الدولة المأزومة: لماذا تفشل النظم المتعاقبة في السودان في إنهاء الأزمات؟

على امتداد التاريخ السياسي للسودان منذ عام 1956، يتضح أن البلاد شهدت سلسلة متكررة من التحولات بين أنظمة عسكرية ومدنية ومراحل انتقالية، غير أن هذه التحولات لم تُترجم في الغالب إلى تغيير رئيسي في طبيعة الدولة أو في بنية الأزمات التي تواجهها. فعلى الرغم من اختلاف الخطابات السياسية وتبدّل النخب وتنوع آليات الوصول إلى السلطة، ظلت مؤشرات الاضطراب السياسي والهشاشة المؤسسية والتحديات الاقتصادية والاجتماعية حاضرة بصورة شبه دائمة، وكأنها جزء ثابت من بنية الدولة لا يتأثر بتغير الحكومات.

هذا الثبات في النتائج يدفع إلى التساؤل حول ما إذا كانت الأزمة كامنة في طبيعة الأنظمة المتعاقبة، أم في البنية العميقة التي تعمل داخلها الدولة وتعيد إنتاج الأزمات بالمنطق ذاته. فالملاحظة الأساسية هنا أن تغير الواجهة السياسية لم يكن مصحوبًا بتغيير في قواعد إدارة السلطة أو في طريقة توزيع الموارد أو في آليات صنع القرار، وهو ما جعل كل تجربة حكم تبدأ من حدود قريبة جدًا من سابقتها من حيث التحديات والاختلالات.

وانطلاقًا من ذلك، لا يمكن تفسير الأزمة السودانية فقط باعتبارها نتيجة مباشرة لسوء الإدارة أو لعدم استقرار الحكومات، بل ينبغي النظر إليها في إطار أوسع يربط بين طبيعة الدولة نفسها واستمرار الأزمات. فالدولة لم تعمل بوصفها جهازًا محايدًا قائمًا على مؤسسات مستقلة، بل كمنظومة تتداخل فيها شبكات النفوذ السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وتُعاد فيها صياغة العلاقات وفق موازين قوى متغيرة لكن داخل إطار بنيوي ثابت.

وبناءً على ذلك، فإن الفرضية التي ينطلق منها التحليل هي أن التغيير السياسي في السودان، ما لم يترافق مع إعادة تشكيل جذرية لبنية الدولة وآليات اشتغالها، يظل تغييرًا جزئيًا لا يمسّ جذور الأزمة. أي أن الانتقال بين الأنظمة، مهما كان نوعه، لا يؤدي بالضرورة إلى تحول في طبيعة الدولة، لأن المشكلة لا ترتبط فقط بمن يحكم، بل بكيفية تشكّل السلطة نفسها وكيف تُدار داخل البنية العامة للدولة.

أنماط الحكم في السودان: اختلاف الخطاب وتشابه الممارسة:

منذ استقلال السودان عام 1956، لم يعرف النظام السياسي استقرارًا طويل الأمد، بل ظل يدور في حلقة متكررة بين ثلاثة أنماط للحكم: الأنظمة العسكرية، والأنظمة المدنية، والمراحل الانتقالية. ورغم اختلاف هذه الأنماط في الخطاب السياسي وآليات الوصول إلى السلطة، فإن جوهر إدارة الدولة ظل متقاربًا، سواء في مركزية السلطة أو هشاشة المؤسسات أو عجز الدولة عن بناء عقد اجتماعي يعيد توزيع السلطة والثروة بصورة عادلة.

(*) الأنظمة العسكرية: ارتبطت الأنظمة العسكرية دائمًا بشعار الاستقرار وحماية وحدة البلاد. فمنذ حكم عبود عام 1958 مرورًا بنميري عام 1969 وصولًا إلى البشير عام 1989، قدّم الجيش نفسه الضامن الوحيد للنظام السياسي. كما اعتمدت هذه الأنظمة على السيطرة الأمنية وتوسيع نفوذ المؤسسة العسكرية داخل الاقتصاد والإدارة. غير أن هذا الاستقرار كان قائمًا على ضبط المجتمع بالقوة، مما أدى إلى تراكم الأزمات وانفجار الانتفاضات الشعبية كما في أكتوبر 1964 وأبريل 1985 وديسمبر 2018.

(*) الأنظمة المدنية: رفعت الحكومات المدنية شعار الديمقراطية والتعددية، مستندة إلى الانتخابات والبرلمان والحريات العامة. لكنها كانت قصيرة العمر، كما في الفترات 1956–1958، 1965–1969، و1986–1989، ورغم اختلاف خطابها عن الحكم العسكري، لم تنجح في إعادة بناء الدولة على أسس جديدة، إذ استمرت المركزية المفرطة والانقسامات الحزبية وضعف المؤسسات، مما جعلها عرضة للانهيار أمام التدخلات العسكرية.

(*) الأنظمة الانتقالية: ظهرت المراحل الانتقالية عقب الثورات الشعبية، مثل انتفاضة 1985 وثورة ديسمبر 2018، رافعة شعار التغيير الجذري، لكنها اتسمت بالهشاشة، إذ قامت على شراكات بين المدنيين والعسكريين، ما جعلها أنظمة هجينة تفتقر إلى أدوات سلطة مستقرة. ومع مرور الوقت، تحولت شعارات التغيير إلى تسويات محدودة انتهت بصراعات داخلية، كما في أكتوبر 2021 وما تبعه من حرب أهلية.

رغم اختلاف الشعارات، فإن الأنظمة الثلاثة اشتركت في سمات أساسية: مركزية السلطة، ضعف المؤسسات الرقابية، التهميش المزمن للأطراف، الاعتماد على شبكات النفوذ، وغياب مشروع اقتصادي يعالج جذور الأزمة. وبذلك ظلّت الدولة تُدار بالمنطق نفسه، مهما تبدلت الأنظمة، وهو ما جعل كل انتقال سياسي يعيد إنتاج الأزمة بدل تجاوزها.

استمرارية الأزمات البنيوية في السودان:

رغم تعاقب الأنظمة السودانية، فإن قراءة التجربة التاريخية تكشف أن التغيير ظل غالبًا محصورًا في شكل الحكم لا في بنية الدولة نفسها. لذلك لم تُفضِ هذه التحولات إلى تغيير جذري في طريقة معالجة المشكلات الأساسية، بل استمرت الأزمات نفسها في الظهور بأشكال مختلفة عبر الزمن.

فعلى الرغم من اختلاف الشعارات في الأنظمة المدنية، والتغيير في المراحل الانتقالية، فإن النتائج العامة مازالت متقاربة. والسبب أن كل نظام تعامل مع الأزمات باعتبارها مشكلات آنية تحتاج إدارة مؤقتة، لا اختلالات بنيوية تستوجب إصلاحًا عميقًا. وتتجلى هذه الأزمات في أربعة مستويات رئيسية:

(-) الأزمة السياسية: ضعف الاستقرار، تكرار الانقلابات، غياب توافق وطني مستدام، وصراعات مستمرة على السلطة.

(-) الأزمة الاقتصادية: تضخم مزمن، ضعف الإنتاج، تراجع الخدمات الأساسية، وتقلب الوضع المعيشي.

(-) أزمة إدارة التنوع: عجز الدولة عن دمج المكونات الاجتماعية والثقافية داخل مشروع وطني جامع، مما ساهم في توترات داخلية متكررة.

(-) أزمة المركز والأطراف: تركّز السلطة والثروة في العاصمة والمناطق المركزية، مقابل تهميش الأطراف، وهو ما أنتج حالات تمرد وصراعات مسلحة متكررة.

إلى جانب ذلك، يظهر ضعف المؤسسات كأزمة مستمرة؛ حيث لم تتطور مؤسسات مستقلة وفعّالة، بل ظل القرار السياسي مرتبطًا بالنخب والأشخاص، مما جعل الدولة عرضة للانهيار عند كل انتقال سياسي.

وبالتالي، فإن هذه الأزمات ليست طارئة، بل مستمرة، تعيد إنتاج نفسها داخل كل نظام جديد. ومن هنا يمكن القول إن المشكلة لا تكمن في تغيّر الحكومات، بل في استمرار البنية التي تُنتج الأزمات نفسها، لتظل النتائج ثابتة مهما تبدلت الوجوه أو تغيّرت الشعارات.

قيود البنية المؤسسية على التحول السياسي:

رغم كثافة التحولات السياسية في السودان، فإن هذه التحولات لم تُفضِ إلى تغيير بنيوي في طريقة اشتغال الدولة، إذ ظل التغيير محصورًا غالبًا في مستوى السلطة السياسية دون أن يمسّ قواعد إنتاجها العميقة.

(&) أولًا، يتضح أن التحول السياسي لم يُترجم إلى إصلاح هيكلي شامل. فانتقال السلطة كان يتم دون تفكيك البنية الإدارية والأمنية والاقتصادية الموروثة، ما جعل الدولة تستمر في العمل بالآليات ذاتها حتى بعد تغيّر الحكومات، الأمر الذي حدّ من إمكانية إحداث قطيعة مع الماضي.

(&) ثانيًا، تكمن المشكلة في استمرار الدولة كجهاز غير مكتمل الاستقلال عن مراكز النفوذ. فالمؤسسات لم تعمل بوصفها كيانات محايدة، بل كامتدادات لشبكات تأثير سياسية واقتصادية واجتماعية، وهو ما قيّد قدرتها على فرض قواعد مستقرة تتجاوز تبدّل الحكام.

(&) ثالثًا، يظهر خلل في آلية تداول الفاعلين السياسيين، حيث لم يؤدِ التغيير إلى إعادة تشكيل حقيقية للنخب بل اقتصر على إعادة تدويرها داخل مواقع مختلفة أو إنتاج بدائل تعمل بالمنطق نفسه في إدارة السلطة والموارد، وبهذا يصبح التغيير أقرب إلى إعادة توزيع للأدوار داخل البنية ذاتها.

(&) رابعًا، تتسم الممارسة السياسية المستمرة بطغيان المقاربة الإجرائية قصيرة المدى في إدارة الحكم، حيث تُقدَّم التسويات المرحلية كبدائل عن المعالجة البنيوية. هذا النمط جعل الأزمات تُدار عبر التهدئة المؤقتة أو إعادة التوازنات، دون الوصول إلى حلول جذرية تُغير شروط إنتاج الأزمة.

وأخيرًا، تُفهم عملية التغيير السياسي في السودان غالبًا كتبديل في السلطة لا كتغيير في منطق الدولة الحاكم. لذلك، حتى في لحظات التحول الكبرى، تظل آليات الحكم الأساسية كما هي، مما يجعل النتائج النهائية أقرب إلى الاستمرارية المقنعة منها إلى القطيعة التاريخية.

استراتيجيات عملية لإعادة بناء الدولة وتجاوز الأزمات:

تُظهر التجربة السودانية أن التغيير السياسي وحده لا يكفي لمعالجة الأزمات البنيوية المتكررة. بل إننا بحاجة إلى إصلاح مؤسسي شامل لإعادة تشكيل بنية الدولة وآليات عملها. كما يجب أن نطور المؤسسات الحكومية والإدارية بحيث تصبح مستقلة عن التأثيرات السياسية المباشرة وقادرة على اتخاذ القرارات بكفاءة وحياد.

ليتحقق ذلك، يمكن إنشاء هيئات رقابية مستقلة لتقييم الأداء الحكومي. كما يجب فصل السلطة التنفيذية عن الحسابات السياسية، واعتماد نظم متابعة وتقييم دورية للبرامج والمشروعات. من الجانب الآخر، يجب تعزيز الاستقرار من خلال معالجة أزمة المركز والأطراف وإعادة توزيع السلطة والثروة بشكل عادل، ومنح الولايات والمناطق صلاحيات أوسع في التخطيط وإدارة الميزانيات. كما يمكن ابتكار آليات شفافة لتوزيع الموارد المالية والتنموية، مما يحد من التهميش ويتيح فرصًا متكافئة للتنمية.

وأيضًا إنشاء صندوق وطني للتنمية يركز على المشاريع في المناطق المحرومة. هذا سيسهم في تخفيف التوترات الاجتماعية وتعزيز الانسجام الوطني. بالإضافة إلى ذلك، يجب تبني مشروع وطني شامل لتعزيز دمج المكونات الاجتماعية والثقافية المختلفة ضمن إطار الدولة.

على صعيد آخر، يتطلب الإصلاح تطوير النخبة السياسية والإدارية عبر برامج تدريب وتأهيل للكوادر المدنية والعسكرية، حيث يجب منع إعادة تدوير النخب نفسها دون تقييم إنجازاتها السابقة. كما يجب تشجيع مشاركة الشباب والنساء والمجتمع المدني في صنع القرار، مما يسهم في تجديد الفاعلية السياسية وتقليل الاحتكار للسلطة.

وأخيرًا، تحتاج معالجة الأزمات البنيوية إلى خطط استراتيجية طويلة الأمد تعالج القضايا الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والصحية والبنية التحتية. فيجب وضع آليات تحكيم للنزاعات بين المركز والأطراف بعيدًا عن الحلول المؤقتة أو العنف. كما يجب تطوير سياسات صارمة لمكافحة الفساد عبر تشريعات واضحة ومؤسسات رقابية مستقلة.

في المحصلة، تُظهر القراءة للتجربة السودانية أن تبدل الأنظمة لم يُنتج اختلافًا جوهريًا في مخرجات الحكم؛ حيث ظلت النتائج العامة متقاربة ومنها، أزمات سياسية متجددة، هشاشة مؤسسية، تعثر اقتصادي، واستمرار التوتر بين المركز والأطراف. وبذلك، فإن تغيير شكل السلطة لم ينعكس تحولًا في طبيعة الدولة أو في قدرتها على إنتاج استقرار طويل الأمد.

وعند إعادة طرح السؤال بصورة أكثر تحديدًا، يتضح أن الإشكالية لا ترتبط فقط بتعاقب الأنظمة، بل بغياب التحول البنيوي الذي يمس طريقة اشتغال الدولة نفسها: كيف تُدار السلطة؟ وكيف تُوزع الموارد؟ وكيف تُبنى العلاقة بين المجتمع والدولة؟ فبدون الإجابة عن هذه الأسئلة، يظل التغيير السياسي مجرد إعادة ترتيب للنتائج ذاتها داخل سياقات مختلفة.

ومن هنا، يصبح النقاش أكثر ارتباطًا بجوهر الدولة لا بأشكال الحكم، أي بالانتقال من التفكير في من يحكم إلى التفكير في كيف تُحكم البلاد.

 

ريهام السادات

ريهام السادات- رئيس برنامج التحولات الداخلية بالمركز، الباحثة حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية، متخصصة في دراسات الأمن الإقليمي والأمن المجتمعي، باحثة ماجستير بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى