دكتور محمد الجمال يكتب.. صندوق دعم الصناعة فكرة تأخرت

قرأت تصريح وزير الصناعة المهندس خالد هاشم عن تأسيس صندوق لتمويل بعض المصانع المتعثرة وسداد جزء من ديونها، وربط هذه المصانع بمستثمرين جدد، إلى جانب إطلاق مبادرة تمويل بفائدة مميزة تصل قيمتها إلى 10 مليارات جنيه في مرحلتها الأولى. ورغم أن التصريح جاء في سياق الحديث عن تحركات الوزارة لدعم الصناعة، فإن فكرة الصندوق تستحق التوقف عندها، ليس باعتبارها مجرد وسيلة تمويل جديدة، وإنما لأنها تفتح ملفا قديما ظل حاضرا في الصناعة المصرية لسنوات، وهو ماذا نفعل بالمصنع عندما يتعثر؟
بحثت في عدد المصانع المتعثرة في مصر، فوجدت أن الأرقام المتداولة حولها ليست واحدة، وسبق أن تحدث مسؤول في هيئة التنمية الصناعية عن نحو 13 ألف مصنع متعثر، بينما أشارت وزارة الصناعة خلال الفترة الأخيرة إلى استمرار حصر الحالات الفعلية وتحديد أسباب التعثر. ويبدو أن صعوبة الوصول إلى رقم نهائي ترجع في جانب منها إلى اختلاف حالات المصانع نفسها، فهناك مصنع أغلق أبوابه تماما، وآخر يعمل بجزء من طاقته، وثالث توقف بسبب المديونية، ورابع لديه مشكلة في التمويل أو التشغيل، وهو ما يجعل الحصر نفسه خطوة أساسية قبل الحديث عن العلاج.
وحاولت أيضا البحث عن توزيع هذه المصانع على المحافظات والمناطق الصناعية، ولم أجد خريطة حديثة منشورة تحدد بشكل واضح عدد المصانع المتعثرة في كل محافظة وأسباب توقفها، رغم أن هذا التوزيع مهم في قراءة المشكلة. فتعثر مجموعة من المصانع داخل منطقة صناعية واحدة قد يرتبط بمشكلة مشتركة في الخدمات أو التمويل أو النقل أو العمالة، بينما قد تكون مشكلة مصنع منفرد مرتبطة بإدارته أو مديونيته أو قدرته على المنافسة.
لهذا فإن الصندوق الذي يجري تأسيسه بالتعاون بين هيئة التنمية الصناعية والبنك المركزي المصري وشركة “سي آي كابيتال” يمكن أن تكون أمامه مهمة أوسع من مجرد توفير الأموال، خاصة أن تصريح الوزير تضمن نقطة مهمة تتعلق بسداد جزء من ديون بعض المصانع بشروط محددة، ثم ربطها بمستثمرين جدد. فالمصنع الذي تراكمت عليه الديون قد لا يكون في حاجة إلى قرض جديد يضيف عبئا إلى أعبائه، بقدر حاجته إلى تسوية جزء من هذه الديون وإدخال شريك لديه القدرة على ضخ الأموال وإعادة تشغيل خطوط الإنتاج.
ويجب القول إن المصنع المتعثر ليس بالضرورة مصنعا فاشلا، لأن أسباب التعثر تختلف من حالة إلى أخرى. قد يكون هناك مصنع لديه منتج مطلوب وسوق قائمة وعمالة مدربة، لكنه تعرض لأزمة سيولة أو ارتفعت عليه تكلفة التمويل، وهناك مصنع آخر يحتاج إلى تحديث بعض معداته حتى يستطيع المنافسة، بينما قد يكون التعثر في حالة ثالثة نتيجة سوء الإدارة أو تراجع الطلب على المنتج. ولذلك فإن التعامل مع جميع المصانع بالطريقة نفسها لن يؤدي إلى النتيجة المطلوبة، كما أن ضخ الأموال في مصنع فقد فرصته في السوق لن يكون أفضل استخدام لموارد الصندوق.
هذه الطريقة في التعامل مع المصانع التي تواجه أزمات موجودة بصور مختلفة في تجارب دولية. ففي إيطاليا يوجد “صندوق حماية الشركات” الذي تديره وكالة “إنفيتاليا”، ويستطيع الدخول بحصة في بعض الشركات التي تواجه صعوبات ضمن خطة لإعادة الهيكلة، مع مشاركة مستثمرين من القطاع الخاص. والفكرة لا تقوم على إبقاء أي شركة متعثرة في السوق بأي ثمن، وإنما التدخل عندما تكون هناك فرصة حقيقية لاستمرار النشاط والحفاظ على الوظائف وإعادة الشركة إلى وضع يسمح لها بالعمل من جديد.
وفي ألمانيا نجد تجربة مختلفة من خلال بنك التنمية الألماني KfW، الذي يوفر أدوات تمويل للشركات ويساعد في تخفيف جانب من مخاطر التمويل، بما يسمح للشركات بالحصول على الأموال اللازمة للاستثمار والتحديث والتوسع. ورغم اختلاف النموذج الألماني عن فكرة الصندوق المصري، فإن التجربتين تلتقيان عند نقطة مهمة، وهي أن ترك المصنع وحده حتى تتراكم مشكلاته ثم التعامل معه بعد توقفه الكامل غالبا ما يكون أكثر تكلفة من التدخل في الوقت المناسب.
ولا تحتاج مصر بالطبع إلى استنساخ هذه التجارب، وإنما إلى نموذج يناسب طبيعة صناعتها ومشكلاتها. لدينا مناطق صناعية كبيرة، ومصانع صغيرة ومتوسطة، وصناعات تختلف احتياجاتها بصورة واضحة، كما أن أسباب التعثر ليست واحدة. ومن الضروري أن يبدأ الصندوق من هذه الحقيقة، فيحدد أولا المصانع التي تمتلك فرصة فعلية للعودة، ثم يحدد احتياج كل مصنع بدلا من وضع وصفة واحدة للجميع.
وربما يكون ربط المصانع المتعثرة بمستثمرين جدد من أكثر ما يستحق الاهتمام في تصريح وزير الصناعة، لأن المستثمر الذي يريد الدخول إلى قطاع صناعي معين ليس مضطرا في كل مرة إلى البدء من الصفر، وشراء أرض جديدة، وبناء مصنع، وشراء المعدات وانتظار التراخيص وبدء التشغيل، بينما قد يكون هناك مصنع قائم بالفعل يمتلك الأرض والمباني والآلات والعمالة، لكنه يحتاج إلى رأس مال جديد أو إدارة مختلفة حتى يعود إلى الإنتاج.
كما أن وجود خريطة واضحة للمصانع المتعثرة يمكن أن يجعل هذه العملية أسهل، بحيث يعرف المستثمرون أين توجد الفرص الصناعية الجاهزة، وما القطاعات التي تضم مصانع قابلة لإعادة التشغيل، خاصة في الصناعات الغذائية والهندسية والكيماوية والمنسوجات والملابس الجاهزة والأدوية والصناعات الإنشائية، وهي القطاعات التي يشملها توجه الصندوق.
ومن الواضح أن قيمة الصندوق لن تقاس فقط بحجم الأموال التي يضخها، سواء كانت 10 مليارات جنيه في المرحلة الأولى أو أكثر بعد ذلك، وإنما بعدد المصانع التي استطاعت العودة إلى الإنتاج، وحجم العمالة التي حافظت على وظائفها، وعدد المستثمرين الذين دخلوا إلى مصانع قائمة، بدلا من تركها مغلقة لسنوات.
فالصناعة لا تبدأ دائما من أرض خالية ومصنع جديد. أحيانا يكون الاستثمار الأفضل موجودا بالفعل خلف أبواب مصنع متوقف، لديه ماكينة لم تعد تعمل، وعمال ابتعدوا عن خطوط الإنتاج، وديون تراكمت، بينما لا يزال المنتج نفسه قابلا للبيع والمصنع قابلا للحياة.
ومن هنا تبدو فكرة صندوق دعم المصانع المتعثرة فكرة تأخرت، لكنها تأتي الآن في وقت تحتاج فيه الصناعة المصرية إلى استعادة كل طاقة إنتاج يمكن استعادتها، على أن يكون الإنقاذ لمن يستطيع العودة فعلا، وأن تكون البداية من معرفة دقيقة بعدد المصانع المتعثرة وأماكنها وأسباب تعثرها، ثم اختيار العلاج المناسب لكل حالة، بدلا من انتظار المصنع حتى يغلق أبوابه ويصبح إعادته إلى الحياة أكثر صعوبة وتكلفة.