نشرة “رع”.. القاهرة محور ارتكاز خرائط الأمن والطاقة في الشرق الأوسط

العدد الثاني- من 16 إلى 22 أغسطس 2026

شهدت الفترة من 16 إلى 22 أغسطس 2026، العديد من الأحداث والتطورات على الساحات المصرية والإقليمية والدولية، ويتناول العدد الثاني من نشرة رع الأسبوعية عددًا من أبرز الأحداث والتفاعلات، حيث استعرضت النشرة أبرز المستجدات على الساحة المصرية وما يرتبط بها من قضايا الأمن القومي والمشهد الداخلي، إلى جانب عدد من التطورات الإقليمية والدولية ذات التداعيات على المصالح المصرية.

وعلى الصعيد الإقليمي، ناقشت النشرة تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وتصريحات الرئيس الأمريكي حول اعتبار مضيق هرمز إقليمًا أمريكيًا والتهديد بقصف سلطنة عُمان بالتزامن مع تقدم المحادثات بين طهران ومسقط، وما يعكسه ذلك من اتساع نطاق المواجهة وتداخلها مع أمن الملاحة والوساطة الإقليمية، كما تناولت التطورات الداخلية في إثيوبيا في ضوء التحالف بين حركة فانو وجبهة تحرير تيجراي ومسار الحوار الوطني الذي يرعاه حزب الازدهار بقيادة آبي أحمد وما يرتبط به من صراع حول مستقبل نظام الحكم وتوزيع السلطة، إلى جانب انعكاسات ذلك على الخطاب الإثيوبي تجاه مصر.

وعلى المستوى الدولي، تطرقت النشرة إلى تطورات شبه الجزيرة الكورية، في ضوء توجه الولايات المتحدة إلى تقليص نطاق التدريبات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية في إطار محاولة تهيئة الظروف لاستئناف الحوار مع كوريا الشمالية بالتزامن مع تعميق بيونجيانج لعلاقاتها مع موسكو، وما يعكسه ذلك من تعقيدات أمام جهود احتواء كيم ومستقبل التوازنات الأمنية في شرق آسيا.

أولًا: مصر

القاهرة تعزز موقعها في معادلة التسوية الليبية

استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي في 19 أغسطس 2026 المشير خليفة حفتر القائد العام للجيش الوطني الليبي، بحضور رئيس المخابرات العامة المصرية الوزير حسن رشاد، ورئيس أركان الجيش الوطني الليبي  ومدير صندوق إعادة إعمار ليبيا. وتناول اللقاء تطورات الأوضاع في ليبيا، حيث أكد الرئيس السيسي موقف مصر الثابت بشأن الحفاظ على وحدة ليبيا وتوحيد مؤسساتها وإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، فيما أكد حفتر دعمه للمبادرات الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار والحفاظ على وحدة البلاد واستمرار التنسيق مع القاهرة.

تكتسب زيارة حفتر إلى القاهرة أهمية خاصة بالنظر إلى توقيتها، إذ جاءت بعد زيارة رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة إلى مصر في نهاية يوليو 2026، بما يعكس حرص القاهرة على الحفاظ على قنوات اتصال مباشرة مع الأطراف الرئيسية في شرق وغرب ليبيا، فبدلًا من التعامل مع الأزمة من خلال دعم طرف على حساب الآخر، تسعى مصر إلى تقديم نفسها كطرف قادر على التواصل مع مراكز القوة المختلفة، خاصة في ظل استمرار الانقسام المؤسسي وتعثر التوصل إلى إطار سياسي متفق عليه لإجراء الانتخابات.

ومن ناحية أخرى، فإن استقبال الدبيبة ثم حفتر خلال فترة زمنية متقاربة يشير إلى محاولة مصر لمنع تحول التوترات الأمنية الأخيرة إلى نقطة انطلاق لجولة جديدة من الصراع بين الشرق والغرب، فاستمرار الانقسام بين المؤسسات السياسية والعسكرية يجعل أي فراغ أمني أو تصعيد محلي قابلًا للتحول إلى أزمة أوسع، وهو ما ظهر خلال الفترة الماضية في سلسلة الاستهدافات الأمنية التي طالت شخصيات ومنشآت حيوية داخل ليبيا. ولذلك، فإن تحريك قنوات التواصل مع الطرفين يمنح القاهرة قدرة أكبر على متابعة التطورات والتأثير في مسارات التهدئة.

كما أن حضور خالد حفتر وقاسم حفتر إلى جانب المشير خليفة حفتر يضيف بعدًا آخر للزيارة، إذ يشير إلى أن المباحثات لم تقتصر على الملف السياسي أو العسكري وإنما امتدت إلى ترتيبات إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي، وتكتسب هذه النقطة أهمية مع انتقال ليبيا تدريجيًا من مرحلة إدارة الصراع العسكري إلى التنافس حول النفوذ الاقتصادي وإعادة بناء المؤسسات والبنية التحتية، بما يجعل ملف الإعمار أحد الأدوات الرئيسية التي يمكن من خلالها تعزيز الاستقرار وربط مصالح القوى الليبية المختلفة بمسار سياسي أكثر استدامة.

وفي المقابل، فإن نجاح القاهرة في التواصل مع الدبيبة وحفتر لا يعني بالضرورة قدرتها على تجاوز الانقسامات الليبية القائمة، فكل طرف لا يزال يمتلك حساباته الخاصة وشبكة القوى المرتبطة به، كما أن استمرار الخلاف حول القاعدة الدستورية للانتخابات وتوزيع السلطة يجعل الوصول إلى تسوية شاملة أمرًا معقدًا، إلا أن الحفاظ على مسافة متوازنة من الأطراف المختلفة يمنح مصر هامشًا أوسع للتحرك خاصة مقارنة بالدول التي ترتبط علاقاتها بصورة أوثق بأحد المعسكرين.

وعليه، يمكن النظر إلى زيارتي الدبيبة وحفتر للقاهرة باعتبارهما جزءًا من مسار مصري يهدف إلى إعادة تأكيد موقع القاهرة كأحد مراكز التواصل الرئيسية في الملف الليبي، فالهدف لا يقتصر على إدارة العلاقة مع الشرق أو الغرب وإنما يرتبط بمنع استمرار الانقسام من التحول إلى واقع دائم ودفع الأطراف المختلفة نحو توحيد المؤسسات وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات، وفي حال نجحت مصر في الحفاظ على قنواتها مع الطرفين بالتوازي مع توسيع التعاون الاقتصادي والأمني، فقد يمنحها ذلك دورًا أكبر في أي ترتيبات سياسية مقبلة، بينما يبقى نجاح هذا الدور مرهونًا بقدرة القوى الليبية نفسها على الانتقال من إدارة التوازنات المؤقتة إلى التوصل لاتفاق حول شكل الدولة ومؤسساتها المستقبلية.

زيارة كوشنر.. مصر تحافظ على مركزيتها في ترتيبات غزة

استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي في 17 أغسطس  بمدينة العلمين صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جاريد كوشنر، بحضور وزير الخارجية بدر عبد العاطي ورئيس المخابرات العامة الوزير حسن رشاد، تناول اللقاء العلاقات المصرية–الأمريكية والتطورات الإقليمية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، مع التأكيد على ضرورة التزام جميع الأطراف بتنفيذ تعهداتها بموجب اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة.

يكشف لقاء الرئيس السيسي مع جاريد كوشنر عن استمرار اعتماد الإدارة الأمريكية على القاهرة في إدارة ملف غزة، خاصة أن حضور وزير الخارجية ورئيس المخابرات العامة إلى جانب الرئيس يشير إلى أن النقاش تجاوز العلاقات الثنائية إلى الملفات السياسية والأمنية المرتبطة بمستقبل القطاع. ومن ثم، فإن تأكيد السيسي ضرورة التزام جميع الأطراف باتفاق وقف الحرب يعكس تمسك القاهرة بالحفاظ على مسار التسوية ومنع انهياره، خاصة أن أي عودة للتصعيد ستنعكس بصورة مباشرة على الأمن القومي المصري بحكم الموقع الجغرافي لقطاع غزة واتصاله بالحدود المصرية.

ومن ناحية أخرى، فإن زيارة كوشنر تعكس رغبة واشنطن في الاستفادة من شبكة الاتصالات المصرية مع الأطراف الإقليمية والفلسطينية، خاصة في ظل صعوبة إدارة ملف غزة من خلال القنوات الأمريكية–الإسرائيلية وحدها، فالقاهرة تمتلك أدوات للتأثير في ترتيبات القطاع بحكم دورها في الوساطة، وعلاقاتها مع مختلف الأطراف، ولذلك فإن الحفاظ على التنسيق معها يمنح الإدارة الأمريكية قدرة أكبر على التعامل مع المرحلة التالية لوقف الحرب، سواء فيما يتعلق بتثبيت الهدوء أو الترتيبات الأمنية والسياسية داخل القطاع.

وفي المقابل، فإن تأكيد كوشنر أن مصر تمثل شريكًا محوريًا للولايات المتحدة يعكس إدراك واشنطن أن أي ترتيبات إقليمية جديدة لن تكون قابلة للاستمرار دون مشاركة القاهرة، خاصة مع ارتباط ملف غزة بملفات أوسع تشمل أمن البحر الأحمر والحدود المصرية، كما أن القاهرة تسعى من خلال هذا التنسيق إلى ضمان ألا تقتصر الترتيبات الأمريكية المقبلة على الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية، وإنما تأخذ في الاعتبار المصالح المصرية والعربية خصوصًا ما يتعلق بمنع التهجير والحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية ودعم مسار سياسي للقضية.

وعليه، فإن اللقاء يعد مرآة لقدرة مصر على تحويل موقعها كوسيط في أزمة غزة إلى نفوذ في ترتيبات ما بعد الحرب، خاصة مع انتقال الاهتمام تدريجيًا من وقف القتال إلى شكل الإدارة والأمن وإعادة الإعمار داخل القطاع، وإذا نجحت القاهرة في الحفاظ على قنوات التنسيق مع واشنطن مع استمرار التواصل مع الأطراف الفلسطينية والعربية، إذ تظل طرفًا رئيسيًا في صياغة المرحلة التالية من الأزمة، بينما قد يؤدي تراجع هذا الدور إلى منح واشنطن وتل أبيب مساحة أكبر لتحديد شكل الترتيبات المستقبلية بصورة منفردة.

سد جوليوس نيريري.. مصر توظف التنمية لتعزيز نفوذها في حوض النيل

نيابة عن الرئيس عبدالفتاح السيسي، شارك رئيس الوزراء د. مصطفى مدبولي في 22 أغسطس 2026 مراسم افتتاح سد ومحطة جوليوس نيريري الكهرومائية بتنزانيا والذي نفذ أعماله تحالف شركات مصرية.

يعكس افتتاح سد “جوليوس نيريري” توجهًا مصريًا يقوم على دعم حق دول حوض النيل في التنمية والاستفادة من مواردها، مع التأكيد على ضرورة تحقيق التنمية بصورة متوازنة لا تلحق ضررًا بأي من دول الحوض، حيث لا تنظر القاهرة إلى التنمية في دول المنبع باعتبارها تهديدًا في حد ذاتها وإنما ترى أن إدارة الموارد المشتركة يجب أن تقوم على التعاون والتنسيق بما يحقق مصالح جميع الأطراف. ومن ثم، فإن مشاركة الشركات المصرية في تنفيذ المشروع تمثل نموذجًا عمليًا لنهج يقوم على التعاون الاقتصادي وتبادل المصالح.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في ظل استمرار الخلافات حول إدارة الموارد المائية في حوض النيل، إذ تسعى مصر إلى التأكيد على أن موقفها من المشروعات المائية في دول المنبع لا يرتبط بمقايضة الحق في التنمية، وإنما يرتبط بضرورة مراعاة مصالح دول المصب وعدم تنفيذ مشروعات يمكن أن تحقق ضرر ذي شأن على دول المصب، وهو ما يعكس معادلة تقوم على احترام حق دول المنبع في التنمية مقابل احترام حق دول المصب في الحياة والأمن المائي، ويمنح هذا الإطار القاهرة مساحة أوسع للتأكيد على أن التعاون يمكن أن يكون بديلًا عن التنافس في إدارة الموارد المشتركة.

ومن ناحية أخرى، يتيح المشروع توسيع مجالات التعاون بين مصر ودول حوض النيل خاصة في قطاعات الطاقة والبنية الأساسية، كما يمنح الشركات المصرية فرصة للمشاركة في مشروعات جديدة داخل القارة، بما يخلق مصالح اقتصادية مشتركة يمكن أن تدعم العلاقات السياسية على المدى الطويل. ولا تقتصر أهمية هذه المشروعات على العائد الاقتصادي المباشر وإنما تمتد إلى بناء شراكات قائمة على احتياجات متبادلة، بما يعزز قدرة الدول الإفريقية على تنفيذ مشروعات التنمية وتحسين مستوى الخدمات والطاقة لديها.

وعليه، فإن “جوليوس نيريري” يمثل بالنسبة لمصر نموذجًا لتوجه أوسع يقوم على التنمية المشتركة والتكامل الإقليمي في حوض النيل، وليس مجرد مشروع للطاقة أو أداة لتعزيز النفوذ؛ فالقاهرة تسعى من خلال هذا النهج إلى التأكيد على أن دول الحوض يمكنها تحقيق التنمية دون أن تتحول مواردها المشتركة إلى مصدر للصراع، وأن احترام حق كل دولة في التنمية يجب أن يتزامن مع احترام حقوق الدول الأخرى وعدم الإضرار بها، بما يفتح المجال أمام بناء علاقات مصرية إفريقية تقوم على التعاون والمصلحة والمصير المشترك.

مصر توسع شبكات تداول النفط وتعيد تشكيل خريطة الطاقة إقليميًا

تزامنًا مع أنباء دراسة إحياء مقترح خط طبرق-الإسكندرية للنفط، أوضح الدكتور محمد فريد في 21 أغسطس أن تأسيس شركة الفجيرة العلمين للنفط والغاز تمثل نموذجًا عمليًا لتحويل الموافقات الاستثمارية إلى مشروعات فعلية خلال فترة زمنية قصيرة، والاستفادة من النظم الاستثمارية المختلفة، سواء المناطق الحرة أو نظيرتها الاستثمارية.

تعكس هذه التحركات الأخيرة في قطاع الطاقة اتجاهًا نحو إعادة تشكيل خريطة الطاقة في مصر، بحيث لا يقتصر دور الدولة على تأمين احتياجات السوق المحلية وإنما يمتد إلى توظيف موقعها الجغرافي والبنية التحتية لتحويل مصر إلى مركز إقليمي لتداول ونقل وتخزين الطاقة مع تسجيل ميناء الحمراء النفطي تداول 74 مليون برميل من الزيت الخام في اعام 2024/2025.

ويأتي هذا التوجه في ظل فجوة بين الإنتاج والاستهلاك، إذ وفقًا لبيانات وحدة أبحاث الطاقة بواشنطن تجاوز الطلب على النفط في مصر مليون برميل يوميًا خلال عام 2025، بينما بلغت واردات النفط الخام ومشتقاته نحو 392 ألف برميل يوميًا مع ارتفاع واردات المنتجات النفطية إلى نحو 351 ألف برميل يوميًا، وهو ما يعكس استمرار وجود فجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك، كما تشير تقديرات حديثة إلى أن مصر تعتمد على الواردات لتغطية نحو 40% من احتياجاتها من السولار خلال فترات ارتفاع الطلب.

وبذلك تتحرك مصر في توسيع سلاسل الإمداد النفطية المصرية عبر مسارين متوازيين أولهما تأمين الإمدادات المحلية وتقليل آثار تعطل الإمدادات من النفط الكويتي عبر مضيق هرمز، وثانيهما الاستفادة من موقعها وشبكة الموانئ وخطوط الأنابيب ومرافق التخزين والتكرير وقناة السويس وخط سوميد لإدارة جزء من حركة الطاقة الإقليمية وتعزيز الاستفادة الاقتصادية من موقع مصر كجسر رابط بين أسواق الإنتاج في الشرق الأوسط من جهة وأوروبا من جهة أخرى.

ويمثل خط سوميد وقناة السويس وموانئ البحر المتوسط والبحر الأحمر الأساس الذي يمكن البناء عليه لتكوين هذه المنظومة؛ إذ تربط هذه البنية بين مناطق إنتاج النفط في الخليج وشمال أفريقيا وبين الأسواق الأوروبية، وتسمح باستقبال الخام وتخزينه ونقله وتداوله، وتزداد أهمية هذا الدور مع اضطرابات الممرات البحرية بما يجعل امتلاك مسارات بديلة ومراكز تخزين ونقل أكثر مرونة عنصرًا مهمًا في أمن إمدادات الطاقة.

وتستفيد مصر من التحول إلى مركز إقليمي للطاقة من خلال عوائد النقل والتخزين والمناولة والتكرير وإعادة التصدير إلى جانب جذب الاستثمارات وشركات تجارة الطاقة وتعظيم القيمة الاقتصادية للموانئ والمنشآت القائمة، كما يساهم تنويع مصادر الإمداد في تقليل مخاطر الاعتماد على مصدر أو مسار واحد، ويمنح مصر قدرة أكبر على التعامل مع تقلبات الأسعار والأزمات الإقليمية. وبالتالي، فإن إعادة تشكيل خريطة الطاقة المصرية لا تستهدف تحويل مصر بالضرورة إلى دولة مصدرة للنفط، وإنما إلى منصة إقليمية لإدارة وتداول الطاقة تجمع بين تأمين احتياجاتها المحلية والاستفادة اقتصاديًا واستراتيجيًا من حركة النفط والمنتجات بين الخليج وشمال أفريقيا وأوروبا.

ثانيًا: الإقليم  

مضيق هرمز يشعل فتيل حرب اقتصادية جديدة بين واشنطن وطهران

توعدت إيران في 21 أغسطس 2026 برد واسع النطاق وحاسم على أي تهديدات أمريكية جديدة، وذلك بعد إعلان وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت استعداد واشنطن لفرض أقسى العقوبات في التاريخ ضد طهران، بالتزامن مع تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض عواقب اقتصادية على أي دولة تقدم دعمًا لإيران، وأكد رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية علي عبد اللهي أن بلاده سترد على أي تهديدات جديدة باستخدام قدراتها البرية والبحرية والجوية والسيبرانية، فيما دعا رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى وضع خطط للتعامل مع العقوبات، معتبرًا أن واشنطن لم تتمكن من حسم المواجهة العسكرية المباشرة، بينما أعلن بيسنت أن تفاصيل الحزمة الجديدة من العقوبات ستُكشف في مؤتمر صحفي يوم الاثنين 24 أغسطس 2026، ويأتي ذلك بعد إعلان الإمارات في 18 أغسطس 2026 وقف جميع الأنشطة والتبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران حتى إشعار آخر، مع استمرار استهداف الملاحة الإماراتية وإطلاق صاروخين إيرانيين موجهين باتجاه المياه الإقليمية الإماراتية.

تعكس هذه التطورات انتقال المواجهة الأمريكية–الإيرانية إلى مرحلة جديدة، إذ لم يعد مضيق هرمز مجرد ساحة للصراع العسكري أو ورقة تستخدمها طهران للضغط على واشنطن، وإنما أصبح نقطة انطلاق لحرب اقتصادية تتجاوز الطرفين وتمتد إلى شبكة العلاقات التجارية والمالية الإقليمية، فبعد أن فشلت المواجهة العسكرية والاتفاقات المؤقتة السابقة في إنتاج تسوية مستقرة تضمن حرية الملاحة، تتجه الولايات المتحدة إلى نقل مركز الضغط نحو الاقتصاد الإيراني ليس فقط من خلال استهداف طهران بالعقوبات، وإنما عبر تعزيز عزلة طهران تجاريًا وماليًا، بما يحول استمرار التعامل مع إيران إلى كلفة اقتصادية وسياسية تتحملها هذه الدول أيضًا.

وفي هذا السياق، تكتسب الخطوة الإماراتية أهمية خاصة، إذ إن أبوظبي حافظت خلال فترات التوتر والعقوبات السابقة على مستوى مرتفع من العلاقات التجارية مع إيران، ما جعلها إحدى أهم القنوات التي ارتبطت بالاقتصاد الإيراني. وبالتالي، فإن وقف التبادلات التجارية والمعاملات المالية يعني أن الضغوط على طهران لم تعد تقتصر على العقوبات الأمريكية، وإنما بدأت تمتد إلى البيئة الاقتصادية الإقليمية نفسها، ويتجاوز القرار الإماراتي كونه إجراءً مرتبطًا بالتهديدات الأمنية الأخيرة، ليصبح عاملًا يمكن أن يؤثر بصورة مباشرة في قدرة إيران على الوصول إلى الأسواق والتمويل والسلع مع عدم تغير نهج طهران العدواني تجاه دولة الإمارات وعموم دول الخليج العربي.

ومن ناحية أخرى، يكشف التصعيد عن محاولة أمريكية لتغيير قواعد الصراع حول مضيق هرمز، فواشنطن تدرك أن استمرار تعطل الملاحة يمنح طهران ورقة ضغط تتجاوز حدود المواجهة العسكرية، بسبب ارتباط المضيق بأسواق النفط والطاقة والاقتصاد العالمي، ولذلك، تحاول الإدارة الأمريكية حرمان طهران من تحويل السيطرة أو التأثير في حركة الملاحة إلى مكسب سياسي، من خلال الجمع بين الضغط العسكري والحصار الاقتصادي وفرض قيود على شبكة العلاقات التي تعتمد عليها إيران. ويمكن فهم التوتر الذي طال عُمان باعتبارها وسيطًا تقليديًا بين الطرفين خاصة مع ارتباطها بالمحادثات المتعلقة بالمضيق، حيث أصبح دور الوسيط نفسه معرضًا لضغوط متزايدة كلما تعثرت التفاهمات بين واشنطن وطهران.

وفي المقابل، لا تنظر إيران إلى العقوبات باعتبارها أداة اقتصادية منفصلة عن الصراع، وإنما باعتبارها امتدادًا للمواجهة مع الولايات المتحدة، وهو ما يفسر الجمع بين التهديد بالرد العسكري والدعوة إلى وضع خطط للتعامل مع العقوبات، إذ تسعى طهران إلى إدارة آثار الضغط الاقتصادي دون تقديم تنازلات يمكن أن تفسر باعتبارها نتيجة مباشرة للحصار، كما تراهن إيران على أن استمرار اضطراب الملاحة وارتفاع تكلفة الطاقة سيجعل من الصعب على واشنطن إدارة مواجهة اقتصادية مفتوحة لفترة طويلة، خاصة إذا امتدت آثارها إلى الدول الحليفة والأسواق العالمية.

وتتمثل المشكلة الأساسية أمام واشنطن في أن نجاح استراتيجية العقوبات يعتمد على قدرتها على منع إيران من إيجاد بدائل إقليمية ودولية، فإذا التزمت دول المنطقة وعلى رأسها الإمارات بتقليص علاقاتها الاقتصادية مع طهران، ستزداد فاعلية الضغط الأمريكي بصورة واضحة، أما إذا تمكنت إيران من الحفاظ على قنوات بديلة للتجارة والتمويل، فقد تتحول العقوبات إلى جولة جديدة من حرب الاستنزاف الاقتصادي دون تحقيق الهدف السياسي المتمثل في تغيير سلوك النظام الإيراني.

وعليه، فإن مضيق هرمز يتحول تدريجيًا من ممر مائي محل صراع إلى مركز لحرب اقتصادية أوسع، تتداخل فيها العقوبات الأمريكية والرد الإيراني وأمن الملاحة والعلاقات الاقتصادية بين طهران ودول الخليج، فالمرحلة المقبلة ستحدد ما إذا كانت واشنطن قادرة على تحويل الضغط الاقتصادي إلى تسوية سياسية، أو ما إذا كانت إيران ستنجح في استخدام اضطراب أسواق الطاقة والممرات البحرية لرفع تكلفة هذا الضغط. وفي الحالتين، فإن استمرار التصعيد قد يدفع دول المنطقة إلى إعادة النظر في علاقاتها الاقتصادية مع إيران، بما يجعل نتائج الصراع الحالي تتجاوز مستقبل المضيق نفسه إلى إعادة تشكيل شبكة المصالح الاقتصادية والأمنية في الخليج.

تحالف “فانو” و”تيجراي” يربك  إثيوبيا والحوار الوطني يعزز طموحات إعادة تشكيل نظام الحكم

أعلنت حركة فانو الأمهرية في 18 أغسطس 2026 تحالفًا من قوى مسلحة، على رأسها جبهة تحرير تيجراي في مواجهة الحكومة الفيدرالية برئاسة آبي أحمد، في تطور يجمع للمرة الأولى بين أطراف كانت في صراع مباشر خلال الحرب السابقة.

لا يمكن فصل هذا التطور عن محاولة رئيس الوزراء آبي أحمد إعادة ترتيب المشهد السياسي والأمني في البلاد، فمن ناحية يمثل التقارب بين “فانو” وجبهة تحرير تيجراي تحديًا أمنيًا للحكومة، خاصة أن الطرفين يمتلكان حضورًا مسلحًا واجتماعيًا في مناطق مختلفة من شمال إثيوبيا، ومن ناحية أخرى يوفر استمرار التوتر الأمني مبررًا للحكومة للتأكيد على الحاجة إلى سلطة مركزية أكثر قدرة على التعامل مع التحديات الداخلية. ومن ثم، فإن الحوار الوطني لا يتحرك في بيئة سياسية محايدة وإنما يأتي في ظل صراع على شكل الدولة وتوزيع الصلاحيات بين المركز والأقاليم، وهو ما يجعل النتيجة مرتبطة بدرجة كبيرة بقدرة الحكومة على إشراك القوى الرافضة للمسار الحالي وعدم تحويل الحوار إلى آلية لشرعنة ترتيبات سياسية محسومة مسبقًا لصالح حزب الازدهار.

وترجع أهمية التحالف بين فانو وجبهة تحرير تيجراي إلى أنه يجمع أطرافًا كانت بينها خلافات وصدامات حادة خلال السنوات الماضية، قد يتحول التنافس فيما بينها إلى مواجهة الحكومة المركزية، وبالرغم من ذلك فإن قدرة هذا التقارب على تشكيل تهديد مباشر لسلطة آبي أحمد ستظل مرتبطة بمدى قدرته على التحول من تفاهم سياسي إلى تنسيق ميداني مستدام خاصة مع اختلاف الحسابات والمطالب بين القوى الأمهرية والتيجراي، وبالتالي فإن تأثير التحالف لا يقاس فقط بقدرته العسكرية وإنما بما يفرضه من تكلفة إضافية على الحكومة، سواء من خلال استنزاف الموارد الأمنية أو تعقيد قدرتها على فرض أي ترتيبات سياسية جديدة في الأقاليم.

وفي هذا السياق، يرتبط تصاعد الخطاب الإعلامي الإثيوبي تجاه مصر أيضًا بالحسابات الداخلية للحكومة إذ يوفر التركيز على الخلافات الخارجية خاصة قضية مياه النيل وسد النهضة، قضية سيادية يمكن توظيفها لتعزيز الالتفاف الشعبي حول السلطة في مواجهة الانقسامات الداخلية، ويشير ارتفاع حدة خطاب الحكومة الإثيوبية تجاه القاهرة إلى تزامن التصعيد الخطابي مع حاجة الحكومة إلى إبراز أجندة وطنية مشتركة، بالتوازي مع سعيها إلى مواجهة القوى المسلحة وتمرير ترتيبات سياسية تعزز موقعها داخل مؤسسات الدولة.

وعليه، فإن مستقبل المشهد الإثيوبي سيعتمد على قدرة أديس آبابا على إدارة التوازن بين إعادة صياغة النظام السياسي واحتواء التهديد الأمني دون اللجوء لتصعيد إعلامي يستهدف القفز على استحقاقات الداخل، فإذا نجحت الحكومة في إضعاف التنسيق بين فانو وجبهة تيجراي واحتواء القوى المعارضة فقد تمتلك مساحة أكبر لتمرير تعديلات تعزز مركزية القرار ودور حزب الازدهار وآبي أحمد، أما إذا تحول التحالف إلى تعاون ميداني أكثر تماسكًا فقد يفرض ذلك قيودًا أكبر على قدرة الحكومة على إعادة تشكيل النظام السياسي دون توافق أوسع. ومن ثم، فإن الحوار الوطني والتحالفات المسلحة لا يمثلان مسارين منفصلين، وإنما يعكسان صراعًا واحدًا حول مستقبل توزيع السلطة في إثيوبيا وهو ما قد يفسر لجوء الحكومة بالتوازي إلى خطاب خارجي أكثر حدة تجاه مصر كأحد أدوات إدارة الضغوط الداخلية.

ثالثًا: العالم  
احتواء كيم يقلق سول.. واشنطن تخفف الضغط العسكري وبيونجيانج تعزز شراكتها مع موسكو

أعلنت الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية في 19 أغسطس 2026 تقليص مدة ونطاق التدريبات العسكرية المشتركة إلى خمسة أيام بدلًا من 11 يومًا، بعد أمر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ويتزامن ذلك مع تأكيد كيم في 16 أغسطس تعميق العلاقات مع روسيا، في ظل استمرار التعاون بين موسكو وبيونجيانج في المجالات العسكرية والأمنية.

يعكس هذا التطور تحولًا في المقاربة الأمريكية تجاه كوريا الشمالية، إذ يبدو أن إدارة ترامب تسعى إلى اختبار إمكانية احتواء كيم من خلال تخفيف أحد أبرز مصادر التوتر مع بيونجيانج، خاصة أن المناورات الأمريكية–الكورية الجنوبية تمثل ذريعة رئيسية تستخدمها بيونج يانج لتبرير تطوير قدراتها العسكرية والنووية. ومن ناحية أخرى، فإن القرار يخدم رغبة ترامب في إعادة فتح قنوات التواصل مع كيم، خاصة مع الحديث عن إمكانية عقد لقاء جديد بينهما خلال الخريف، وهو ما يفسر تأكيد البنتاجون أن تقليص التدريبات لن يؤثر على مستوى الجاهزية العسكرية الأمريكية. وبالتالي، تحاول واشنطن تحقيق توازن بين خفض الاستفزازات العسكرية التي قد تعرقل الحوار والحفاظ في الوقت نفسه على مظلتها الدفاعية في شبه الجزيرة.

وفي المقابل، فإن هذا التوجه الأمريكي يثير مخاوف داخل كوريا الجنوبية خاصة في ظل عدم وجود مؤشرات واضحة على استعداد بيونجيانج لتقديم تنازلات مقابلة، بالتزامن مع تعميق علاقاتها مع روسيا؛ فالشراكة بين موسكو وبيونجيانج لم تعد تقتصر على التعاون السياسي، وإنما أصبحت توفر لكوريا الشمالية دعمًا عسكريًا وسياسيًا يوسع هامش حركتها في مواجهة واشنطن وسول، بينما تحصل روسيا في المقابل على شريك استراتيجي في شرق آسيا ودعم عسكري في سياق حربها مع أوكرانيا. ومن ثم، فإن محاولة واشنطن تخفيف الضغوط على الوعيم الكوري الشمالي تأتي في بيئة لم تعد فيها كوريا الشمالية معزولة بالدرجة نفسها، وهو ما قد يمنحها قدرة أكبر على التفاوض من موقع أقوى ويجعل سول أكثر حذرًا تجاه أي تنازلات أمريكية.

وترجع حساسية الموقف بالنسبة لسول إلى أن أي خفض مستمر في مستوى التدريبات قد يُفهم داخل كوريا الشمالية باعتباره مؤشرًا على استعداد واشنطن لتغيير بعض ترتيبات الردع مقابل استئناف الحوار، بينما ترى كوريا الجنوبية أن استمرار هذا المسار دون الحصول على ضمانات أمنية مقابلة يضعف تدريجيًا المظلة الأمريكية التي تعتمد عليها في مواجهة بيونجيانج. ولذلك، فإن سول تجد نفسها أمام موقف متعارض فمن ناحية تحتاج إلى دعم توجه ترامب نحو الحوار لتجنب تصعيد جديد في شبه الجزيرة، ومن ناحية أخرى تخشى أن يتحول السعي إلى احتواء كيم إلى تنازلات أمريكية أحادية الجانب خصوصًا مع استمرار تطوير القدرات النووية والصاروخية لكوريا الشمالية.

وعليه، فإن نجاح الاستراتيجية الأمريكية سيتوقف على قدرة ترامب على تحويل تقليص التدريبات إلى قدرة تفاوضية حقيقية يدفع كيم إلى العودة للحوار بدلًا من أن يصبح تنازلًا عسكريًا منفصلًا عن أي التزام من بيونجيانج،  فإذا استجابت كوريا الشمالية ووافقت على استئناف المفاوضات فقد يمثل ذلك بداية لمسار جديد لخفض التوتر، بينما قد يؤدي استمرار رفضها إلى زيادة المخاوف الكورية الجنوبية من تراجع مستوى الردع الأمريكي، وفي نفس الوقت فإن استمرار الشراكة بين بيونجيانج وموسكو سيجعل مهمة واشنطن أكثر تعقيدًا لأنه يمنح كيم بديلًا استراتيجيًا يقلل من فعالية الضغوط الأمريكية، وبذلك فإن محاولة احتواء كيم قد تفتح بابًا للحوار مع بيونجيانج لكنها في المقابل تفرض على واشنطن إقناع سول بأن الانفتاح على الشمال لن يأتي على حساب أمنها خاصة في ظل التحول المتزايد في العلاقة بين كوريا الشمالية وروسيا.

موسكو تحذر لندن.. بريطانيا تؤكد استمرار دعمها لأوكرانيا

حذرت روسيا في 18 أغسطس 2026 بريطانيا من تداعيات تزويد أوكرانيا بطائرات مسيّرة تستخدم في تنفيذ هجمات بعيدة المدى ضد أهداف داخل الأراضي الروسية، وأضافت السفارة الروسية في لندن إن تعميق المشاركة البريطانية في الصراع سيترتب عليه ثمن ستتحمل لندن مسؤوليته، فيما أكدت وزارة الدفاع البريطانية استمرار التزامها بتوفير المعدات اللازمة لأوكرانيا للدفاع عن نفسها.

يعكس التحذير الروسي تحولًا في طبيعة التعامل مع الدعم الغربي لأوكرانيا، إذ لم تعد موسكو لا لا تركز روسيا فقط على حجم المساعدات العسكرية التي تتلقاها كييف، وإنما على نوعية الأسلحة واستخدامها المباشر داخل الأراضي الروسية، فانتقال المسيّرات البريطانية من إطار الدعم العسكري المحدود إلى تنفيذ هجمات بعيدة المدى يمنح موسكو فرصة لتصوير لندن باعتبارها طرفًا أكثر انخراطًا في الحرب، خاصة أن استهداف مصافي النفط والمنشآت اللوجستية الروسية يهدف إلى إضعاف القدرات الاقتصادية والعسكرية لموسكو بعيدًا عن خطوط الجبهة.

ومن ناحية أخرى، فإن اختيار بريطانيا تحديدًا للتحذير يعكس موقعها المتقدم داخل الداعمين الأوروبيين لأوكرانيا، إذ تبنت لندن خلال الحرب سياسة أكثر استعدادًا لتزويد كييف بأسلحة وقدرات نوعية مقارنة ببعض الدول الأوروبية التي لا تزال تتحفظ على أنواع معينة من التسليح خوفًا من تجاوز الخطوط الحمراء الروسية. ولذلك، فإن الرسالة الروسية لا تستهدف بريطانيا وحدها وإنما تمثل تحذيرًا لبقية الدول الغربية من أن توسيع نطاق استخدام الأسلحة الغربية داخل الأراضي الروسية قد يؤدي إلى رفع مستوى المواجهة.

وفي المقابل، فإن صعوبة الرد الروسي المباشر على بريطانيا تضع موسكو أمام خيارات أكثر تعقيدًا، فاستهداف دولة عضو في حلف الناتو قد يفتح الباب أمام مواجهة واسعة لا تبدو روسيا مستعدة لها في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا، وبالتالي من المرجح أن تستمر موسكو في استخدام أدوات الضغط غير المباشر سواء من خلال التهديدات السياسية أو الهجمات السيبرانية أو العمليات التي تستهدف المصالح الغربية بصورة غير مباشرة، مع الاستمرار في محاولة ردع الدول الأوروبية عن تقديم أسلحة أكثر تطورًا لكييف.

وتكتسب هذه التطورات أهمية في ضوء التحول التدريجي للحرب إلى مواجهة تعتمد بصورة متزايدة على المسيّرات والهجمات بعيدة المدى، إذ لم يعد الصراع يقتصر على السيطرة على الأراضي، وإنما أصبح استهداف البنية التحتية للطاقة والإنتاج العسكري جزءًا من استراتيجية الطرفين لإضعاف قدرة الآخر على الاستمرار، ومن ثم فإن توسع بريطانيا في تزويد أوكرانيا بهذه القدرات قد يساعد كييف على تعويض جزء من ضعفها البشري والميداني، لكنه في الوقت نفسه يرفع احتمالات انتقال المواجهة إلى مستوى جديد من الاحتكاك بين روسيا والدول الأوروبية.

وعليه، فإن التهديد الروسي يعكس معضلة متزايدة أمام الغرب، فكلما احتاجت أوكرانيا إلى أسلحة أكثر تطورًا للحفاظ على قدرتها الدفاعية، زادت احتمالات استخدام هذه الأسلحة في العمق الروسي وكلما توسعت الهجمات داخل روسيا، ارتفع خطر أن تبحث موسكو عن وسائل للرد على الدول الداعمة لكييف خارج ساحة المعركة الأوكرانية. ولذلك، قد تصبح المسيّرات بعيدة المدى أحد أهم الملفات التي تحدد مستوى التصعيد بين روسيا والغرب خلال المرحلة المقبلة خاصة إذا تحول استخدامها من عمليات محدودة إلى حملة منتظمة تستهدف البنية التحتية الاستراتيجية الروسية.

سناء عوض الله

سناء عوض الله- باحثة ببرنامج دراسات السياسات العامة بالمركز. الباحثة حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية، وتعد رسالة الماجستير في دراسات الأمن الإقليمي. مهتمة بدراسة التحولات الاجتماعية والديمغرافية في منطقة الشرق الأوسط، كما أنها متابعة للشئون المصرية، خاصة التحولات الاقتصادية في السوق المصري (دراسات السوق).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى