د. مبارك مبارك أحمد يكتب.. مستقبل الفرص التنموية في العراق

يمر العراق بمفترق طرق حقيقي ما بين تحديات داخلية وخارجية ترتبط بالتصعيد العسكري الأمريكي الإيراني وتداعياته، وفرص تنموية واعدة في العديد من المجالات، في مقدمتها قطاع الطاقة كقطاع رائد للفرص التنموية في العراق، فالطاقة الإنتاجية للنفط في العراق تبلغ حاليًا 4.8 مليون برميل يوميًا، كما يمتلك العراق بعضًا من أكبر احتياطيات النفط الخام في العالم. وهو الأمر الذي انعكس في زيارة الزيدي إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن وقعت خلالها عدة اتفاقات بين وزارة النفط العراقية والشركات الأمريكية بقيمة 200 مليار دولار.
وقد جاءت مشاركة الزيدي في الاجتماعات السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الواحدة والثمانين، والمنعقدة بنيويورك بمشاركة قادة ورؤساء حكومات وممثلي الدول الأعضاء في المنظمة الدولية في 23 سبتمبر 2026، ليستعرض جهود العراق في تعزيز التنمية، وكيفية مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وموقف العراق من القضايا الإقليمية والدولية، وسبل تعزيز الأمن والاستقرار والسلام، إلى جانب الملفات الاقتصادية والتنموية والمناخية، وسياسات الحكومة في الملفات الاقتصادية والأمنية والعلاقات الخارجية.
مقومات التنمية
ولا شك أن وجود العراق في المحافل الدولية يسهم في الترويج للفرص الاستثمارية والتنموية، فالعراق، بلاد الرافدين، والذي يقدر عدد سكانه بما يقرب من 48 مليونًا و200 ألف نسمة، وفقًا لأحدث بيانات الأمم المتحدة، و73% من السكان هم من سكان الحضر، لديه مقومات التنمية وامتلاك فرص واعدة على عدة مستويات:
فعلى المستوى الداخلي، يأتي موقع العراق الجيواستراتيجي بعد أن أعادت الحرب على إيران الاعتبار إلى الجغرافيا السياسية، بتوظيف عقدة مضيق هرمز في صراعها مع الولايات المتحدة، وموقع العراق جيواستراتيجيًا انعكس بدوره على مسارات التنمية، وذلك من خلال التوجه نحو تدشين مشروع طريق التنمية الاستراتيجي في يونيو 2023، أو ما يطلق عليه مسمى “القناة الجافة”، الذي يربط ميناء الفاو بمدينة البصرة العراقية على مياه الخليج العربي بالأراضي التركية، ومنها إلى أوروبا.
تضمن المشروع خطًا بريًا وآخر للسكك الحديدية، إذ يهدف المشروع إلى نقل البضائع من موانئ العراق على مياه الخليج العربي في البصرة إلى تركيا، مرورًا بمحافظات البصرة ثم ذي قار والقادسية وواسط، ثم باتجاه العاصمة بغداد، ومنها إلى صلاح الدين وكركوك ونينوى، وصولًا إلى المثلث العراقي التركي السوري من جهة منطقة فيشخابور، علاوة على أن المشروع سيتضمن بناء حوالي 15 محطة قطار على طول الطريق، بما في ذلك المدن الرئيسية في البصرة وبغداد والموصل، وحتى الحدود مع تركيا، ومن ثم إلى أوروبا ومنطقة القوقاز، ليتحول بذلك العراق من خلال المشروع إلى محطة رئيسية للتجارة ومحطة نقل بين آسيا وأوروبا، أي سيكون بمثابة أداة لربط تجارة شرق العالم بغربه.
وبرغم أن مشروع طريق التنمية الاستراتيجي يأتي في إطار إعادة تموضع العراق على خريطة التجارة والنقل العالمي، وسعيه لأداء دور إقليمي، فإنه يواجه العديد من التحديات، منها ما يرتبط بتحفظ إقليم كردستان على مد شبكة سكك حديدية بمسافة 4 كيلومترات عبر دهوك، وصولًا للحدود التركية، لما لهذا الأمر من تداعيات على معبر إبراهيم الخليل الحدودي، والذي يعد البوابة الرئيسية بين إقليم كردستان وتركيا والدول الأوروبية، وما يمثله من فوائد اقتصادية لصالح الإقليم.
