عبد السلام فاروق يكتب.. مباراة سياسية فى واشنطن

 لا يمكن المرور على زيارة الرئيس الصيني لأمريكا مرور الكرام.. فما حدث بين رئيسي أكبر قوتين فى العالم يعد مباراة قمة فريدة من نوعها..

فعندما هبطت طائرة الرئيس الصيني في قاعدة أندروز الجوية يوم 23 سبتمبر، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في انتظاره شخصياً على أرض المطار، في مشهد غير معتاد في البروتوكول الأمريكي؛ إذ جرت العادة أن ينتظر الرئيس الأمريكي ضيفه في البيت الأبيض لإتمام مراسم الاستقبال الرسمية، وقد وصفت صحف أمريكية ودولية الحدث بأنه أكثر الإشارات البروتوكولية دلالة في الزيارة.

 لم يتوقف الأمر عند ذلك؛ فقد أعد البيت الأبيض استقبالاً عسكرياً بالغ الضخامة، شارك فيه 479 عسكرياً من مختلف أفرع القوات المسلحة الأمريكية، وانتهت المراسم بعروض عسكرية وتحليق لطائرةB-2 وأربع مقاتلات F-22، في دمج واضح بين رسالة القوة الأمريكية ورسالة التكريم السياسي للضيف الصيني.. وهنا تتجلي المفارقة الأولى في الزيارة: أن الرئيس الأمريكي الذي رفع شعار القوة والندية ضد الصين لسنوات طويلة، اضطر للذهاب بنفسه لاستقبال زعيم الدولة المنافسة على أرض المطار! فما الذي تبدّل على مدار سنوات حتي اليوم؟ وما التغير المنتظر فى المستقبل كنتيجة لتلك المباراة الاستثنائية؟

كلاكيت ثاني مرة:

 قراءة زيارة الرئيس الصيني لأمريكا لا ينبغي أن تتم بمعزل عن مجريات زيارة ترامب للصين في مايو الماضي؛ ففي الزيارة السابقة كان ترامب أول رئيس أمريكي يزور الصين منذ عام 2017، وأعلن الجانبان آنذاك رؤيتهما الجديدة للعلاقات تحت عنوان: “العلاقة الصينية ـ الأمريكية البناءة ذات الاستقرار الاستراتيجي”؛ وهي صيغة قالت بكين إنها تستهدف توجيه العلاقات بين البلدين خلال السنوات الثلاث التالية وما بعدها نحو مزيد م الازدهار.. أي أن للصين هدف استراتيجي واضح تطمح إليه..

 أما واشنطن فأعلنت آنذاك عن مجموعة واسعة من التفاهمات الاقتصادية، بينها إنشاء مجلسين للتجارة والاستثمار، وزيادة مشتريات الصين من المنتجات الزراعية الأمريكية، والتعامل مع إمدادات المعادن النادرة، فضلاً عن التزام صيني أوّلي بشراء 200 طائرة بوينج أمريكية.. غير أن كل ذلك لم يمنع الصحف الأمريكية من انتقاد نتائج زيارة ترامب التي تفوقت فيها المظاهر الاحتفالية على حجم الاختراقات السياسية المفترض تحقيقها، وكيف أن ملفات إيران وتايوان والتجارة والذكاء الاصطناعي ظلت بعيدة عن النقاش أو تحقيق تقدم ملموس!

 هكذا جاءت زيارة شي إلى واشنطن في سبتمبر وكأنها الجزء الثاني من مسلسل دبلوماسي بدأ في بكين ولم ينته هناك.. وكما أسهبت الصحف فى وصف مراسم الاستقبال التي تم إعدادها لترامب فى الصين، فعلت المثل مع مراسم الاستقبال المعدة للرئيس الصيني فى أمريكا وكيف أنها مثلت اعترافاً بأهمية الصين التي لم تعد واشنطن قادرة على التعامل معها باعتبارها قوة ثانوية يمكن تطويقها أو تحجيمها أوعزلها بسهولة.. وفي المقابل، فإن حجم العرض العسكري الأمريكي في اليوم التالي حمل رسالة مضادة: أن التكريم لا يعني التنازل عن لغة القوة! ومثل هذه الثنائية تكاد تلخص طبيعة العلاقة الجديدة بين واشنطن وبكين: احترام متبادل ظاهري، مع استمرار المنافسة علي قيادة العالَم وفرض الهيمنة.

 تلك الثنائية أو الازدواجية ظهرت حتي فى تصريحات الرئيسين ففي حين تحدث ترامب عن الصداقة والتقدم الكبير الذي تحقق من الزيارة، اختار تشي جين يبنغ لغة استراتيجية حينما حذر من الوقوع فى “فخ ثيوسيديس”؛ أي خطر تحول صعود قوة جديدة إلى مواجهة عسكرية مع القوة القائمة. ودعا إلى أن تكون المنافسة بين البلدين أشبه بسباق رياضي بريء، لا صراعاً ينتهي بانتصار طرف واندحار الآخر!

انتقادات صحفية:

اللافت في تغطية الزيارة أن الصحافة العالمية انشغلت بالمفارقة بين ضخامة المراسم الاستعراضية المبالغة وضآلة النتائج المعلنة! فقد تحدثت رويترز عن قمة “قوية الرمز ضعيفة المضمون”، وأكدت تقارير أخرى أن الزيارة أنتجت تمديداً للهدنة التجارية أكثر مما أنتجت اتفاقاً نهائياً في القضايا الأساسية! كأن الجزء الثاني من مسلسل الدبلوماسية لم يسفر عن مكاسب لأمريكا..

 صحف أخري أكدت أن العرض البروتوكولي الضخم أخفى وراءه خلافات عميقة حول الذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة وتايوان وإيران، فيما أسمته “دبلو تينمنت”؛ أي تحويل الدبلوماسية إلى نوع من الفرجة السياسية، كما ظهرت عناوين أكثر حدة تهكمت على الهدايا المتبادلة بين الرئيسين، وكيف أن “الباندا لطيفة، لكن أمريكا تحتاج إلى المعادن النادرة وأشياء أخري”، في إشارة إلى أن الرموز الاحتفالية لا تحل أزمة سلاسل الإمداد والتكنولوجيا، وأن النسر الذي أهداه ترامب لتشي جين والباندا التي أهدتها بكين لواشنطن لن تحل القضايا العالقة.

  هكذا مرت الصحافة الأمريكية مروراً عابراً على أناقة مراسم الاستقبال والعشاء الرسمي والهدايا، لتسلط الضوء الأكبر على النتائج المخيبة للآمال لا اتفاق كبير بشأن تايوان، ولا صيغة نهائية للذكاء الاصطناعي، ولا تسوية استراتيجية حول إيران!!

ملفات جوهرية مؤجلة:

لعلنا لا نبالغ إذا اعتبرنا أن ملف الذكاء الاصطناعي يعد أخطر الملفات المؤجلة؛ فالصراع الأمريكي ــ الصيني انتقل تدريجياً من الحاويات والموانئ للشرائح الإلكترونية ومراكز البيانات والخوارزميات، وكان من بين المقترحات الأمريكية إنشاء آلية لإخطار الطرف الآخر بالحوادث الكبرى المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، خصوصاً تلك التي تمس الأمن القومي، لكن الاجتماعات لم تنته إلى اتفاق شامل في هذا الملف.. وبقيت الصين محتفظة بأسرارها وطموحاتها اللامحدودة فى هذا المجال.. وأما عن تايوان وإيران، لم يبد أن المشاورات توصلت إلى شيء.. لقد أرادت الولايات المتحدة من الصين الضغط على طهران وتحجيم أشكال الدعم الاقتصادي والتكنولوجي والمعلوماتي التي تحصل عليها طهران من الشركات الصينية.. وقد أبلغ ترامب شي بوضوح أن أي مساعدة صينية لإيران، مباشرة أو غير مباشرة، بما فيها المعلومات الاستخباراتية أو قطع الغيار أو المعدات العسكرية، أمر غير مقبول بالنسبة لواشنطن.. غير أن الرئيس تشي جين اكتفي بالحديث الدبلوماسي داعياً للهدنة، مؤكداً دعم الصين لاستئناف الإطار التفاوضي الذي تم التوصل إليه في يونيو، وصولاً إلى اتفاق شامل بشأن الملف النووي والقضايا الأخرى..

 هكذا لم تستطع واشنطن استدراج بكين لبناء تحالف أمريكي صيني ضد إيران، بل كشفت المحادثات حقيقة أن أمريكا لم تعد تملك أدوات ضغط كافية ضد بكين لإجبارها على تحقيق تنازلات فى الملفات الكبري.. وهذه النقطة ستكون شديدة الأهمية في الأشهر المقبلة، خصوصاً إذا استمر إغلاق أو اضطراب مضيق هرمز وارتفعت أسعار الطاقة..

نفس الحال انسحب على قضية تايوان.. ففي قمة بكين بمايو الماضي، شدد شي على أن تايوان تعد القضية الأكثر حساسية في العلاقات الصينية ــ الأمريكية، محذراً من أن سوء التعامل معها قد يقود العلاقات إلى مرحلة خطيرة.. وفي واشنطن، لم يتغير شيء، إذ أكدت التحليلات الصادرة عن مجلس شيكاغو للشئون العالمية أن القمة انتهت دون اتفاق جديد حول تايوان أو التكنولوجيا أو التجارة، وأن صفقة أسلحة أمريكية لتايوان بقيمة نحو 14 مليار دولار ظلت معلقة بلا حسم!

قوتان تتقاسمان العالَم:

 إن المباراة السياسية بين بكين وواشنطن لم تفضِ إلى انتصار أي من الطرفين.. غير انها كشفت حقيقة واحدة مؤكدة أن زمن الإملاءات والعقوبات والهيمنة من طرف واحد انتهي إلى غير رجعة، وأننا مقبلون على عصر إعادة هيكلة موازين القوي العالمية..

 صحيح أن أمريكا ما زالت تمتلك تفوقاً عسكرياً واسعاً، وشبكة تحالفات عالمية، ومراكز مالية وتكنولوجية ضخمة.. وأن الصين في المقابل أصبحت قوة اقتصادية وصناعية وتجارية وعسكرية هائلة، وأنها باتت تمتلك أوراقاً استراتيجية تبدأ من المعادن النادرة ولا تنتهي بالطاقة والأسواق والتجارة الآسيوية.. إلا أن المباراة لم تحسم بعد..

  المشهد الحقيقي في واشنطن لم يقتصر على السجادة الحمراء ولا الطائرات التي حلقت فوق البيت الأبيض، بل فى الرسائل المبطنة والإشارات الموحية بأننا صرنا أمام قوتين: قوة تنكر أنها تنحسر، وقوة أخري يخشي من انطلاقها الصاروخي نحو القمة..

 ورغم تبادل الزيارات بين البلدين بقيت الملفات الكبري، كإيران وتايوان وسلاسل الإمداد والمعادن النادرة والرقائق بلا حسم مطلق.. لهذا فإن زيارة شي إلى واشنطن لا ينبغي قراءتها باعتبارها بداية صداقة أمريكية صينية، ولا باعتبارها نهاية للصراع بينهما.. إنها أقرب إلى شعار متبادل غير معلَن يقول: “نعم للتنافس والمناورة والدبلوماسية.. لا للصدام المهلك”.. لقد انتهت الزيارة بمصافحة باردة متحفظة تصرعلى أن يبقى الصراع بين القوتين أكبر من مستوي السلام وأقل من مستوي الحرب، ولعها أهم نتائج تلك المبارة السياسية الكبري غير المحسومة!

عبدالسلام فاروق

عبدالسلام فاروق- باحث وصحفي مصري، يشغل منصب مدير تحرير بمؤسسة الأهرام الصحفية. يهتم في كتاباته بتحليل قضايا الأمن القومي ودراسات علم الاجتماع السياسي، وله إسهامات متعددة في هذا المجال عبر مقالات وتحليلات منشورة في الصحافة المصرية. كما يتولى رئاسة تحرير سلسلة "عقول" الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وله عدد من الدراسات والكتب التي تتناول قضايا الفكر والسياسة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى