حسابات الأطراف.. “اتفاق مكة” أمام لحظة الحقيقة

لم يكن متوقعًا أن يأتي الاختبار الأول لـ«اتفاق مكة للدفاع المشترك» بهذه السرعة أو بهذه الدرجة من التعقيد، فبعد أسابيع قليلة من توقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية الدفاع المشترك في مكة، تعرضت الرياض لتصعيد حوثي غير مسبوق مع تقدم الجماعة على الساحل الغربي لليمن وانهيار القوات الحكومية اليمينة واقترابها من باب المندب، في تطور لافت نقل الاتفاق من إطار سياسي وأمني جديد إلى سؤال عملي، وهو ماذا يفعل هذا التحالف عندما تتعرض إحدى دوله لهجمات فعلية مثلما يحدث الآن؟

الاتفاق الذي جمع ثلاث قوى ذات ثقل عسكري وسياسي مختلف، بدا في لحظة التوقيع كإشارة إلى محاولة بناء مظلة أمنية إقليمية جديدة، لكن الهجمات الحوثية على السعودية كشفت أن قيمة أي تحالف دفاعي لا تقاس فقط بحجم القوة التي يضمها، وإنما بقدرته على تحويل هذه القوة إلى قرار واضح وسريع عندما يبدأ الاختبار الحقيقي.

من التحالف على الورق إلى القرار على الأرض:

هنا تظهر الفجوة الأهم، فالهجوم على السعودية لا يختبر عدد الطائرات والصواريخ والقوات التي تملكها الدول الثلاث، وإنما يختبر آلية اتخاذ القرار، وهنا تفرض عدة أسئلة، أولها هل توجد آلية سياسية وعسكرية تسمح بتفعيل الاتفاق فورًا؟ ومن يحدد أن الهجوم يستوجب الرد الجماعي؟ وهل يكون الرد دفاعيًا داخل الأراضي السعودية أم يمتد إلى مصادر الهجوم؟

هذه الأسئلة أصبحت أكثر إلحاحًا بعد إعلان باكستان أنه لا توجد في الوقت الراهن مناقشات بشأن تحرك أو رد عسكري في إطار «حلف مكة»، رغم تصريحات سابقة تحدثت عن إمكانية تفعيل الاتفاق إذا تعرضت السعودية لهجوم، وهنا يظهر أن أصعب جزء في أي تحالف دفاعي ليس توقيع الاتفاق، وإنما بناء آلية واضحة لاستخدام القوة.

السعودية بين القوة الذاتية والمظلة الأمريكية:

الأمر لا يتوقف عند «اتفاق مكة»، لأن الرياض دخلت الأزمة وهي تحاول اختبار قدرتها على إدارة التهديد الحوثي بقدراتها الذاتية، لكن تطورات الأسابيع الأخيرة دفعت الموقف السعودي إلى مراجعة حساباته.

وبحسب موقع Axios الأمريكي، فقد أجرى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان اتصالين بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب طالب خلالهما بضربات أمريكية مباشرة ضد الحوثيين، لكن ترامب رفض توجيه ضربات أمريكية مباشرة، مع استمرار تقديم واشنطن دعمًا استخباراتيًا ومعلومات استهداف للسعودية.

وهنا تظهر مفارقة مهمة فالسعودية تمتلك قوة عسكرية كبيرة، ولديها اتفاق دفاعي مع تركيا وباكستان، وشراكة أمنية عميقة مع الولايات المتحدة، ومع ذلك يبقى السؤال: من سيستخدم القوة، ومتى، وإلى أي مدى؟

الأزمة تكشف حدود الردع أكثر مما تكشف نقص القوة:

القراءة الأهم للهجمات الحوثية ليست أن السعودية غير قادرة على صد الاعتداءات أو أن «اتفاق مكة» فشل، وإنما أن الاختبار كشف مشكلة أكثر تعقيدًا وهي أن الردع لا يعمل بمجرد امتلاك القوة، وإنما يحتاج إلى مصداقية في قرار استخدامها.

فالخصم عندما لا يعرف متى ستُستخدم القوة وكيف ستُستخدم، تظل أمامه مساحة للمناورة.، أما عندما تكون قواعد الرد واضحة وتكون تكلفة الاعتداء معروفة، يصبح الردع أكثر فاعلية حتى قبل استخدام القوة.

باكستان أمام اختبار مختلف:

تكتسب المواقف الباكستانية أهمية خاصة لأنها تكشف حساسية المعادلة، فإسلام آباد مرتبطة بعلاقات قوية مع السعودية، وفي الوقت نفسه تحاول الحفاظ على مساحة للتواصل مع إيران، وقد نقلت باكستان تحذيرًا سعوديًا إلى طهران لكبح هجمات الحوثيين، بينما أكد مسؤولون باكستانيون أن الرد العسكري ليس مطروحًا حاليًا ضمن الاتفاق.

وهذا يعني أن «اتفاق مكة» لا يعمل في بيئة ثنائية بسيطة، وإنما وسط شبكة من الحسابات الإقليمية، ما يجعل قرار الحرب أكثر تعقيدًا من مجرد تطبيق بند دفاعي.

وهنا تأتي زيارة محمد بن سلمان إلى القاهرة

في هذه اللحظة تحديدًا تأتي زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى القاهرة، في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للرياض والمنطقة، والأهمية هنا لا تكمن فقط في توقيت الزيارة، وإنما في الملفات التي تجعل القاهرة طرفًا طبيعيًا في أي نقاش حول مستقبل أمن البحر الأحمر.

فمصر ليست بعيدة عن الأزمة؛ فهي تمتلك قناة السويس، وتتحمل مباشرة تداعيات اضطراب باب المندب، كما أن أمن البحر الأحمر يمثل جزءًا من أمنها الاقتصادي والاستراتيجي. ولذلك فإن ما يحدث في باب المندب لا يهدد السعودية وحدها، وإنما يمس المصالح المصرية أيضا.

لماذا تحتاج السعودية إلى القاهرة؟

القيمة المصرية لا تختصر في إضافة قوة عسكرية جديدة إلى “حلف مكة” فلو كانت المشكلة مجرد نقص في القوة، لكان توسيع التحالف هو الحل المباشر لكن الأزمة أثبتت أن الحاجة أعمق لصياغة أمن إقليمي تجمع بين الردع وحماية الممرات البحرية وفتح مسارات لخفض التصعيد.

وهنا تمتلك مصر ثلاث أوراق في وقت واحد، موقعها عند الطرف الشمالي للبحر الأحمر، وثقلها العسكري والسياسي، وقدرتها على التحرك دبلوماسيًا مع أطراف متعددة. وهذه التركيبة تجعل القاهرة، في لحظة إعادة رسم معادلات الأمن الإقليمي، رمانة الميزان التي تستطيع أن تربط بين أمن الخليج وأمن البحر الأحمر، من دون أن تكون بالضرورة عضوًا في «اتفاق مكة».

في النهاية؛ قد يكون من المبكر إعلان نجاح أو فشل «اتفاق مكة» بسبب الهجمات الحوثية على السعودية، فالاختبار الحقيقي ليس فقط ما إذا كانت تركيا وباكستان ستدخلان حربًا إلى جانب السعودية، وإنما ما إذا كان الاتفاق قادرًا على تطوير آليات واضحة للردع والتشاور وإدارة الأزمات. فالتحالف الأقوى ليس الذي يضم أكبر عدد من الدول، وإنما الذي يعرف مسبقًا متى يتحرك، وكيف يتحرك، ومن يتخذ القرار.

د. نورهان العباسي

د. نورهان العباسي، نائب أول مدير المركز للدراسات و البحوث ورئيس برنامج دراسات السياسات العامة بالمركز. الباحثة أستاذ مساعد الصحافة والإعلام بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. حصلت على درجة الدكتوراه في الصحافة والإعلام من جامعة وستمنستر بالمملكة المتحدة. الباحثة عملت في العديد من مراكز الفكر العربية والدولية منها في مصر وقطر والمملكة المتحدة، وهي متخصصة في مجالات الاقتصاد السياسي للإعلام، وإدارة الأزمات الإعلامية، ودراسات التحولات المجتمعية في الدول العربية، هذا بالإضافة إلى قضايا المرأة والأقليات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى