مقايضة الاعتراف.. ما دوافع “أرض الصومال” لاستضافة وجود عسكري أمريكي-إسرائيلي؟

صرح عبد الرحمن محمد عبد الله رئيس ما يُسمى بـ”أرض الصومال” لمجلة إيكونوميست البريطانية في 23 أغسطس 2026 أن حكومة الإقليم الانفصالي مستعدة لتقديم قواعد عسكرية في مدينة بربرة الساحلية لإسرائيل والولايات المتحدة “إذا كانتا مهتمتين بذلك”، في محاولة لتوظيف موقع هرجيسا الجغرافي في إعادة صياغة مكانتها السياسية والأمنية وانتزاع الاعتراف الدولي بانفصال الإقليم من جانب واحد، عبر طرح ميناء بربرة باعتباره نقطة أساسية محتملة للوجود العسكري الأمريكي والإسرائيلي.
ويأتي ذلك في إطار الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر وخليج عدن على خريطة التجارة الدولية ونتيجة لاضطراب حركة الملاحة وتصاعد التنافس الدولي على الموانئ والمواقع الساحلية. كما يعكس التصريح محاولة من حكومة الإقليم الانفصالي لمبادلة القيمة الجيوسياسية لموقعها بمكاسب سياسية وأمنية واقتصادية وجذب اهتمام واشنطن لتوسيع دائرة الاعتراف الدولي مستفيدة من تنامي الاحتياجات الأمنية لإسرائيل والولايات المتحدة في محيط البحر الأحمر.
وتأتي مساعي الإقليم الانفصالي في ظل مجموعة من التطورات المتشابكة داخليًا وخارجيًا والتي تعزز موقف الحكومة الفيدرالية، وتتجاوز قدرة “أرض الصومال” على التحكم فيها، لعل أهمها رفض مقديشو أي وجود عسكري في الإقليم دون اتفاق مع الحكومة الفيدرالية، بالإضافة إلى ردود الفعل الإقليمية والتي قد ترى في الوجود العسكري في الميناء إخلالًا بتوازن القوى في منطقة البحر الأحمر، كما يمثل التهديد الحوثي العامل الأبرز في سياق التنافس على الموانئ وتغيير خريطة المواجهات في المنطقة.
وتأسيسًا على ما سبق، يسعى هذا التحليل للتعرف على دوافع طرح “أرض الصومال” استضافة قواعد أجنبية في هذا التوقيت.
مقايضة الاعتراف
أعاد إقليم “أرض الصومال” الترحيب باستضافة قواعد عسكرية أمريكية وإسرائيلية، خلال تصريحات لعبد الرحمن محمد رئيس الإقليم الانفصالي لمجلة إيكونوميست في 23 أغسطس 2026، في ظل تصاعد التوترات في منطقة البحر الأحمر وتزايد حدة المنافسة على النفوذ في المواقع الساحلية والموانئ البحرية بالمنطقة، إذ تزامن مع الحرب الإسرائيلية على غزة والحرب الإيرانية الأمريكية اضطرابات واسعة في حركة الملاحة الدولية جراء الهجمات التي تعرضت لها السفن- في محاولة لاستخدام الملاحة كعامل ضغط- كما أصبحت القدرة على مراقبة باب المندب وتأمين طرق الملاحة والتعامل مع التهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة جزءًا من الحسابات العسكرية للقوى الدولية، مما ساهم في تزايد الأهمية الاستراتيجية للمواقع المطلة على خليج عدن والبحر الأحمر وخاصًة ميناء بربرة التي يتمتع بموقع استراتيجي على البحر الأحمر يمكنها من الربط بين البحر الأحمر والمحيط الهندي، بالإضافة إلى إمكانية استخدامه كمنصة مراقبة واستهداف للحوثيين نظرًا لموقعه القريب من مسرح العمليات الحوثي.
كما عملت حكومة الإقليم الانفصالي على توظيف موقعه الجغرافي في مواجهة أزمة محدودية الاعتراف الدولي أحادي الجانب، فعلى الرغم من وجود مؤسسات سياسية وأمنية أكثر استقرارًا من الصومال الفيدرالي إلا أن الدعم الإقليمي والعربي لوحدة الصومال واستعادة مقديشو حضورها السياسي والأمني ظل قائمًا في مواجهة مساعي الانفصال أحادي الجانب، ولذلك اتجهت قيادة الإقليم لتوظيف الموقع الجغرافي في تعزيز ارتباطها بالسياق الجيوسياسي لصراع القوى الكبرى على النفوذ بمنطقة القرن الإفريقي، وفي مقدمتها الموانئ والاستثمارات والعلاقات الأمنية بما يسمح بربط قضية الانفصال بمصالح دولية مباشرة وليست مجرد نزاع قانوني وسياسي مع مقديشو.
وتختلف دوافع استضافة الوجود الإسرائيلي نسبيًا عن دوافع الوجود الأمريكي، فإسرائيل تنظر إلى منطقة البحر الأحمر باعتبارها جزءًا من محيطها الأمني الممتد، خاصة في ظل استمرار التهديد الحوثي، ولذلك يمكن أن يوفر موقع بربرة إمكانيات هامة في مجالات المراقبة والاستطلاع والدعم اللوجستي وحماية خطوط الملاحة، كما يمنح إسرائيل قدرة على متابعة التطورات في اليمن والقرن الإفريقي من موقع قريب نسبيًا من مسرح الأحداث، وهو ما يجعل التعاون الأمني مع “أرض الصومال” ذا قيمة بالنسبة لتل أبيب.
ومن ناحية أخرى؛ يسعى عبد الرحمن محمد إلى تعظيم قيمة ميناء بربرة اقتصاديًا وسياسيًا من خلال محاولة الاستفادة من طموحات إثيوبيا في المنفذ البحري، وهو ما يجعل بربرة جزءًا من معادلة أوسع تتعلق بإعادة توزيع طرق التجارة في القرن الإفريقي، وبالتالي محاولة إقناع القوى الكبرى بأن الاعتراف بـ”أرض الصومال” يمكن أن ينتج عنه مكاسب ملموسة في الأمن والتجارة والملاحة.
ومن ثم؛ فإن دلالة التوقيت لا تقتصر فقط على ارتفاع مستوى التهديدات في البحر الأحمر وإنما ترتبط أيضًا بمحاولة “هرجيسا” استغلال الصراعات الإقليمية الدائرة لإعادة التموضع في معادلات الإقليم، بحيث يصبح موقعها الجغرافي نقطة تفاوضية يمكن استخدامها للحصول على اعتراف ودعم سياسي.
التفاف مأزوم
يدلل طرح الإقليم الانفصالي استضافة وجود عسكري أمريكي أو إسرائيلي في بربرة على مجموعة من المؤشرات الداخلية والخارجية التي تُعيق مسألة الانفصال أحادي الجانب وتوسيع الاعتراف به:
أولاً: المؤشرات الخارجية
يشكل رد الفعل الإقليمي محددًا رئيسيًا في مستقبل القواعد العسكرية في “هرجيسا”، إذ يقع الإقليم الانفصالي داخل بيئة جيوسياسية تتشابك فيها مصالح تركيا وإثيوبيا وجيبوتي ومصر ودول الخليج العربي بالإضافة إلى الولايات المتحدة والصين وإسرائيل، ومن ثم فإن وجود قواعد إسرائيلية أو أمريكية قد ينظر إليها باعتباره محاولة لإعادة توزيع الأدوار الأمنية وتغيير ميزان القوى في خليج عدن، مما قد ينجم عنه زيادة الوجود العسكري في المنطقة أو الانخراط في ترتيبات وتحالفات مضادة.
ولذلك فإن وجود قاعدة إسرائيلية أو أمريكية في بربرة سيعيد توزيع الأدوار الأمنية على الضفة الجنوبية لخليج عدن، وقد يُنظر إليه من بعض الأطراف باعتباره محاولة لتغيير ميزان القوى القائم، وهو ما قد يدفع إلى بناء ترتيبات مضادة أو زيادة الوجود العسكري والأمني في المنطقة.
وفي هذا الإطار تبرز جيبوتي باعتبارها الدولة الأكثر ارتباطًا بالتحول المحتمل، فقد استطاعت خلال السنوات الماضية استثمار موقعها الجغرافي في استضافة عدد كبير من القواعد الأجنبية وتحولت إلى مركز عسكري دولي يوفر للولايات المتحدة والصين وفرنسا واليابان وإيطاليا وغيرها إمكانية الوصول إلى البحر الأحمر وخليج عدن، ولذلك فإن انتقال جزء من الوظيفة العسكرية إلى بربرة قد يمثل تحديًا لمكانتها خاصة إذا ارتبط ذلك بتوسع النفوذ الأمريكي، وهو ما قد يدفع جيبوتي إلى إعادة تقييم ترتيباتها الأمنية وعلاقاتها مع القوى الكبرى.
أما إثيوبيا؛ فمع الأهمية التي يشكلها الميناء بالنسبة لها كمنفذ سيادي بحري بديل عن جيبوتي، فإن ارتبط الوصول للميناء بترتيبات عسكرية إسرائيلية أو أمريكية يعزز حضورها في معادلة البحر الأحمر ويعزز الارتباط الوظيفي بينها وبين أحد أطراف الصراع الإقليمي، خاصة بالنظر لسجل إثيوبيا في عمليات حفظ السلام الأممية والإفريقية في القرن الإفريقي والتي غالبًا ما تستغلها لتعزيز نفوذها الإقليم وتوطيد مصالحها مع القوى الدولية المنخرطة في شرق إفريقيا والبحر الأحمر.
ومن ناحية أخرى؛ يفرض التهديد الحوثي تحديًا مباشرًا لطبيعة الوجود الإسرائيلي والأمريكي المحتمل، ورغم أن القرب الجغرافي من اليمن قد يمنح بربرة أهمية عسكرية كبيرة، إلا أنه في الوقت نفسه قد يجعلها عرضة أكثر للهجمات الصاروخية أو بالطائرات المسيرة من الحوثيين، وبالتالي فإن وجود أي قاعدة أمريكية أو إسرائيلية دائمة قد يستدعي زيادة حجم القوات ونشر منظومات دفاعية متقدمة وتوسيع نطاق الحماية البحرية والجوية، وهو ما قد يؤدي تدريجيًا إلى عسكرة الإقليم بدرجة أكبر مما كانت تخطط له “هرجيسا”.
ثانيًا: العوامل الداخلية
تمثل المسألة القانونية والسيادية التحدي الأبرز أمام تحويل عرض “أرض الصومال” من مجرد ترحيب إلى قاعدة عسكرية فعلية، إذ تستند حكومة الصومال الفيدرالي إلى الاعتراف الدولي بوحدة الأراضي الصومالية لرفض أي اتفاقيات عسكرية تبرمها “هرجيسا”.
كما أن الوجود العسكري الأجنبي في “أرض الصومال” يقوض من سردية الإقليم الانفصالي من نزاع سياسي حول “تقرير المصير” إلى توظيف ملف الانفصال في المنافسة الجيوسياسية بالبحر الأحمر.
وفي هذا السياق، لا يمكن لواشنطن تحمل الكلفة السياسية الكاملة لإقامة قاعدة عسكرية رسمية في الإقليم، حيث قد تنظر مقديشو إلى ذلك باعتباره موقف سياسي باتجاه الاعتراف، مما يضعف علاقتها بالحكومة الفيدرالية الصومالية التي لا تزال واشنطن تعتمد عليها في مكافحة “حركة الشباب” الإرهابية. وبالتالي، فإن المصالح الأمريكية قد تدفع إلى استخدام بربرة دون الاعتراف الكامل بالتغيير السياسي الذي تسعى إليه “هرجيسا”، وهو ما يعني أن التسهيلات العسكرية قد تكون أكثر فائدة لواشنطن من القاعدة الدائمة.
وتعتبر الحسابات المتعلقة بالاستقطاب السياسي والمجتمعي من أبرز التحديات الداخلية التي قد تعرقل مساعي الإقليم الانفصالي لاستضافة قوات أجنبية، إذ فشلت “حكومة هرجيسا” في تقديم الاستضافة باعتبارها جزءًا من استراتيجية الحصول على الاعتراف الدولي وليست تنازلًا عن “السيادة” المزعومة لصالح قوى أجنبية، فقد تستغل الجماعات المسلحة والمعارضة هذه الاستضافة في توسيع خطابها ضد حكومة الإقليم الانفصالي، مما يخلق بيئة أكثر عرضة للتوتر ويؤثر على صورة الاستقرار التي تعتمد عليها “هرجيسا” في تقديم نفسها للمجتمع الدولي. كما برزت مؤخرًا تحديات توسيع مساعي الانفصال على استقرار الإقليم مع ولادة إقليم شمال شرق الصومال منتصف العام الماضي وانشقاق وحدة عسكرية من أبناء مناطق الولاية الجديدة في سول وسناغ وتوغدير عن قوات “أرض الصومال” وانضمامها إلى الجيش الفيدرالي بعدما شهدت لاسعنود اضطرابات عنيفة خلال الأعوام الماضية أدت لطرد قوات الإقليم الانفصالي في فبراير 2023 رفضًا للانفصال عن مقديشو.
ومن ناحية أخرى؛ قد يؤدي التوسع في عسكرة بربرة إلى التأثير في الوظيفة الاقتصادية للميناء، إذ إن تحويله إلى نقطة ارتكاز عسكرية قد يزيد من أهميته الاستراتيجية، لكنه قد يضر كذلك بصورة الميناء باعتباره مركزًا تجاريًا ولوجستيًا، خاصة إذا أصبح مرتبطًا بالمناوشات بين إسرائيل والحوثيين أو بالتنافس الأمريكي–الصيني، وهو ما ينتج مفاضلة بين المكاسب الاقتصادية الناتجة عن زيادة الاستثمارات والبنية التحتية وبين مخاطر فقدان جزء من جاذبية الميناء التجارية.
وعليه؛ فإن قدرة أرض الصومال على استضافة قواعد عسكرية لا تتحدد فقط بامتلاكها الساحل أو المنشآت المناسبة، وإنما بمدى قدرتها على إدارة المصالح التي ستنجم عنها.
وختامًا، تكشف محاولة “أرض الصومال” توظيف بربرة لاستضافة قواعد أمريكية وإسرائيلية عن توجه نحو استثمار موقعها الجغرافي لتعزيز أهميتها الدولية وربط هذه الأهمية بمساعيها للحصول على دعم سياسي واقتصادي، وتعزيز الانفصال أحادي الجانب على الصعيد الدولي، خاصة في ظل تزايد أهمية البحر الأحمر وخليج عدن أمنيًا.
ومع ذلك؛ يواجه هذا العرض مجموعة من التحديات الأمنية والسياسية، في مقدمتها رفض مقديشو وحساسية الموقف الأمريكي تجاه حلفائها الإقليميين، إلى جانب احتمالات تعرض الإقليم لضغوط أو تهديدات نتيجة انخراطه بصورة أكبر في تنافس القوى الإقليمية والدولية. وعليه، فقد يمثل توسيع التعاون الأمني والتسهيلات اللوجستية قد يكون حلًا آمنًا لواشنطن من الانتقال إلى إنشاء قواعد عسكرية دائمة دون توافق مع الحلفاء الإقليميين أو تغيير في سياستها القائمة تجاه المنطقة.