باب المندب.. ما وراء الصواريخ أخطر من الصواريخ

ليست كل الأخبار سواء؛ هناك خبر نسمعه ونعلق عليه، ثم ينتهي بانتهاء يومه، وهناك خبر آخر يجب أن نتوقف أمامه، لأن ما وراءه قد يكون أهم كثيرا مما ظهر فيه. وما يجري الآن في اليمن والبحر الأحمر وباب المندب، وما وصل إليه التصعيد من تهديدات وهجمات طالت الأراضي والمنشآت السعودية، ليس مجرد تطور عسكري جديد يمكن فصله عن بقية المشهد.

في 19 سبتمبر ٢٠٢٦، أعلنت جماعة الحوثي مسؤوليتها عن هجمات بصواريخ وطائرات مسيرة باتجاه مواقع في الرياض، فيما أعلنت السعودية اعتراض صاروخ باليستي متجه إلى العاصمة والتعامل مع تهديدات أخرى. وفي التوقيت نفسه، شوهدت ألسنة لهب ودخان قرب مطار الملك خالد، بينما لم يكن السبب الدقيق للحريق قد حسم في التقارير الأولية. وهنا يجب أن نكون دقيقين، ففي القضايا الأمنية لا يجوز أن نخلط بين الخبر المؤكد والادعاء والتحليل. قد يقول البعض: •• هذه حرب في اليمن. وأقول: نعم، بدأت المواجهة في اليمن، لكن آثارها لم تعد يمنية. وهنا تحديدا يجب أن نبدأ القراءة: لماذا باب المندب؟ لأن باب المندب ليس مجرد اسم على خريطة، ولا مجرد مضيق يفصل بين ضفتين، إنه أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ومنها إلى قناة السويس والبحر المتوسط. ولذلك، فإن أي اضطراب في أمنه لا يبقى محصورا في المنطقة. المسألة ليست فقط أن يغلق المضيق، الأخطر أن يصبح المرور فيه محفوفا بالمخاطر، فالسفينة التي تستطيع المرور ولكنها لا تضمن سلامة مرورها قد تبحث عن طريق آخر، وشركة الملاحة التي ترتفع أمامها كلفة التأمين والمخاطر ستعيد حساباتها. وهنا يتحول الخطر العسكري إلى فاتورة اقتصادية، وهذا هو الجزء الذي يجب ألا نغفل عنه.

المشكلة في اتجاه الأحداث:

المشكلة ليست في صاروخ واحد ولا في طائرة مسيرة واحدة، المشكلة في اتجاه الأحداث، وهو تقدم حوثي على أجزاء من الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، وسيطرة على مواقع استراتيجية بالقرب من باب المندب، وتصاعد في الهجمات على السعودية، وتهديد للملاحة الدولية.

وفي سبتمبر ٢٠٢٦، أفادت تقارير بسيطرة الحوثيين على جزيرة بريم المعروفة، وهي عند مدخل باب المندب، وهو تطور يزيد الحساسية الأمنية للممر البحري.

وفي 18 سبتمبر، أظهرت بيانات ملاحية نقلتها رويترز عبور 23 سفينة بضائع عبر باب المندب، مقابل متوسط بلغ 26 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة، أي أن الملاحة لم تتوقف، لكنها تعمل في بيئة أمنية أكثر حساسية. وهنا يجب أن نكون واضحين: لا ينبغي أن نبالغ في تصوير المشهد، كما لا ينبغي أن نقلل من خطورته.

باب المندب ليس ممرا مغلقا، لكن ارتفاع مستوى المخاطر حوله كاف وحده ليدفع شركات الملاحة إلى إعادة حسابات التأمين والمسارات والتكلفة، وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

السعودية في قلب المشهد:

السعودية ليست دولة بعيدة عن هذا التطور، فهي دولة مطلة على البحر الأحمر، ولها مصالح مباشرة في أمن الملاحة والطاقة والموانئ، كما أن التطورات الأخيرة أظهرت قدرة الهجمات على الوصول إلى مدن ومنشآت داخل أراضيها. وعندما يصل التهديد إلى الرياض، يصبح السؤال مختلفا. لم يعد السؤال فقط: ماذا يحدث في اليمن؟ بل أصبح: إلى أي مدى يمكن أن تمتد دائرة الصراع؟ وهذه ليست مسألة عسكرية فقط، فالمطار والميناء والمنشأة النفطية وخطوط النقل ليست مجرد أهداف محتملة في الحساب العسكري، إنها أجزاء من منظومة أمن الدولة والاقتصاد وحياة المواطنين. ومن هنا يصبح أمن البحر الأحمر مرتبطا مباشرة بالأمن الإقليمي، وليس مجرد ملف يمني. وهنا تظهر مصر. قد يسأل البعض: ما علاقة مصر بكل ذلك؟ الإجابة تبدأ من كلمتين: قناة السويس، لكنها لا تنتهي عندهما. البحر الأحمر بالنسبة إلى مصر ليس مجرد مساحة مائية شرق البلاد، وإنما جزء من منظومة جغرافية وأمنية واقتصادية ترتبط جنوبا بباب المندب وشمالا بقناة السويس. فقناة السويس لا تعمل بمعزل عن البيئة البحرية المحيطة بها، وكلما ارتفعت المخاطر في الطريق المؤدي إليها، ارتفعت احتمالات إعادة شركات النقل حساباتها بشأن المسارات والتأمين والتكلفة والزمن. وهذه حقيقة جغرافية واقتصادية قبل أن تكون موقفا سياسيا.

لقاء القاهرة ورسالة مهمة:

في 15 سبتمبر، بحث الرئيس عبدالفتاح السيسي مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التطورات الإقليمية، وأكد الجانبان أهمية ضمان حرية وأمن الملاحة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، كما تناول اللقاء دعم أمن واستقرار المنطقة والحاجة إلى حل سياسي شامل ومستدام للأزمة اليمنية. وهنا تكمن أهمية اللقاء، فالرسالة ليست أن مصر تريد توسيع دائرة الصراع، بل إن أمن البحر الأحمر وممراته الحيوية لا يمكن التعامل معه باعتباره شأنا محليا محدودا. وفي الوقت نفسه، فإن دعم أمن الملاحة لا يعني بالضرورة الذهاب إلى مواجهة مفتوحة. وهنا يظهر التوازن الصعب: قوة تحمي المصالح، ودبلوماسية تمنع اتساع دائرة الحرب.

هل الحوثيون وحدهم في المشهد؟

هنا يجب أن نكون أكثر حذرا. العلاقات والدعم الإيراني للحوثيين جزء معروف من المشهد الإقليمي، وتصف التقارير الدولية الحوثيين بأنهم مدعومون من إيران، لكن ذلك لا يعني أن كل خطوة عسكرية حوثية تصدر بالضرورة بتوجيه مباشر من طهران. والدقة هنا ليست ترفا. في القضايا الأمنية، كلمة واحدة غير محسوبة قد تحول التحليل إلى اتهام، والمحرر أو مركز الدراسات الذي يتحدث في قضية تمس الأمن القومي يجب أن يفرق دائما بين المعلومة •• والتقدير •• والاحتمال.

وهذا ما يجب أن نفعله ونحن نقرأ التطورات الحالية.

البعد القانوني لا يقل أهمية:

هناك قاعدة يجب ألا تغيب عن المشهد: الملاحة الدولية في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية تحكمها قواعد القانون الدولي، ولا يجوز تحويل الممرات البحرية الحيوية إلى ساحات مفتوحة لاستهداف السفن التجارية. وقد أكدت المنظمة البحرية الدولية أهمية سلامة الملاحة وحماية البحارة والسفن التجارية في ظل الهجمات التي شهدها البحر الأحمر، فيما تواصل الأمم المتحدة ومجلس الأمن متابعة التهديدات التي تواجه الملاحة الدولية في المنطقة.

ومن هنا، فإن حماية الملاحة الدولية ليست فقط مصلحة اقتصادية، وإنما قضية لها أساس قانوني دولي.

ما أخشاه ليس الصاروخ:

الصاروخ يمكن اعتراضه، والطائرة المسيرة يمكن إسقاطها، والسفينة يمكن حمايتها، لكن ما يصعب التعامل معه هو أن يتحول الخطر المؤقت إلى وضع دائم. إذا اعتادت شركات الملاحة أن البحر الأحمر منطقة مرتفعة المخاطر، وإذا ارتفعت تكاليف التأمين، وإذا اضطرت السفن إلى تغيير مساراتها، فنحن لا نتحدث بعد ذلك عن حادث عسكري، نحن نتحدث عن تغيير في اقتصاد الحركة التجارية. وهنا يرتبط الأمن بالاقتصاد بصورة مباشرة. قد يبدأ الحدث بصاروخ في منطقة بعيدة، ثم ينتقل أثره إلى تكلفة النقل والتأمين والطاقة وسلاسل الإمداد، ثم يصل في النهاية إلى السوق والمستهلك، وهذا هو معنى الأمن الاقتصادي في عالم اليوم.

الخطر الحقيقي أن يبقى التهديد جزءا من المشهد:

الخطر الأكبر ليس بالضرورة أن تقع ضربة هنا أو هناك، الخطر أن يصبح التهديد جزءا ثابتا من المشهد، وأن تصبح السفن مطالبة دائما بأن تحسب احتمال الاستهداف، وأن تصبح الشركات مضطرة إلى إضافة علاوة مخاطر دائمة، وأن تتحول الممرات البحرية من طرق مفتوحة للتجارة إلى أوراق ضغط في الصراعات الإقليمية. وهنا تتحول الجغرافيا إلى سياسة، والتاريخ يعلمنا أن السيطرة على الممرات الاستراتيجية أو القدرة على تهديدها لم تكن يوما مسألة عسكرية فقط.

من السويس إلى باب المندب، ومن هرمز إلى طرق التجارة الآسيوية، كانت الجغرافيا دائما جزءا من معادلة القوة، لكن هناك فارقا يجب ألا نغفله: امتلاك الموقع لا يعني امتلاك القرار، لكن القدرة على التأثير في الموقع تمنح صاحبها ورقة ضغط على القرار.

ماذا يجب أن تفعل مصر؟

المطلوب ليس الانفعال، وإنما بناء موقف متكامل يعمل في أكثر من دائرة، على النحو التالي:

١- اليقظة الاستراتيجية من خلال متابعة التطورات العسكرية والسياسية في اليمن والبحر الأحمر وباب المندب، ورصد أي تغير جوهري في موازين القوى والقدرات التي يمكن أن تؤثر في أمن الملاحة.

٢- تعزيز التنسيق المصري السعودي، خصوصا في ملفات أمن البحر الأحمر وحماية المصالح الاقتصادية والطاقة والموانئ والملاحة، في إطار يحافظ على المصالح المشتركة دون توسيع نطاق الصراع.

٣- دعم أمن الملاحة الدولية من خلال التعاون مع الدول والمنظمات المعنية، وفي إطار القانون الدولي، بما يضمن حماية السفن التجارية والبحارة ويحد من مخاطر التصعيد.

٤- دعم المسار السياسي في اليمن، لأن الأمن البحري لا يمكن أن يستقر بصورة مستدامة إذا بقيت جذور الصراع السياسي والعسكري مفتوحة.

٥- حماية قناة السويس من الآثار غير المباشرة، وهذا لا يعني فقط حماية المجرى الملاحي، وإنما متابعة حركة التجارة والتأمين وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، والاستعداد للتعامل مع أي تغيرات مفاجئة في حركة السفن.

٦- عدم الانجرار إلى سيناريوهات الآخرين، فمصر يجب أن تحافظ على قدرة الحركة، وأن تدافع عن مصالحها، وأن تستخدم أدواتها السياسية والدبلوماسية والأمنية في الوقت الذي تراه مناسبا، دون أن تتحول إلى طرف في صراع لا يخدم أمنها القومي.

الدرس الأهم:

هناك درس يجب أن نتعلمه دائما من الأزمات: لا تنتظر الخطر حتى يصبح واقعا كاملا •• اقرأ اتجاهه، وتابع مؤشراته، وافهم دوافعه، ثم تحرك في الوقت المناسب. هذه هي وظيفة الأمن القومي الحقيقي، فالأمن ليس أن ننتظر الصاروخ ثم نبحث عن وسيلة لاعتراضه، الأمن أن نعرف لماذا أطلق، ومن أين جاء، وما الذي يمكن أن يأتي بعده. وهنا تحديدا يصبح الوعي جزءا من القوة.

في النهاية، أنا لا أرى أن المطلوب أن نخاف من باب المندب، المطلوب أن نفهم باب المندب. هناك فرق كبير بين الاثنين. الخوف يجعلنا نتابع الحدث، أما الفهم فيجعلنا نقرأ ما وراء الحدث. وما وراء الحدث اليوم أن الصراع لم يعد محصورا في حدود اليمن، بل أصبح متصلا بأمن السعودية وأمن البحر الأحمر وحركة التجارة والطاقة ومصالح قناة السويس وتوازنات إقليمية ودولية أوسع.

ولهذا، فإن مصر مطالبة بأن تظل يقظة وهادئة وقادرة على حماية مصالحها، وأن تتحرك سياسيا ودبلوماسيا وأمنيا وفق حسابات دقيقة، دون أن تنجر إلى ما لا يخدم أمنها القومي. فليس كل تهديد يستدعي حربا، وليس كل هدوء يعني أن الخطر انتهى. الدولة القوية هي التي تعرف متى تتحرك، ومتى تتحدث، ومتى تصمت، ومتى تستخدم قوتها. أما الاستراتيجية الحقيقية، فهي أن ترى الخطر قبل أن يصل إلى حدودك، وأن تملك أدوات مواجهته قبل أن تضطر إلى استخدامها.

باب المندب اليوم ليس مجرد مضيق نراقب ما يحدث حوله، بل اختبار حقيقي لقدرتنا على قراءة المستقبل قبل أن يفرض نفسه علينا.

لواء أحمد زغلول

اللواء دكتور أحمد زغلول مهران: المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية، سيادته كان مساعدًا لمدير المخابرات الحربية، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإدارية، كما أنه خبير متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى