تبادل متنام: ما هو تأثير التعليم المدني المصري في دول جنوب شرق آسيا؟

على الرغم من تاريخية العلاقات بين مصر ودول جنوب شرق آسيا، إلا أن حجم التعاون العلمي والأكاديمي ظل محدودًا وقاصرًا على جامعة الأزهر الشريف بصفة أساسية وكليات دار العلوم حتى أوائل القرن الحادي والعشرين، إلا أن التحولات السياسية وتطلع الجانبين لتعزيز علاقات الشراكة الاستراتيجية أسهم في توسيع مظلة التعاون العلمي خارج مظلة التعليم الديني إلى عدد من المجالات العملية مثل الطب، مقابل توسع ملحوظ في عدد الدارسين المصريين بماليزيا على وجه التحديد.
تأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي فرص وحجم التعاون العلمي بين مصر ودول جنوب شرق آسيا، بالتركيز على التعاون المتنامي بين مصر وكل من إندونيسيا وماليزيا.
فرص وأشكال التعاون العلمي:
تعود العلاقات العلمية بين الجانبين إلى بداية عصر الاستقلال، حيث أسست جاكرتا مدرسة إندونيسيا بالقاهرة في 1956 لخدمة طلابها في مصر، ومنذ ذلك تواصل المدرسة أعمالها تحت مظلة المركز الثقافي الإندونيسي، ويدرس بها نحو 150 طالب وطالبة.
(*) مدارس وجامعات متبادلة: على مدار العقدين الماضيين، تنامت الراوبط العلمية بين مصر ودول جنوب شرق آسيا على صعيد توقيع بروتوكولات تعاون بين الجامعات المصرية والإندونيسية، وهو ما برز بصورة ملحوظة في عامي 2015 و2016 مع توقيع جامعة قناة السويس مذكرات تفاهم مع كل من جامعة “11 مارس” وجامعة غاجاه مادا الحكومية وجامعة سونان كاليجاكا الإسلامية الحكومية وجامعة إيرلانجا.
وفي 2024 توسع نطاق التعاون بين الجامعات المصرية والإندونيسية بتوقيع مذكرة تفاهم بين جامعة عين شمس وجامعة سونان كاليجاكا الإندونيسية لتعزيز التعاون المشترك في عقد الندوات والدورات ونشر الأبحاث الجامعية في الدوريات العلمية للجامعتين في مجال الدراسات الإسلامية واللغة العربية. كما وقعت جامعة قناة السويس اتفاقية تعاون مشترك مع جامعة والي سونجو سمارنج الإسلامية الإندونيسية في العام ذاته، شملت تبادل الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والتعاون في الأبحاث العلمية وإقامة الندوات وورش العمل المشتركة.
وجاءت جامعة دار السلام كونتور من بين الجامعات الإندونيسية التي تسعى لتعزيز الراوبط العلمية مع الجامعات المصرية؛ حيث وقعت في 2021 اتفاقية تعاون مع كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، في ضوء اعتزاز رئيس الجامعة آنذاك الراحل د. أمل فتح الله زركشي بتخرجه منها، وهو ما تعزز في الأعوام التالية بالتعاون بين الجامعة وكل من جامعات الزقازيق وعين شمس وقناة السويس. كما لعبت جامعة غاجاه مادا دورًا في التبادل الطلابي مع جامعتي عين شمس وقناة السويس، وبرزت بدرجة أقل جامعة أسيوط بتعاون علمي وتبادل طلابي مع أكاديمية علوم القرآن بماليزيا.
واتخذت العلاقات العلمية شكلًا جديدًا شمل إنشاء أفرع للجامعات المصرية في دول جنوب شرق آسيا، ضمن توجه أوسع للاستثمار في جودة التعليم المصري وتصديره للخارج، وبناء اقتصاد قائم على المعرفة؛ وهو ما تعزز بتوجه إنشاء فرع لجامعة الإسكندرية بالعاصمة الماليزية كوالالمبور وفق قرار رئيس مجلس الوزراء المصري 4777 الصادر في ديسمبر 2025.
(*) تبادل طلابي متنامٍ: يقدر حجم التبادل الطلابي بين مصر ودول جنوب شرق آسيا بالآلاف، بينما لا توجد إحصائيات دقيقة تخص التعليم الجامعي غير الأزهري في مصر، وأشارت تقديرات حكومية من الجانبين إلى أن حجم طلاب جنوب شرق آسيا في مصر يتجاوز 37 ألفًا يبلغ أعلاها طلاب ماليزيا بمعدل 17 ألف طالب في 2019، يليها إندونيسيا بنحو 15 ألفًا، وتايلاند بنحو 5 آلاف، بينما تقتصر الجاليات الأخرى مثل فيتنام والفلبين وسلطنة بروناي وسنغافورة على أعداد محدودة. وتعد علاقات التبادل العلمي والأكاديمي أكثر حيوية بين مصر وماليزيا التي تضم جالية من الطلاب المصريين قُدرت وفق القائم بأعمال سفارتها في القاهرة بنحو 4 آلاف طالب، مقابل توسع في وجهات الطلاب الماليزيين في مصر بين 7 جامعات إلى جانب الأزهر الشريف وهي الإسكندرية وعين شمس وقناة السويس والمنصورة والزقازيق والقاهرة وطنطا.
وخلافًا للجالية الطلابية الإندونيسية التي تمتلك تمثيلًا ضئيلًا في الجامعات المصرية بخلاف الأزهر الشريف، تعد كلية الطب البشري في الجامعات المصرية أكثر الوجهات التعليمية للطلاب الماليزيين الذين يتركز القسم الأكبر منهم على التعليم المدني، مما استدعى تخصيص برنامج للطلاب الماليزيين في كليات طب المنصورة وطنطا والزقازيق؛ وجاء عدد الجالية الماليزية في جامعة الإسكندرية الأعلى بين الجامعات المصرية بواقع 500 طالب وطالبة في كليات الطب البشري والصيدلة وطب الأسنان حسب تصريحات الملحق التعليمي بسفارة ماليزيا بالقاهرة في 2017. وبلغ متوسط عدد طلاب كلية الطب بجامعة القاهرة في 2014 نحو 365 طالبًا.
وعلى صعيد دفعات الخريجين، تتصدر كلية الطب جامعة المنصورة، حيث بلغ عدد خريجي الدفعة الثامنة 2018 من برنامج المنصورة-مانشستر نحو 121 طالبًا ماليزيًا، مقابل خريج واحد من سنغافورة، إلى جانب تخريج 22 طالبًا ماليزيًا من كلية طب الأسنان في ذات العام، بإجمالي 143 طالبًا. بينما بلغ عدد خريجي البرنامج الماليزي في كلية الطب البشري بجامعة طنطا في 7 دفعات من 2012 إلى 2018 نحو 500 طالب بمعدل 71 خريجًا لكل دفعة، ما يعادل متوسط عدد دفعة خريجي كلية الطب بجامعة الزقازيق من الطلاب والذي بلغ عددهم في دفعة 2015 نحو 73 ماليزيًا. ومثلت جامعة عين شمس أقل كليات الطب البشري جذبًا للطلاب الماليزيين في مصر، حيث يبلغ متوسط خريجي الطب الماليزيين فيها في 3 أعوام نحو 25 طالبًا، بينما جاءت جامعة أسيوط بتمثيل رمزي، وفق البيانات المتاحة، حيث بلغ عدد خريجي كلية طب الأسنان في 2017 نحو 7 طالبات ماليزيات. وفي المقابل يعد طلاب إندونيسيا أقل انتشارًا في الجامعات المصرية جغرافيًا وعدديًا، حيث تمثل جامعة قناة السويس أحد أبرز الوجهات التعليمية لهم، وبلغ عددهم في 2014 نحو 43 طالبًا، في إطار التعاون بين الجامعة وجامعة غاجاه مادا.
وإجمالًا؛ تظهر خريطة التعاون العلمي بين مصر ودول جنوب شرق آسيا في التعليم المدني اهتمامًا رئيسيًا باستقاء علوم اللغة العربية والدراسات الإسلامية كوسيلة لتوسيع التعاون الأفقي في مجال العلوم الإسلامية، في ظل استحواذ تلك الدول على النصيب الأكبر من الطلاب الوافدين بالأزهر الشريف، إلا أن المرحلة المقبلة قد تشهد تكاملًا تعليميًا بين الجانبين في ظل الانفتاح السياسي وتوسيع التعاون الاقتصادي بين القاهرة وكل من جاكرتا وكوالمبور بصفة أساسية وعموم دول رابطة جنوب شرق آسيا “آسيان” وتركيز السياسات التعليمية في الجانبين على الاستفادة من المزايا التنافسية لكل جانب، وهو ما يعزز دور الجامعات الماليزية على صعيد جذب فرص التعليم في المجالات التكنولوجية، مقابل فرص الجامعات المصرية في علوم اللغة العربية والدراسات الإسلامية والألسن والطب والصيدلة وغيرها من الكليات العلمية. وترتكز الميزة التنافسية للسوق المصرية والتي تمثل عوامل جذب محتملة لطلاب جنوب شرق آسيا في وجود كليات ومعاهدة لتدريس اللغات واللغة العربية على وجه التحديد، ووجود بيئة حاضنة مثل معاهد ومراكز الدراسات الإندونيسية والآسيوية والأفروآسيوية في تلك الجامعات، فضلًا عن طبيعة الاحتياج لدراسة تخصصات علمية بعينها تشهد شراكات للجامعات المصرية مع نظيراتها من الجامعات الدولية المرموقة وتخصيص برامج محددة للطلاب الماليزيين على غرار البرنامج الماليزي في كل من كلية طب المنصورة والزقازيق وطنطا. ويمثل عدد المنح المحدود تحديًا في التوسع لجذب الطلاب الآسيويين والذي يتركز في دراسات اللغة العربية والدراسات الإسلامية والمنح الزراعية الضئيلة الموجهة للفيتناميين والتايلانديين.