كيف انتقد الشرفاء الحمادي “الولاء والبراء” عند جماعة الإخوان الإرهابية؟

لم تكن أزمة جماعة الإخوان يوما في الشعارات التي رفعتها بقدر ما كانت في المعاني التي وضعتها خلف هذه الشعارات، وفي المفاهيم التي أعادت صياغتها بما يخدم التنظيم ويحكم علاقته بأعضائه وبالمجتمع والدولة. فالجماعة لم تكتف بتقديم نفسها باعتبارها جماعة دعوية أو سياسية، وإنما بنت عبر عقود طويلة منظومة فكرية تحدد للأعضاء من يقتربون منه ومن يبتعدون عنه، ومن يستحق التأييد ومن يجب البراء منه، حتى أصبح الموقف من التنظيم وفكرته مدخلا في كثير من الأحيان لتحديد الموقف من الأشخاص والمؤسسات والدولة نفسها.
ومن أخطر المفاهيم التي جرى توظيفها في هذا السياق مفهوم “الولاء والبراء”، ليس باعتباره مفهوما دينيا فحسب، وإنما باعتباره أداة تنظيمية للفرز والتصنيف. وقد وضع حسن البنا مبكرا أساسا لهذا المعنى عندما تحدث عن “التجرد”، وطالب أتباعه بأن يخلصوا لفكرتهم مما سواها من المبادئ والأفكار، ثم قسم الناس أمام “الأخ الصادق” إلى ستة أصناف: “مسلم مجاهد، أو مسلم قاعد، أو مسلم آثم، أو ذمي معاهد، أو محايد، أو محارب”، وانتهى إلى أن الأشخاص والهيئات توزن في حدود هذه الأقسام، وعلى أساسها يكون “الولاء والعداء”.
المشكلة هنا لا تتعلق بمجرد تقسيم نظري ورد في إحدى رسائل البنا، وإنما بما يمكن أن ينتجه هذا التقسيم عندما يتحول إلى منهج في النظر إلى المجتمع. فبدلا من أن يكون الاختلاف طبيعيا بين البشر، يصبح الإنسان موضوعا للتصنيف وفقا لموقفه من الفكرة، ويصبح التنظيم في مركز الدائرة، ثم يجري تحديد الآخرين بحسب المسافة التي تفصلهم عنه. وهكذا يتحول “الولاء والبراء” من مفهوم ديني إلى مفهوم فكري تنظيمي يتربى عليه العضو، ويحدد من خلاله علاقته بالأشخاص والهيئات وكيفية التعامل معهم.
ومع انتقال هذه الأفكار إلى تيارات وجماعات أكثر تطرفا، اتسعت دائرة استخدامها، وظهرت كتابات مثل “الفريضة الغائبة” وغيرها من الأدبيات التي ربطت بين الحاكم و”الطاغوت”، وبين العاملين في مؤسسات الدولة و”الموالين”، ثم بنيت على ذلك أحكام تتجاوز الاختلاف السياسي إلى التكفير واستباحة القتال والأموال والأعراض.
وهنا تحديدا يمكن قراءة أهمية ما قدمه المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي في مواجهة هذا البناء الفكري، لأنه لم ينشغل فقط بالنتائج التي انتهت إليها الجماعات المتطرفة، وإنما عاد إلى النقطة التي يبدأ منها الانحراف كله: من أعطى الإنسان الحق في الحكم على إيمان إنسان آخر؟
هذا السؤال يهدم مساحة واسعة من البناء الذي أقامته الجماعات المتطرفة حول مفهوم “الولاء والبراء”، لأن تصنيف الناس إلى مؤمن وكافر، وموال وعدو، ثم ترتيب أحكام دنيوية على هذا التصنيف، يفترض ابتداء وجود سلطة بشرية تملك الحكم على عقائد الآخرين، وهي السلطة التي يرفضها الشرفاء من أساسها.
يقول علي محمد الشرفاء الحمادي: “لم يوكل الله سبحانه أوصياء عنه يراقبون الناس في عباداتهم، وتكون لديهم سلطة الحكم على غيرهم من الناس بالكفر، أو بالشهادة لهم بالصلاح والإيمان، ويظل الحكم على الناس لله وحده”.
وبهذه الكلمات يضع الشرفاء يده على جوهر المشكلة، فالقضية ليست فقط أن جماعة ما أخطأت في تنزيل حكم على شخص أو في تفسير نص، وإنما أنها منحت نفسها من البداية حقا ليس لها، حين نصبت نفسها حكما على إيمان الناس، ثم جعلت من تصورها الخاص للدين معيارا تقيس به الآخرين.
فإذا كان الحكم على إيمان الإنسان لله وحده، فكيف يتحول التنظيم إلى وسيط بين الإنسان وربه؟ وكيف يصبح موقف المواطن من جماعة أو نظام سياسي سببا للحكم عليه في دينه؟ وكيف ينتقل الخلاف مع الحاكم إلى تكفيره، ثم يمتد الحكم إلى من يعمل معه أو في مؤسسات دولته؟
هذه ليست أسئلة نظرية، لأن الأدبيات المتطرفة قدمت بالفعل إجابات شديدة الخطورة عليها. فمفهوم “الطواغيت” استخدم لوصف الحكام، ثم ظهرت إلى جواره دائرة “الموالين” لتشمل فئات تتعاون مع هؤلاء الحكام وفق تصور الجماعات، ومن بينها الجيش والشرطة والقضاء والإعلام ورجال الدين.
وهنا تكمن خطورة الفكرة، لأنها تتحرك مثل الدوائر المتسعة. تبدأ بالحاكم، ثم تصل إلى مؤسسات الدولة، ثم إلى العاملين فيها، ثم إلى كل من يؤيدها أو يرفض مشروع الجماعة. وفي النهاية يمكن أن يجد مجتمع كامل نفسه موزعا على قوائم الولاء والبراء التي وضعها تنظيم لنفسه.
وهذا هو الفارق بين الاختلاف السياسي وبين تحويل السياسة إلى عقيدة. فالخلاف السياسي يسمح بأن أختلف معك وتختلف معي، وأن تؤيد نظاما وأعارضه، وأن تتغير مواقفنا مع تغير الظروف. أما عندما يدخل “الولاء والبراء” إلى هذه المساحة، فإن المختلف لا يعود مجرد خصم سياسي، وإنما يصبح شخصا يمكن أن يوضع في دائرة البراء، ثم قد تنتقل المسألة إلى التكفير، ومن التكفير إلى استباحة ما لا يجوز استباحته.
وقد ظهرت خطورة هذا المسار في قضايا عنف متعددة، عندما تحول التكفير إلى مقدمة لتبرير القتل، وامتد الأمر إلى استحلال الأموال، بل وإلى استباحة أعراض المخالفين بالسب واللعن والطعن والشماتة.
وهنا يعود الشرفاء مرة أخرى إلى القرآن، وليس إلى اجتهاد تنظيمي مضاد، فيستشهد بقوله تعالى: “ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم وإن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلا”، ويقرأ الآية باعتبارها حدا فاصلا بين البلاغ وبين الوصاية على الناس. فإذا كان الله سبحانه لم يجعل الرسول وكيلا على الناس ليحكم على صلاحهم أو شركهم، وإنما كلفه بالبلاغ، فمن باب أولى ألا يملك شخص أو جماعة أو تنظيم أن يمنح نفسه هذه السلطة.
ويستكمل الشرفاء هذا المعنى بالاستناد إلى قوله تعالى: “وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، ليؤكد أن مسؤولية الإنسان عن اختياره تظل بينه وبين خالقه، وأن وظيفة الدعوة ليست إنشاء سلطة بشرية تتولى تفتيش القلوب أو توزيع أحكام الإيمان والكفر على الناس.
وهذا المدخل مهم في مواجهة الإخوان وغيرها من الجماعات المتطرفة، لأن مواجهة التطرف لا تكون دائما بملاحقة آخر حلقة في السلسلة، بل بالعودة إلى أولها. فالقتل لا يبدأ لحظة رفع السلاح، وإنما قد يسبقه بناء فكري طويل يقنع صاحبه بأن الآخر لم يعد مثل بقية الناس، وأنه خرج من دائرة الجماعة، ثم من دائرة الولاء، وربما بعد ذلك من دائرة الدين نفسه. عندها تصبح المسافة بين الفكرة والعنف أقصر.
فالتطرف يبدأ أحيانا من التصنيف، عندما يصنف شخص باعتباره “موال للطاغوت”، ثم يصبح البراء منه واجبا، وبعد ذلك يصبح تكفيره ممكنا، ثم تأتي أدبيات أخرى لتبرر قتاله أو استباحة ماله. وهذه السلسلة ظهرت في كتابات متطرفة استندت إلى إسقاط فتاوى تاريخية مرتبطة بظروف مختلفة على الحكام العرب ومؤسسات الدولة والعاملين فيها.
ولم تتوقف النتائج عند الدم، بل امتدت إلى المال والعرض. فقد ارتبطت بعض تطبيقات هذه الأفكار باستحلال أموال من اعتبرتهم الجماعات خارج دائرتها أو “موالين”، كما ظهرت وقائع ارتبطت باستهداف أموال المسيحيين، بينما ظهر على مستوى الخطاب شكل آخر من الاستباحة تمثل في السب واللعن والطعن في أعراض المخالفين والشماتة في مقتل الضباط والجنود.
لذلك فإن ما يفعله الشرفاء في نقده لهذا الفكر هو قطع الطريق من بدايته. فهو لا يناقش فقط هل يستحق هذا الشخص وصف “الموالي” أم لا؟ ولا يسأل هل ينطبق حكم “البراء” على هذه الفئة أم تلك؟ ولكنه يطرح سؤالا أسبق: من أعطاك أصلا سلطة الحكم على عقيدة هذا الإنسان؟والإجابة هنا عند الشرفاء الحمادي، طوال الوقت واضحة، وهي لا أحد فوضه الله سبحانه وتعالى أن يتحدث نيابة عن بقية البشر.
بل يذهب الشرفاء إلى مساحة أوسع حين يستشهد بقوله تعالى: “إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد”. فالآية، وفق قراءته، تجعل الفصل النهائي بين أصحاب العقائد المختلفة لله سبحانه وتعالى، وليس لتنظيم أو جماعة أو شيخ أو مرشد.
وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجا للفكر التكفيري: إذا كان الله سبحانه يقول إنه يفصل بين هؤلاء يوم القيامة، فمن الذي منح البشر حق حسم القضية قبله في الدنيا، ثم بناء أحكام القتل والكراهية والاستباحة عليها؟
ومن هذا المنطلق يقول الشرفاء إن الله سبحانه “قد أبطل بطلانا كاملا كل الأحكام التي يسوقها البشر عن دياناتهم وإداناتهم بالشرك أو الكفر، وليست لآرائهم قيمة عند الله وعند الناس وهم الضالون الذين خالفوا آياته وضلوا عن شريعته، وسيحكم الله عليهم بما كانوا يعملون”.
إن قيمة ما يقدمه علي محمد الشرفاء الحمادي هنا لا تتوقف عند الرد على مفهوم واحد، وإنما تمتد إلى تفكيك الطريقة التي تعمل بها الجماعات المتطرفة في صناعة المفاهيم. فهذه الجماعات تبدأ بنص ديني، ثم تنتزعه من سياقه، وتضع حوله تفسيرا تنظيميا، ثم تحول التفسير إلى قاعدة، والقاعدة إلى تصنيف، والتصنيف إلى موقف من الناس، والموقف إلى سلوك. وفي كل مرحلة يصبح التنظيم أكثر حضورا، بينما تتراجع المساحة التي تركها الله للإنسان ومسؤوليته الفردية أمام خالقه.
والأخطر أن التنظيم عندما يحتكر تفسير الدين لا يعود الاختلاف معه اختلافا مع بشر، بل يصوره باعتباره اختلافا مع الدين ذاته. ومن هنا تأتي القدرة على صناعة الكراهية تجاه المخالف، لأن العضو لا يرى أمامه مواطنا يختلف معه في السياسة، وإنما شخصا جرى وضعه مسبقا داخل خانة دينية سلبية.
وهنا بالضبط يعيد الشرفاء ترتيب المسألة: التنظيم ليس الدين، والمرشد ليس وكيلا عن الله، والانتماء إلى جماعة ليس شهادة على الإيمان، والاختلاف معها ليس دليلا على الكفر، ولا يملك إنسان أن يدخل إلى قلب إنسان آخر ليقرر موقعه عند خالقه.
ومن ثم فإن تفكيك الاستخدام الإخواني لمفهوم “الولاء والبراء” لا يحتاج فقط إلى مواجهة النتائج التي ترتبت عليه، وإنما إلى إسقاط الفكرة التي سمحت بهذه النتائج من الأصل، وهي ادعاء امتلاك سلطة دينية على الآخرين.
وهذا ربما يكون أهم ما أراد علي محمد الشرفاء الحمادي قوله في مواجهته لهذا الفكر: أن الله لم يجعل بينه وبين عباده تنظيما يصنفهم، ولم يفوض جماعة لتوزع عليهم صكوك الإيمان والكفر، ولم يجعل موقف الإنسان من حاكم أو دولة أو جماعة معيارا يحكم به بشر على علاقته بخالقه.
إنها مواجهة بين فهمين مختلفين تماما: فهم يجعل الإنسان مسؤولا أمام الله عن اختياره، وفهم يريد أن يجعل التنظيم حاضرا بين الإنسان وربه. وبين الاثنين تتحدد المسافة بين الدين باعتباره هداية ورحمة ومسؤولية فردية، وبين توظيف الدين باعتباره أداة للفرز السياسي والتنظيمي.
ولذلك فإن أهم ما قدمه علي محمد الشرفاء الحمادي في مواجهته لمفهوم “الولاء والبراء” أنه لم يقدم تعريفا بديلا للمفهوم بقدر ما انتزع من الجماعة الأداة التي استخدمتها لتوظيفه، عندما أعاد الأمر كله إلى قاعدة قرآنية واضحة: “الحكم على الناس لله وحده، وليس لجماعة ولا لتنظيم ولا لبشر”.