تهديد متصاعد.. إلى أين وصل انتشار “هانتا” عالميًا؟

في لحظة تتصدر فيها الحرب الإيرانية وتداعياتها المشهد العالمي، وتتجه فيها الأنظار نحو التوترات المتصاعدة في مضيق هرمز واحتمالات اتساع رقعة الصراع، برز تهديد مختلف لا يعتمد على الصواريخ أو التحركات العسكرية، بل يتحرك بصمت وفي الظل. تفشٍ غامض على متن سفينة سياحية في المحيط الأطلسي أعاد فيروس “هانتا” إلى دائرة الاهتمام الدولي، بعد تسجيل ثلاث حالات وفاة وحالة إصابة مؤكدة، إلى جانب خمس حالات مشتبه بها لا تزال قيد التحقيق، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية. وبينما ينشغل العالم بأزمات السياسة والحرب والطاقة، أعادت هذه الواقعة طرح سؤال قديم يتجدد مع كل أزمة صحية مفاجئة: هل أصبحت البشرية أكثر استعدادًا لمواجهة الأوبئة، أم أن العالم لا يزال هشًا أمام تهديدات غير مرئية قد تنفجر في أي لحظة؟
بداية الأزمة:
بدأت الواقعة خلال رحلة بحرية انطلقت من الأرجنتين في طريقها إلى الرأس الأخضر، قبل أن تتحول السفينة تدريجيًا إلى بؤرة قلق صحي. ورغم محدودية عدد الإصابات المُعلنة حتى الآن، فإن طبيعة الفيروس وملابسات ظهوره داخل بيئة مغلقة مثل السفن السياحية، أثارت تساؤلات واسعة حول مصدر العدوى وآليات انتقالها، لا سيما في ظل غياب تفسير حاسم حتى اللحظة.
ويرجح خبراء الصحة عدة سيناريوهات محتملة، من بينها وجود قوارض على متن السفينة، أو إصابة بعض الركاب قبل الصعود إليها، خاصة أن فترة حضانة الفيروس قد تمتد لأسابيع. وفي المقابل، يظل سيناريو انتقال العدوى المباشر بين البشر احتمالًا نادرًا للغاية، ولا يفسر وحده نمط الانتشار الحالي، وفقًا للتقديرات العلمية المتاحة.
طبيعة الفيروس وأعراضه:
ينتمي فيروس “هانتا” إلى مجموعة من الفيروسات النادرة التي تنتقل أساسًا من القوارض إلى الإنسان، غالبًا عبر استنشاق جزيئات دقيقة ناتجة عن بول القوارض أو فضلاتها بعد جفافها. وتشير البيانات الطبية إلى أن العدوى قد تحدث أيضًا عبر لمس أسطح ملوثة ثم ملامسة الفم أو الأنف، أو من خلال العض والخدش في حالات محدودة.
واللافت أن سلالة واحدة فقط، تُعرف باسم سلالة “الأنديز” في أمريكا الجنوبية، سُجلت لها حالات انتقال محدودة بين البشر، وهو ما يجعل احتمالية انتقال العدوى البشرية المباشرة في هذا التفشي “ضعيفة للغاية”، وفق تقديرات الخبراء.
لكن تكمن خطورة فيروس “هانتا” في طبيعة تطور أعراضه؛ إذ تبدأ الإصابة غالبًا بأعراض تبدو اعتيادية، مثل الحمى والإرهاق والقشعريرة وآلام العضلات، قبل أن تتدهور الحالة خلال أيام إلى مضاعفات حادة تشمل ضيقًا شديدًا في التنفس، أو فشلًا في وظائف الكلى أو القلب أو الرئتين.
وتؤكد الإحصاءات أن فترة حضانة الفيروس تتراوح بين أسبوع وثمانية أسابيع، وهو ما يفتح الباب أمام عدة سيناريوهات محتملة لانتشاره، خاصة داخل البيئات المغلقة أو المكتظة.
حدود الانتشار والعلاج:
بحسب التقسيم الجغرافي، يتسبب فيروس “هانتا” في نوعين رئيسيين من الأمراض؛ ففي أوروبا وآسيا يؤدي إلى الإصابة بـ”الحمى النزفية المصحوبة بمتلازمة كلوية”، بنسبة وفيات تتراوح بين 5% و15%. أما في الأمريكتين، فيرتبط بـ”متلازمة هانتا الرئوية”، وهي الأخطر، حيث تصل نسبة الوفاة فيها إلى نحو 40% بين الحالات التي تتطور لديها أعراض تنفسية حادة، وفق بيانات مراكز السيطرة على الأمراض.
ورغم هذه الخطورة، لا يزال الفيروس نادرًا نسبيًا على المستوى العالمي؛ إذ تشير تقديرات حديثة إلى تسجيل ما بين 60 ألفًا و100 ألف حالة سنويًا من النوع المرتبط بالكلى، تستحوذ الصين وحدها على نحو 50% منها. وفي الولايات المتحدة، تم تسجيل 890 حالة فقط خلال الفترة الممتدة من عام 1993 حتى 2023، معظمها في الولايات الغربية، وهو ما يعكس محدودية انتشاره مقارنة بأمراض معدية أخرى.
رغم ما سبق، فإنه حتى الآن، لا يوجد علاج نوعي معتمد لفيروس “هانتا”، إذ يقتصر التعامل الطبي على تخفيف الأعراض، وتقديم السوائل، ودعم وظائف الأعضاء الحيوية بحسب تطور الحالة. لذلك، تظل الوقاية العامل الأكثر حسمًا في مواجهة الفيروس، خاصة عبر الحد من التعرض للقوارض، وتأمين المنازل وأماكن التخزين، والتعامل الآمن مع المخلفات البيئية.
كما توصي الإرشادات الصحية باستخدام المطهرات وتركها لمدة لا تقل عن خمس دقائق قبل التنظيف، لتقليل خطر انتقال العدوى عبر الهواء، خصوصًا في الأماكن المغلقة أو الملوثة.
في النهاية يُمكن القول، لا تشير الأرقام الحالية إلى تفشٍ واسع النطاق، إلا أن عودة فيروس بهذه الخصائص، وفي توقيت عالمي شديد الحساسية، تحمل دلالات تتجاوز عدد الإصابات المسجلة. فالعالم الذي يراقب الحروب والصراعات وتحولات الطاقة، قد يجد نفسه فجأة أمام تهديد صحي يتسلل بهدوء بعيدًا عن صخب السياسة. وبينما تتزايد الأزمات الدولية وتتعدد بؤر التوتر، يبقى السؤال الأهم: هل بات العالم قادرًا فعلًا على رصد المخاطر القادمة مبكرًا، أم أن أخطر التهديدات هي تلك التي تتحرك في الظل قبل أن ينتبه إليها أحد؟