د. أبوالفضل الإسناوي يكتب.. قراءة فيما جرى داخل الشركة القابضة قبل تغيير الحكومة

عندما تعود بذاكرتك إلى الستين يوما التي سبقت تغيير الحكومة الأخير، وبالتحديد إلى الأشهر الأخيرة من الفترة التي تولى فيها الدكتور سيد إسماعيل الإشراف الكامل على قطاع المرافق وإدارته، ستجد نفسك أمام مشهد إداري لم يكن عاديًا ولا يمكن اعتباره مجرد حركة تنقلات روتينية اعتادت عليها المؤسسات الحكومية الكبرى، وإنما كان أقرب إلى عملية إعادة ترتيب شاملة جرت بوتيرة متسارعة وبإيقاع بدا للكثيرين أسرع من المعتاد، وكأن هناك سباقًا مع الزمن لإعادة تشكيل خريطة القرار داخل الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي.
في تلك الفترة، استخدم الدكتور سيد إسماعيل تعبيرًا لافتًا حين تحدث عن “تباديل وتوافيق” داخل الشركة، وأشار إلى ما وصفه بـ “إصابات” في هيكلها الإداري، وهو توصيف يحمل في ظاهره رغبة في التصحيح والعلاج، لكنه في جوهره أثار تساؤلات عديدة حول طبيعة تلك الإصابات وحدودها، وهل كانت فعلًا على هذا القدر من الخطورة الذي يبرر هذا الحجم من التحركات المتلاحقة، أم أن الأمر كان جزءًا من إعادة تموضع أوسع تفرضها حسابات المرحلة الإدارية التي كانت تتشكل في الأفق.
لم يكن سرًا في ذلك التوقيت أن أحاديث كثيرة كانت تدور داخل القطاع وخارجه حول احتمالية عودة وزارة المرافق بشكل مستقل، وأن اسم الدكتور سيد إسماعيل كان حاضرًا بقوة في هذا السياق، وهي أحاديث قد يراها البعض تكهنات عابرة، لكنها في الواقع تخلق مناخًا عامًا يؤثر في سرعة القرار، وفي الرغبة في ترتيب الأوراق بما يتسق مع طموحات مرحلة محتملة، خصوصًا عندما تكون المؤسسة محل التغيير من أكبر مؤسسات البنية التحتية في الدولة وأكثرها حساسية.
وسط هذا المناخ المتسارع، برز ملف اللواء مهندس عاصم شكر باعتباره نقطة ارتكاز في المشهد، ليس فقط بسبب موقعه التنفيذي أو خبرته الطويلة في ملفات التحلية والمعالجة والمشروعات القومية، وإنما لأن ما جرى معه لم يكن تفصيلًا إداريًا بسيطًا يمكن تجاوزه، بل بدا وكأنه انعكاس مباشر لطبيعة المرحلة بأكملها، حيث تقلصت مساحات الحركة، وتبدلت بعض الصلاحيات، ووصل الأمر – بحسب ما يتردد داخل دوائر قريبة من القطاع – إلى حد تقديم استقالة، وهي خطوة لا يقدم عليها مسؤول في هذا المستوى إلا إذا شعر بأن المعادلة المهنية لم تعد متوازنة، أو أن مساحة القرار المتاحة له لم تعد تتسق مع قناعته بدوره ومسؤوليته.
اللافت أن توقيت الاستقالة جاء قبل تغيير الحكومة بفترة قصيرة، وأن عودة اللواء عاصم شكر إلى العمل تزامنت مع خروج الدكتور سيد إسماعيل من المشهد الوزاري، وهو تزامن قد يبدو للبعض محض صدفة زمنية، لكنه في عالم الإدارة الحكومية يحمل دلالات لا يمكن إغفالها، لأن تغير القيادة غالبًا ما يعيد ترتيب موازين القوى الداخلية ويكشف ما كان مستترًا من توترات أو اختلافات في الرؤية.
ليس الهدف من استعادة هذه الوقائع توجيه اتهام أو تبني رواية واحدة، وإنما محاولة قراءة مشهد إداري كثيف التشابك، تتداخل فيه الطموحات الشخصية مع ضرورات الإصلاح المؤسسي، وتتقاطع فيه الحسابات الخاصة مع اعتبارات الكفاءة والاستقرار، خصوصًا في قطاع مهم مثل الشركةالقابضةلمياهالشربوالصرفالصحي، ولا يحتمل أن يتحول إلى ساحة تجاذبات أو سباق مواقع.
وهنا، وبعد أن هدأ المشهد نسبيًا، تبقى الأسئلة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، فهل كانت الشركة القابضة بالفعل تعاني من خلل عميق استدعى هذه التغييرات المتسارعة، أم أن توصيف “الإصابات” كان أكبر من الواقع الفعلي؟ وهل كان ما جرى مع اللواء عاصم شكر مجرد اختلاف مهني طبيعي في الرؤى، أم أنه عكس حالة من التضييق أو إعادة رسم لمساحة النفوذ داخل الشركة؟ ولماذا وصلت الأمور إلى حد الاستقالة في ذلك التوقيت تحديدًا، ثم تبدلت المعادلة سريعًا عقب تغير قيادة الملف؟ وهل استفاد القطاع فعليًا من تلك التباديل، أم أن كلفة الارتباك كانت أكبر من مكاسب السرعة؟ ثم السؤال الأهم الذي يظل معلقًا في ذهن كل متابع: هل كانت تلك الأيام الستون محاولة إصلاح عاجل قبل مرحلة جديدة، أم أنها كانت معركة صامتة على شكل المرحلة المقبلة داخل واحد من أهم قطاعات الدولة؟