وعلى المستوى الإقليمي، شكلت الآلية الثلاثية بين مصر والعراق والأردن آلية للتعاون الثلاثي بين مصر والعراق والأردن منذ مارس 2019، والتي شهدت العديد من الاجتماعات والجولات، سواء على مستوى لقاءات القمة بين قادة الدول الثلاث أو على مستوى وزراء الخارجية، بهدف تعزيز التعاون والشراكة، وعقد نسختين من مؤتمر بغداد للشراكة والتنمية، الأولى في العراق 2021 والثانية في الأردن 2022، بهدف دعم العراق وسيادته وأمنه واستقراره، وتطوير آليات التعاون معه، بما يعزز الأمن والاستقرار، ويسهم في عملية إعادة دمج العراق في محيطه العربي، وذلك من خلال تحقيق التكامل الاقتصادي، وتعزيز الروابط التجارية والصناعية والاعتماد المتبادل بين الدول الثلاث، فضلًا عن تعزيز الاستثمار في البنية التحتية من خلال الربط الكهربائي، وتمديد خطوط النفط، والتعاون في مجال الإعمار والطاقة. هذه المجالات ستنعكس على التنسيق السياسي وتوحيد الرؤى تجاه القضايا الإقليمية ودعم استقرار المنطقة ومواجهة التحديات المشتركة.
أما على المستوى الدولي، فثمة إرادة دولية للحيلولة دون توظيف العراق في التجاذبات الإقليمية والدولية، ومنها التصعيد الأمريكي الإيراني منذ يونيو 2025، بعد أن أسهم الاحتلال الأمريكي للعراق في أبريل 2003 في كسر قوته، مما جعل خروجه خصمًا من رصيد القوة العربية، لا سيما وأن الاحتلال أخفق في تحويل العراق إلى واحة للديمقراطية ينتشر عبيرها إلى باقي الدول. وهو ما لم يتحقق، وانهارت مؤسسات الدولة العراقية، وتغيرت النخبة الحاكمة، وأضحى العراق واحة للتيارات الإرهابية بدلًا من أن ينشر عبير الحرية في الإقليم، بحسب ما بشر به الاحتلال آنذاك.
غير أن الأزمات التي مر بها العراق جعلت القوى الوطنية ترفض التدخلات الإقليمية والدولية في شؤونه أو استخدام أراضيه في التنافس الأمريكي الإيراني. ومع ذلك، بدأ العراق يتعافى وتستعيد مؤسساته تماسكها، بعد أن تمكن من القضاء على تنظيم داعش منذ 2017 بمساعدة التحالف الدولي لمواجهة التنظيم، وأعلن العراق أراضيه خالية من التنظيم ومقاتليه. وهو الأمر الذي انعكس بدوره على ترحيب القوى العراقية بقرار الدول الغربية بسحب قواتها من العراق، وفي مقدمة تلك الدول الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا، بعد أن تبنى الرئيس دونالد ترامب في ولايته الأولى وقف الحروب وتباهيه في ولايته الثانية بأنه صانع للسلام العالمي، إذ يردد أنه تمكن من وقف ما يقرب من ثمانية حروب، أملًا في الحصول على جائزة نوبل للسلام، وهو ما لم يتحقق.
مجمل القول، يواجه العراق العديد من التحديات داخليًا، ترتبط بتحديات التشغيل والأمن الغذائي والتنمية المتوازنة لكافة المدن العراقية، لا سيما الحدودية، لمنع عودة داعش لتلك المناطق المهمشة، وكذلك تحديات الانقسام العرقي والطائفي والمذهبي. وخارجيًا، يأتي تحدي الميول التوسعية لتركيا في العراق وسوريا، ومحاولات توظيف الأراضي العراقية في الصراع الأمريكي الإيراني، لتبقى مناعة الداخل والتماسك الوطني ثوابت قادرة على مواجهة كافة التحديات، بتوظيف قدرات العراق الذاتية في ظل تنوعها، إذ كشف صندوق العراق للتنمية عن وجود فرص استثمارية لإنتاج سلع تقدر بنحو 40 مليار دولار داخل العراق بدلًا من استيرادها، وهو ما يعني توفر فرص تنموية قادرة على البناء عليها في ظل ما يمتلكه العراق من موارد بشرية وطبيعية قادرة على إعادة بعثه من جديد كقوة استقرار إقليمي داخل محيطه العربي.