اتفاق بريتوريا.. كيف يتآكل السلام في إثيوبيا؟

سناء عوض الله- باحثة في وحدة الدراسات الدولية 

شهدت الأزمة في إقليم تيجراي الإثيوبي خلال الأيام الماضية تصعيدًا سياسيًا غير مسبوق منذ توقيع اتفاق بريتوريا الذي أوقف الحرب الدموية عام 2022. فقد أعلنت جبهة تحرير شعب تيجراي (TPLF) إعادة إحياء المجلس الإقليمي السابق للحرب، وتعيين رئيس الجبهة دبرصيون جبريميكائيل رئيسًا للإقليم، في خطوة عُدت تحديًا مباشرًا لسلطة أديس أبابا، التي أعلنت بدورها تمديد فترة عمل الإدارة المؤقتة التي تم تشكيلها عقب الحرب دون إجراء انتخابات محلية. وقد دفعت هذه التطورات اتفاق بريتوريا إلى حافة الانهيار، وأدت إلى حالة من ازدواجية السلطة داخل مدينة ميكيلي، حيث توجد إدارة مؤقتة مدعومة من الحكومة الفيدرالية، في مقابل سلطة أمر واقع تقودها الجبهة، بما يعكس مؤشرًا واضحًا على تآكل أسس التسوية التي أوقف بها الاتفاق الحرب، ويعيد طرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الاستقرار السياسي في الإقليم.

كما كشفت هذه التطورات عن هشاشة اتفاق بريتوريا للسلام، الذي لم يتجاوز عمليًا كونه إطارًا لوقف الحرب، دون أن ينجح في الوصول إلى تسوية سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة. فالتصعيد الراهن لا يعكس مجرد خلاف إداري أو دستوري، بل يشير إلى انتقال الأزمة من مرحلة “السلام الهش” إلى مرحلة “إعادة إنتاج الصراع”، بما يمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد على إدارة التعدد العرقي داخل إثيوبيا والحفاظ على تماسك النظام الفيدرالي.

انطلاقًا من ذلك، يسعى هذا التحليل إلى قراءة دوافع التصعيد الراهن، واستشراف تداعياته المحتملة على المستويين الداخلي والإقليمي، فضلًا عن مناقشة السيناريوهات المحتملة لتطور الأزمة خلال المرحلة المقبلة. فهل يقود تآكل اتفاق بريتوريا إلى إعادة إشعال الحرب في تيجراي من جديد؟

دوافع التصعيد تيجراي:

يمثل التصعيد الأخير امتدادًا مباشرًا لحالة “السلام الهش” التي أعقبت توقيع اتفاق بريتوريا عام 2022. فعلى الرغم من نجاح الاتفاق في إنهاء الحرب الدموية، فإنه لم يعالج بصورة شاملة الجذور السياسية والدستورية والأمنية للأزمة. ومع مرور الوقت، تحولت بعض بنود الاتفاق من إطار لتنظيم المرحلة الانتقالية إلى مصادر جديدة للخلاف، خاصة في ظل بطء التنفيذ وتداخل الحسابات المحلية مع التوازنات الإقليمية.

ويُعد الخلاف حول إدارة المرحلة الانتقالية أحد أبرز أسباب التصعيد. فوفقًا للاتفاق، تم إنشاء إدارة مؤقتة للإقليم عقب الحرب، غير أن الخلاف برز بشأن طبيعة إدارة المرحلة الانتقالية ومدتها. فقد قامت الحكومة الفيدرالية بتمديد عمل الإدارة المؤقتة التي شُكلت بموجب اتفاق بريتوريا دون إجراء انتخابات محلية، وهو ما اعتبرته جبهة تحرير شعب تيجراي إخلالًا بروح الاتفاق، الذي كان يفترض أن يقود إلى إعادة التوازن السياسي داخل الإقليم.

كما لم تنظر الجبهة إلى قرار التمديد باعتباره مجرد إجراء إداري، بل اعتبرته محاولة لإعادة تشكيل موازين القوى داخل تيجراي على حساب القوى السياسية المحلية، ومحاولة لإضعاف الدور السياسي للجبهة، خاصة بعد قيام الحكومة الفيدرالية بإلغاء تسجيل الجبهة كحزب سياسي في مايو 2025، الأمر الذي عزز شعور الجبهة بالتهميش السياسي، وأعاد إنتاج أسباب الصراع بدلًا من احتوائها.

إلى جانب ذلك، تُعد الترتيبات الأمنية من أكثر بنود الاتفاق هشاشة وتعقيدًا. فقد نص اتفاق بريتوريا على نزع الأسلحة الثقيلة التابعة لجبهة تحرير شعب تيجراي، وإعادة دمج عناصرها داخل الجيش الإثيوبي، إلى جانب انسحاب القوات الفيدرالية من مناطق النزاع. إلا أن هذه البنود ظلت معلقة، ولم يُنفذ منها سوى أجزاء محدودة. فبينما سارت عملية الدمج بصورة بطيئة، استمرت قوات إقليم أمهرة في السيطرة على مناطق متنازع عليها مثل والقايت ورايا، كما استمر الوجود الإريتري في بعض المناطق الحدودية رغم النص على انسحابه.

وقد أدى هذا الوضع إلى خلق فراغ أمني معقد تتداخل فيه عدة قوى مسلحة، في ظل غياب سلطة أمنية موحدة قادرة على فرض الاستقرار. كما ساهم ذلك في عودة الاشتباكات المحدودة منذ عام 2025، وتصاعد استخدام الطائرات المسيّرة في بعض مناطق الإقليم، بما يعكس انتقال الأزمة من حالة “السلام الهش” إلى “التوتر المسلح منخفض الحدة”.

وفيما يتعلق بملف الأراضي المتنازع عليها، خصوصًا منطقتي والقايت ورايا، فإنهما تمثلان أحد أكثر ملفات الأزمة حساسية، ليس فقط بسبب موقعهما الجغرافي، بل لما تحملانه من أبعاد سياسية وهوياتية. فهاتان المنطقتان تقعان على تخوم الحدود مع السودان وإريتريا، وتشكلان ممرًا اقتصاديًا وزراعيًا مهمًا، ما يمنحهما أهمية استراتيجية تتجاوز الإطار المحلي.

وقد خضعت هذه المناطق لسيطرة جبهة تحرير تيجراي منذ سقوط نظام “الدرغ” عام 1991، واستمر إلحاقها إداريًا بإقليم تيجراي وفق الممارسات التي أعقبت دستور 1995. إلا أن السيطرة عليها انتقلت إلى قوات إقليم أمهرة خلال حرب 2020، ما جعل مسألة إعادة الوضع السابق أكثر تعقيدًا سياسيًا وأمنيًا.

وتفاقمت الأزمة بصورة أكبر مع التطورات السياسية والانتخابية الأخيرة، بعدما أصدر المجلس الفيدرالي الإثيوبي قرارًا بإخراج خمس دوائر انتخابية من نطاق إشراف إقليم تيجراي، وإجراء انتخابات مستقلة فيها، من بينها دوائر داخل والقايت ورايا مثل حُمرة، وآدي ريميتس، وتسلمتي، وكورم قفتا، ورايا وألاماطا. وقد اعتبرت الجبهة هذا القرار تجاوزًا لصلاحيات النظام الفيدرالي وتهديدًا لمبدأ الحكم الذاتي للأقاليم، بينما قدمته الحكومة باعتباره إجراءً انتقالياً لحين تسوية النزاع، وهو ما حوّل الملف الانتخابي نفسه إلى أحد محركات الأزمة بدلًا من أن يكون أداة لاحتوائها.

وعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي، أسهم التدهور الحاد في الأوضاع المعيشية داخل تيجراي في تغذية مناخ عدم الاستقرار. فقد خلفت الحرب دمارًا واسعًا في البنية التحتية، قُدرت تكلفته بأكثر من 20 مليار دولار، بينما ظلت جهود إعادة الإعمار محدودة وبطيئة نتيجة ضعف التمويل الحكومي وتراجع الدعم الدولي.

ورغم عودة جزئية لبعض الخدمات الأساسية عقب اتفاق بريتوريا، فإن استمرار تعطل القطاعات الصحية والتعليمية والمالية، وغياب التعافي الاقتصادي الحقيقي، خلق لدى السكان شعورًا متزايدًا بما يمكن وصفه بـ“السلام غير المكتمل”. كما ساهم استمرار أزمة النازحين، الذين تجاوز عددهم مليون نازح خلال عام 2023، في تعميق الأزمة، خاصة مع تأكيد 89% من النازحين عدم ثقتهم في عدالة الدولة الإثيوبية، وهو ما يوفر بيئة خصبة لإعادة تصاعد التوترات السياسية والأمنية.

ومما سبق يتضح أن التصعيد في تيجراي يعود بصورة أساسية إلى اختلالات تنفيذ اتفاق بريتوريا، الذي نجح في وقف الحرب دون أن ينجح في معالجة جذورها العميقة. فقد أسهم تعثر الترتيبات السياسية والأمنية، واستمرار النزاع حول الأراضي، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، في إعادة إنتاج حالة انعدام الثقة بين الأطراف. كما أن تداخل هذه العوامل مع التعقيدات الإقليمية يجعل الأزمة مرشحة لمزيد من التصعيد في ظل استمرار هشاشة السلام القائم.

تداعيات محتملة للتصعيد:

يمكن رصد مجموعة من التداعيات المحتملة لتصاعد الأزمة في إقليم تيجراي، سواء على المستوى الداخلي الإثيوبي أو على المستوى الإقليمي، وذلك على النحو التالي:

(*) التداعيات على المشهد الداخلي الإثيوبي:

ثمة تداعيات محتملة على المستوى الداخلي لتجدد أزمة إقليم تيجراي، كالتالي:

(-) تفاقم هشاشة الدولة وتآكل الاستقرار: من المرجح أن يؤدي استمرار التصعيد إلى زيادة الضغوط الإنسانية داخل الإقليم، في ظل ضعف البنية التحتية وصعوبة استعادة الخدمات الأساسية بصورة كاملة، وهو ما ينعكس على قدرة الدولة في ضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل منتظم، ويزيد من تعقيد الوضع القائم منذ اتفاق بريتوريا.

كما أن استمرار التوتر الأمني قد يؤدي إلى تعطيل سلاسل الإمداد، سواء بصورة مباشرة نتيجة العمليات العسكرية، أو بصورة غير مباشرة عبر القيود الأمنية. وقد أشارت عدة منظمات إقليمية ودولية إلى خطورة الأوضاع الإنسانية في تيجراي، ودعت إلى إعادة توجيه مسارات المساعدات عبر ميناء جيبوتي بدلًا من المرور الكامل عبر أديس أبابا.

(-) أزمة الشرعية داخل النظام الفيدرالي: من المحتمل أن يؤدي التصعيد إلى تعميق أزمة الشرعية بين المركز والأقاليم داخل إثيوبيا، خاصة مع استمرار الخلاف حول تنفيذ اتفاق بريتوريا. كما أن غياب رؤية توافقية بشأن شكل الإدارة الانتقالية يزيد من حالة الانقسام بين الحكومة الفيدرالية والفاعلين المحليين، ويضعف قدرة الدولة على إدارة النظام الفيدرالي وفرض سيطرتها على الأقاليم، وهو ما قد يشجع بعض الأقاليم الأخرى على تبني مسارات أكثر استقلالية، بما يفتح المجال أمام تعدد بؤر الصراع داخل الدولة.

(-) استنزاف قدرات الجيش الإثيوبي: من المرجح كذلك أن يؤدي استمرار التصعيد إلى استنزاف قدرات الجيش الإثيوبي، خاصة في ظل تعدد بؤر الصراع داخل الدولة. كما تشير العديد من التقديرات إلى صعوبة تحقيق حسم عسكري كامل، في ظل تنامي قدرات قوات تيجراي، التي برزت بصورة واضحة خلال حرب 2020.

إضافة إلى ذلك، هناك تقارير تحدثت عن تقديم بعض الفصائل السودانية دعمًا لمجموعات مسلحة داخل تيجراي، وهو ما قد يطيل أمد المواجهات ويحولها إلى نمط من الحروب المتفرقة منخفضة الحدة، بما يرهق مؤسسات الدولة ويؤثر على الاستقرار الداخلي الإثيوبي.

(*) التداعيات الإقليمية المحتملة:

ثمة تداعيات محتملة على المستوى الإقليمي لتجدد أزمة إقليم تيجراي، كالتالي:

(-) تصاعد التوترات مع دول الجوار: تتداخل عدة أطراف إقليمية بصورة مباشرة أو غير مباشرة في أزمة تيجراي، وهو ما قد يدفع التصعيد الحالي إلى توسيع نطاق التوتر الإقليمي. فالسودان، باعتباره دولة حدودية مع إثيوبيا، قد يتأثر بتدفق عناصر من تيجراي إلى أراضيه، سواء لأغراض اللجوء أو لاستخدام المناطق الحدودية في شن هجمات ضد أديس أبابا.

وخلال الأيام الماضية، وجهت الحكومة الإثيوبية اتهامات للسودان بدعم جبهة تيجراي، وهو ما ساهم في زيادة التوتر بين البلدين، ويرفع احتمالات انتقال التوترات عبر الحدود، خاصة في ظل الوضع الأمني الهش الذي يشهده السودان.

أما إريتريا، التي ما تزال قواتها تتمركز في بعض مناطق تيجراي، فقد لعبت دورًا غير مباشر في تأجيج الأزمة، نظرًا لحالة العداء التاريخي بينها وبين الجبهة. فالجبهة ترى أن الحكومة الإثيوبية لا تزال تستخدم الوجود الإريتري كورقة ضغط ضدها، بينما تسعى أسمرة إلى إضعاف جبهة تيجراي ومنع أي تقارب محتمل بينها وبين الحكومة الفيدرالية.

(-) احتمالات تجدد الطموح الإثيوبي البحر الأحمر، وهو ما قد يصحبه من اضطرابات مع دول الجوار: حيث تتخوف إريتريا من الطموحات الإثيوبية المرتبطة بالوصول إلى البحر الأحمر واستخدام الموانئ، وهو ما قد يدفعها إلى استغلال التصعيد الحالي لتعزيز نفوذها أو دفع الأزمة نحو مزيد من التوتر، بما قد يخلق حالة جديدة من العداء الإقليمي المعقد.

سيناريوهات محتملة:

يمكن رصد مجموعة من السيناريوهات المحتملة لتطور الأزمة خلال المرحلة المقبلة، وذلك على النحو التالي:

(-) السيناريو الأول،- الاحتواء السياسي وإعادة إحياء اتفاق بريتوريا: يفترض هذا السيناريو نجاح الضغوط الداخلية والخارجية في دفع الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيجراي إلى إعادة تفعيل اتفاق بريتوريا، والدخول في مفاوضات جديدة حول إدارة المرحلة الانتقالية. كما يقوم هذا السيناريو على إدراك الأطراف أن أي مواجهة عسكرية جديدة ستكون مرتفعة التكلفة سياسيًا وإنسانيًا.

غير أن هذا السيناريو يظل ضعيف الاحتمال، نظرًا لاعتماده على توفر إرادة سياسية مستقلة لدى الطرفين، إضافة إلى أزمة الثقة العميقة التي ما تزال تحكم العلاقة بينهما.

(-) السيناريو الثاني،- استمرار الوضع القائم: يفترض هذا السيناريو استمرار حالة “اللاسلم واللاحرب”، مع بقاء الاشتباكات المحدودة والمتقطعة من وقت إلى آخر، وهو السيناريو الأقرب للترجيح خلال المرحلة الحالية. ويقوم على استمرار الخلاف السياسي بين الحكومة الفيدرالية والجبهة، مع تعثر تنفيذ الترتيبات الأمنية وبقاء المناطق المتنازع عليها كبؤر قابلة للاشتعال في أي لحظة.

(-) السيناريو الثالث،- التصعيد العسكري والمواجهة المباشرة: يفترض هذا السيناريو أن تؤدي أي محاولة من الحكومة الفيدرالية لفرض السيطرة بالقوة، أو وقوع حدث أمني واسع داخل المناطق المتنازع عليها، إلى انزلاق الأوضاع نحو حرب شاملة، تتداخل فيها أطراف إقليمية متعددة تمتلك مصالح مباشرة في استمرار الصراع.

ويمثل هذا السيناريو أخطر الاحتمالات، بالنظر إلى ما قد يحمله من تداعيات إنسانية واقتصادية وأمنية واسعة، ليس فقط على إثيوبيا، بل على منطقة القرن الإفريقي بأكملها.

ختامًا، تكشف تطورات إقليم تيجراي أن الأزمة ما تزال تدور داخل حدود اتفاق بريتوريا، دون أن تنجح الأطراف في تحويله إلى تسوية سياسية مستدامة، في ظل استمرار التباين بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيجراي، وعودة مظاهر الازدواجية في السلطة داخل الإقليم.

وفي هذا السياق، يظل تعثر ملفات المرحلة الانتقالية، واستمرار النزاع حول الأراضي المتنازع عليها، عاملين رئيسيين في إبقاء الأزمة مفتوحة على احتمالات متعددة، خاصة مع امتداد تداعياتها إلى المحيط الإقليمي، وتزايد تعقيدات المشهد الأمني والسياسي في القرن الإفريقي. فهل تنجح الأطراف الإثيوبية في احتواء الأزمة وإعادة إحياء مسار التسوية، أم أن تيجراي باتت تقف بالفعل على أعتاب جولة جديدة من الحرب؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى