل من حملات استخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي في انتحال شخصيات مسؤولين بارزين عبر الرسائل والاتصالات، بما في ذلك تقنيات استنساخ الصوت. كما سبق أن حذرت وكالة الأمن القومي الأمريكية NSA ومكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية CISA من مخاطر الوسائط الاصطناعية على المؤسسات والبنية التحتية الحيوية وإمكانية توظيفها في عمليات تضليل ترتبط بقضايا سياسية واجتماعية وعسكرية واقتصادية.

لكن المستوى الأخطر الذي تتوقف أمامه دراسة مركز رع المقبلة يتعلق بما يحدث عندما تنتقل هذه التقنيات من نطاق الجريمة السيبرانية إلى نطاق الصراع والتأثير الاستراتيجي.

ففي أوقات الأزمات، قد يكون مقطع فيديو قصير منسوب إلى مسؤول سياسي أو عسكري، أو تسجيل صوتي مزيف، أو صورة مصطنعة لحدث لم يقع، كافيًا لإثارة حالة من الارتباك قبل أن تتمكن الجهات المعنية من التحقق من المحتوى ونفيه. وتزداد الخطورة مع سرعة تداول المحتوى عبر المنصات الرقمية، لأن التأثير الأول للمعلومة قد يتحقق خلال دقائق، بينما يحتاج نفيها وإثبات زيفها إلى وقت أطول.

ومن هنا تنطلق الدراسة من فرضية تتجاوز المخاطر المباشرة للـDeepfake. فالتهديد لا يتمثل فقط في أن ينجح شخص ما في إنتاج محتوى مزيف يبدو حقيقيًا، وإنما في أن يؤدي انتشار القدرة على التزييف إلى إضعاف الثقة في المحتوى الحقيقي نفسه.

فكلما أدرك الجمهور أن الصوت يمكن استنساخه والصورة يمكن اصطناعها والفيديو يمكن تركيبه بدرجة عالية من الواقعية، أصبح من الممكن أيضًا مواجهة أي تسجيل أو صورة حقيقية بالقول إنها “مصنوعة بالذكاء الاصطناعي”. وهنا لا يعود التزييف هو المشكلة الوحيدة، بل يصبح من الممكن استخدام وجود الـDeepfake نفسه ذريعة لإنكار محتوى حقيقي أو التشكيك في أدلة موثقة.

وبذلك، تنتقل المعركة من “صناعة واقع مزيف” إلى “إضعاف القدرة على إثبات الواقع الحقيقي”.

وهذه النقطة تحديدًا تمنح الظاهرة بعدها المرتبط بالأمن القومي. ففي بيئة تتراجع فيها الثقة بالمحتوى الرقمي، تصبح عملية صنع القرار أكثر تعقيدًا، وتتسع مساحة الشائعات والتضليل، ويصبح الرأي العام أكثر عرضة للارتباك، خاصة خلال الحروب والأزمات السياسية والأمنية التي تكون فيها سرعة المعلومة ودقتها جزءًا من إدارة الأزمة نفسها.

ولهذا تتعامل دراسة مركز رع المقبلة مع الـDeepfake باعتباره تهديدًا يقع عند نقطة التقاء الأمن السيبراني بالأمن المعلوماتي والإعلام والحرب النفسية وحماية الهوية الرقمية والأمن القومي، وليس باعتباره مجرد أداة متطورة لمعالجة الصور والأصوات.

وتتتبع الدراسة دورة التهديد منذ الحصول على البيانات التي يمكن استخدامها في محاكاة شخصية ما، مرورًا بإنتاج المحتوى المزيف وتوزيعه، وصولًا إلى التأثير الذي يحدثه وسبل اكتشافه والاستجابة له. كما تطرح سؤالًا آخر يتعلق بمدى كفاية الاعتماد على أدوات اكتشاف الـDeepfake وحدها، خاصة في ظل التطور السريع لقدرات الإنتاج والتزييف.

وفي المقابل، تناقش الدراسة اتجاهًا تقنيًا متصاعدًا يقوم على الانتقال من محاولة اكتشاف المحتوى المزيف بعد انتشاره إلى بناء آليات تساعد على إثبات مصدر المحتوى الحقيقي وأصالته منذ البداية، وهو ما يعرف بـ Digital Content Provenance.

وتبرز في هذا السياق معايير مثل C2PA Content Credentials التي تتيح تسجيل معلومات قابلة للتحقق تشفيريًا حول مصدر المحتوى والتغييرات التي أجريت عليه، بما يغير السؤال الأمني من “هل هذا المحتوى مزيف؟” إلى “من أين جاء هذا المحتوى، وهل يمكن إثبات مصدره وسلسلة الثقة الخاصة به؟”.

وتطرح الدراسة في نهايتها تصورًا لمواجهة متعددة المستويات، لا تعتمد على الحل التقني وحده، وإنما تجمع بين إجراءات الأمن السيبراني، والتحقق من الهوية، وحماية قنوات الاتصال الرسمية، والاستجابة السريعة للحوادث، ورفع الوعي المجتمعي، وتطوير الأطر التنظيمية والتشريعية، وصولًا إلى بحث إمكانية بناء منظومة وطنية لتعزيز الثقة في المحتوى الرقمي.

فالخطر الذي تفرضه تقنيات الـDeepfake في المرحلة المقبلة قد لا يكون في قدرتها على جعل “المزيف يبدو حقيقيًا” فقط، وإنما في قدرتها على الوصول إلى نتيجة أكثر خطورة: أن يصبح الحقيقي نفسه قابلًا للإنكار.

إسلام خالد كمال

نائب رئيس المركز ، مستشار التكنولوجيا بالنقابة العامة للمحامين بجمهورية مصر العربية ، واستشاري أمن المعلومات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى