تفاوت الاستهداف: قراءة في دلالات أرقام الهجمات الإيرانية على دول الخليج

تكشف الأرقام المتداولة التي تشير إلى أن إجمالي حصيلة الهجمات الإيرانية بالصواريخ والمسيرات على الدول العربية بالإضافة إلى إسرائيل بنحو 5676 هجمة منذ ٢٨ فبراير،- عن نمط استهداف غير متوازن، يعكس أولويات العمليات العسكرية الإيرانية وطبيعة التهديدات التي تراها طهران في المنطقة.

وفقا لما نشرته بعض وسائل الإعلام المعتمدة على بيانات رسمية لبعض الدول العربية ومعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، فإن حصيلة الهجمات الإيرانية على دولة الإمارات العربية المتحدة بلغت ٢١٥٦ هجمة، وعلى المملكة العربية السعودية بلغت ٦٩٣، وعلى دولة الكويت بلغت ٧٧٠ هجمة، كما بلغ عدد الهجمات على البحرين ٤٢٩ هجمة، وعلى قطر ٢٧١، وعلى عمان ١٧ هجمة. أما عدد الهجمات الإيرانية على إسرائيل فقد بلغت ٩٢٠ هجمة.

وعليه، يمكن التأكيد على أن قراءة الأرقام السابقة تشير إلى أن إجمالي عدد الهجمات التي نفذتها إيران على المناطق المستهدفة بلغ ٥٦٧٦ هجمة في حين بلغ عدد الهجمات على دول الخليج وحدها ٤٥١٦ هجمة، احتلت فيها الإمارات المرتبة الأولى بنسبة ٤٧.٧ بالمائة تلتها دولة الكويت ثم السعودية بنسبة ١٥.٦ بالمائة ثم البحرين بنسبة ٩.٤ بالمائة ثم قطر بنسبة ٦ بالمائة والأخير جاءت عمان بنسبة ٣٧ من مائة بالمائة.

تحليل ما سبق من أرقام ونسب، يشير إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة وحدها تستحوذ على 37.9% من إجمالي الهجمات، وهو ما يعني أن أكثر من ثلث الضربات الإيرانية تركزت على هدف واحد، وهو مؤشر لا يمكن تفسيره فقط بعوامل جغرافية، بل يرتبط بمكانة الدولة المستهدفة في معادلة الردع والدفاع الجوي والتحالفات الإقليمية.

مقارنة كلية:

بمقارنة نسب الهجمات من قبل إيران على جميع الدول المستهدفة، الدول العربية بالإضافة إلى إسرائيل، يمكن التأكيد على ما يلي:

(*) فارق واضح: عند النظر إلى توزيع الهجمات على كامل مسرح العمليات، يتضح أن الفارق بين الإمارات وأقرب منافسيها كبير نسبياً، حيث جاءت إسرائيل في المرتبة الثانية بنسبة 16.2% فقط، أي أن الفجوة بين المركزين الأول والثاني تجاوزت 21 نقطة مئوية، وهو فارق يعادل تقريباً حجم الهجمات على دولتين متوسطتي الاستهداف مجتمعتين.

(*) هدف أكثر كثافة: تكشف المقارنة أن مجموع نسب الهجمات على الكويت والسعودية معاً يبلغ نحو 25.7%، وهو أقل من نسبة الهجمات على الإمارات وحدها، ما يعزز فكرة أن الإمارات كانت الهدف الأكثر كثافة في العمليات، وليس مجرد هدف ضمن مجموعة متقاربة من حيث مستوى التهديد.

(*) نمط عملياتي مركز: من زاوية أخرى، فإن الدول الأربع الأقل استهدافاً، وهي قطر والأردن والبحرين وعُمان، لا تتجاوز مجتمعة نحو 18–19% من إجمالي الهجمات، وهو رقم يقترب من نصف نسبة استهداف الإمارات وحدها، ما يعكس تركزاً شديداً في نمط العمليات.

وبالتالي، فإن ترتيب الدول من حيث الكثافة النسبية للهجمات لا يعكس فقط توزيعاً جغرافياً، بل يعكس ما يمكن تسميته بمركز الثقل العملياتي في الاستراتيجية الإيرانية خلال هذه المرحلة.

معادلة خليجية:

بمقارنة نسب الهجمات على دول الخليج وحدها، يمكن الإشارة إلى ما يلي:

(&) الهدف الأكثر إلحاحاً: عند عزل مسرح العمليات الخليجي فقط، تصبح دلالات الأرقام والنسب أكثر وضوحاً. فإجمالي الهجمات على دول مجلس التعاون الخليجي بلغ 4516 هجمة، منها 2156 هجمة على الإمارات، أي ما يقارب نصف إجمالي الضربات داخل الخليج.

هذه النسبة التي تقترب من 50% (الإمارات وحدها) تعني عملياً أن كل هجمة ثانية في الخليج كانت موجهة إلى الإمارات، وهو معدل مرتفع للغاية في الحروب التقليدية أو غير التقليدية، ويشير إلى أن الإمارات كانت تمثل الهدف الأكثر إلحاحاً في حسابات العمليات الإيرانية.

(&) عبء عملياتي مضاعف: المقارنة بين الإمارات وبقية دول الخليج مجتمعة تكشف دلالة أكثر حساسية، إذ إن إجمالي الهجمات على السعودية والكويت وقطر والبحرين وعُمان بلغ نحو 2360 هجمة، وهو رقم قريب جداً من عدد الهجمات على الإمارات وحدها (2156 هجمة).

بمعنى آخر، فإن الفارق بين الإمارات وبقية دول الخليج مجتمعة لا يتجاوز بضع مئات من الهجمات، وهو ما يعزز فرضية أن الإمارات كانت تتحمل عبئاً عملياتياً يعادل تقريباً عبء خمس دول الخليج مجتمعة.

(&) تباين في كثافة الاستهداف: من زاوية نسبية، فإن الكويت، صاحبة المركز الثاني خليجياً بنسبة 17%، تعرضت لعدد هجمات يقل بنحو ثلاث مرات تقريباً عن الإمارات، بينما جاءت السعودية بنسبة 15.6%، أي أقل من نصف نسبة الإمارات تقريباً، وهو فارق يعكس تبايناً واضحاً في كثافة الاستهداف.

دلالات واضحة:

تكشف اتجاهات الهجمات الإيرانية تجاه دول الخليج عن عدد من الدلالات، يمكن توضيحها على النحو التالي:

١. اختبار مقصود: ارتفاع نسبة الهجمات على الإمارات إلى ما يقارب نصف الهجمات داخل الخليج يشير إلى استراتيجية تعتمد على الضغط المكثف على نقطة محددة، بهدف اختبار منظومات الدفاع الجوي واستنزاف قدراتها التشغيلية والمالية.

٢. اختلال التوزيع النسبي للهجمات: فقد تلاحظ عدم تقارب النسب بين الدول، خاصة الفارق الكبير بين الإمارات وبقية الدول، وهو ما يعني أن العمليات لم تكن عشوائية أو متوازنة، بل موجهة وفق أولويات استراتيجية محددة.

٣. دلالة التكلفة الدفاعية: فإذا كانت الإمارات قد تصدت لنحو نصف الهجمات داخل الخليج، فإن ذلك يعني من الناحية الحسابية أن تكلفة تشغيل منظومات الدفاع الجوي والاعتراض لديها تقترب من تكلفة بقية دول الخليج مجتمعة، وهو ما يفسر العبء المالي والعسكري المرتفع على منظومة الدفاع الإماراتية خلال هذه المرحلة.

بالتالي، يمكن القول إن الإمارات تصدرت دول الخليج من حيث كثافة الاستهداف بنسبة تقترب من 50% من إجمالي الهجمات داخل الخليج. كما أن إجمالي الضربات على دول الخليج الخمس الأخرى اقترب من عدد الضربات على الإمارات وحدها. وهو ما يعني أن الإمارات تحملت عبئاً عملياتياً ودفاعياً يعادل تقريباً عبء بقية دول الخليج مجتمعة، سواء من حيث كثافة التهديد أو تكلفة التصدي للهجمات.

وعلى ماسبق، يمكن التأكيد على أن كثافة الهجمات على دولة الإمارات مقابل محدودية الخسائر، تؤكد كفاءة منظومة الدفاع الجوي الإماراتية، وهو ما يعني وجود منظومة دفاع جوي متقدمة قادرة على الاستجابة السريعة والاعتراض الفعال.

مؤشرات أربعة:

 يعكس التصدي الإماراتي لآلاف الصواريخ والمسيرات دون وقوع خسائر ملموسة، ثلاثة مؤشرات رئيسية، هي كالتالي:

(١)- كفاءة الاعتراض والإنذار المبكر: إن نجاح الدفاعات الجوية الإماراتية في التعامل مع العدد الأكبر من الهجمات يعني أن منظومة الرصد والإنذار المبكر تعمل بكفاءة عالية، وأن زمن الاستجابة بين اكتشاف الهدف واعتراضه يقع ضمن نطاق تشغيلي متقدم، وهو ما يقلل احتمالات الاختراق أو حدوث أضرار مباشرة.

(٢)- قدرة التحمل العملياتي والاستمرارية: إن كثافة الهجمات على دولة واحدة عادة ما تهدف إلى استنزاف قدراتها الدفاعية بمرور الوقت، لكن استمرار القدرة على التصدي دون انهيار في الأداء يشير إلى وجود مخزون تشغيلي كافٍ من الصواريخ الاعتراضية، إضافة إلى بنية لوجستية قادرة على دعم العمليات الدفاعية لفترات طويلة.

(٣)- فعالية التكامل بين الأنظمة الدفاعية: إن محدودية الخسائر رغم كثافة الهجمات توحي بوجود تكامل بين أكثر من طبقة دفاعية، تشمل أنظمة اعتراض بعيدة ومتوسطة وقصيرة المدى، وهو ما يسمح بتعدد فرص الاعتراض وتقليل احتمالات فشل المنظومة في مواجهة الهجمات المتزامنة.

(٤)- نجاح القدرة على الاعتراض مقابل مستوى التهديدات: إذا كانت الإمارات قد استحوذت على ما يقارب نصف الهجمات داخل الخليج، بينما لم تسجل خسائر بشرية أو تعطلاً واسعًا في المرافق الحيوية، فإن ذلك يعني أن معدل نجاح الاعتراض كان مرتفعًا بصورة ملحوظة مقارنة بحجم التهديد.

في النهاية يمكن القول، إن زيادة عدد الهجمات على الإمارات، مقرونة بقدرة الدفاعات الجوية على التصدي لها وعدم حدوث خسائر بشرية أو لوجستية تُذكر حتى الآن، لا تعكس فقط قوة المنظومة الدفاعية، بل تشير إلى مستوى متقدم من الجاهزية العملياتية والتكامل التقني، ما يجعل التجربة الإماراتية نموذجًا واضحًا على أن كثافة التهديد لا تعني بالضرورة ارتفاع الخسائر، إذا توفرت منظومة دفاع جوي متطورة وقادرة على العمل تحت ضغط عملياتي مستمر.

د.أبو الفضل الاسناوي

المدير الأكاديمي لمركز رع للدراسات الاستراتيجية -حاصل على دكتوراه في النظم السياسية من جامعة القاهرة في موضوع الأداء البرلماني في دول الشمال الأفريقي. -حاصل على ماجستير في النظم السياسية عن موضوع النظام السياسي والحركات الإسلامية في الجزائر. -مدير تحرير مجلة السياسة الدولية بالأهرام. - أستاذ العلوم السياسية في كلية الاقتصاد والإدارة ونظم المعلومات بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا. -كاتب في العديد من المجلات العلمية وخبير مشارك في العديد من مراكز الدرسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى