التوقيت ودلالاته: ما الذي حملته رسائل “السيسي” بشأن ملف سد النهضة؟

بعد سنوات من المراوغة الإثيوبية والتنصل من كافة المواثيق والإلتزامات الدولية، في محاولة منها لكسب الوقت لحين الإنتهاء من مرحلة الملء الثاني وفرض سياسة الأمر الواقع، أطلق الرئيس “عبد الفتاح السيسي” تصريحات هامة وحاسمة بشأن ملف المياه وقضية سد النهضة الإثيوبي، مؤكداً  أن المساس بمياه مصر خط أحمر وسيؤثر في استقرار المنطقة.

تأسيسا على ما سبق، ومن منطلق تأكيد الرئيس ” السيسي” على أنه ” أي تجاوز ضد حقوق مصر في مياه النيل سيتبعه رد فعل حاسم من قبل الدولة المصرية، وقد يؤثر على استقرار المنطقة ككل- يبقى السؤال، ما هي أهم الدلالات حملتها وأكدت عليها تصريحات ” الرئيس السيسي” بشأن ملف سد النهضة، ومستقبل التعامل المصري مع الموقف الإثيوبي؟.

رسائل قوية:

مثلت التصريحات التي أطلقها الرئيس “السيسي” رسائل قوية لكافة الأطراف الفاعلة في ملف سد النهضة، سواء الفواعل الإقليمية والدولية، أو بالنسبة للطرف المباشر في الأزمة والمتمثل في إثيوبيا، وتمثلت مضمون هذه الرسائل فيما يلي:

(*) بالنسبة لإثيوبيا: حمل خطاب الرئيس السيسي تأكيدات مباشراً لأديس أبابا، مفادها، هو ضرورة الكف عن سياسة التلاعب والاستفزازات التي تنتهجها، ومحاولة استهلاك الوقت لحين فرض سياسة الأمر الواقع والانتهاء من عملية الملئ الثاني. ومن ثم، يمكن القول إن تصريحات الرئيس ” السيسي” حملت رسالة صريحة بأن هذا الأمر يمثل “خط أحمر” بالنسبة للدولة المصرية، وأن القاهرة لن تقبل بأي انتهاكات تضر بحق مصر في مياه نهر النيل، ومن ثم فعلى إثيوبيا أن تستغل الفرصة الأخيرة خلال المفاوضات المرتقبة خلال الأسابيع المقبلة، وذلك للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن ملف السد.

كما انطوت كلمة الرئيس السيسي على عبارات منتقاه بدقة ورشادة، إذ أكد أن الدولة المصرية لا تتحدث كثيراً، لكنها تلجأ إلى التحرك الفعلي، خاصةً فيما يتعلق بأمنها القومي، فالرشادة والصبر الذي يميز الموقف المصري تجاه القضايا الإقليمية والدولية لا يعنى تساهلها تجاه أي تهديد محتمل. كما ألمح الرئيس السيسي إلى مسألة المسافة الطويلة بين مصر واثيوبيا، والتي تستكين إليها إثيوبيا في صعوبة أي تحرك مصري محتمل، فقد أكد ” الرئيس” على جاهزية مصر للتعامل مع أي خطر، ومن ثم فالبعد الجغرافي لا يحول دون التحرك المصري حال رغبت القاهرة في ذلك.

(*) بالنسبة للشركاء الدوليين: حملت كلمات الرئيس السيسي رسالة واضحة للقوى الدولية، مفادها التأكيد على أن مصر لا تزال مستمرة في دعم الحوار والتفاوض في ملف سد النهضة، لإيجاد حلحلة مشتركة للإزمة تحقق مصالح الدول كافة، ودون أن تلحق أي ضرر بدول نهر النيل، كما تتمسك مصر بالحصول على حقها من خلال الإطار القانوني الذي تحدده القوانين والمعاهدات الدولية، بيد أن أي تجاوز في هذا الشأن ستصبح الدولة المصرية مضطردة لحماية أمنها القومي، خاصةً وأن كافة مطالب الدولة المصرية تتسق مع القوانين والمعايير الدولية المعمول بها في قضايا المياه العابر للحدود، كما ألمح السيسي في رسالته الموجه للفواعل الدولية حجم التداعيات الخطيرة التي يمكن أن يتمخض عن السياسة الإثيوبية الراهنة، والتي تستهدف الإضرار بحقوق مصر في مياه النيل، وأن مصر جادة في إحباط أي محاولة إثيوبية لفرض الأمر الواقع، ومن ثم فهي رسالة هامة للمجتمع الدولي بضرورة الضغط على إثيوبيا لإنهاء التعنت الراهن بشأن ملف سد النهضة، أو تحمل تبعات حالة عدم الاستقرار التي ستنجم عن ذلك في المنطقة ككل.

دلالات المكان والزمان:

يمثل البعد المكاني والزماني أحد المحددات التي أبرزت أهمية التصريحات التي أطلقها الرئيس السيسي، فاختيار مكان الخطاب أمام المجرى الملاحي لقناة السويس، يعكس رسائل هامة للمجتمع الدولي، مفادها الأهمية الحيوية التي تمثلها مصر بالنسبة للنظام الدولي والإقليمي، ومن ثم فإلحاق أي ضرر بمصر سيؤثر بالتبعية على المنطقة ككل، بل وعلى النظام الدولي أجمع.

كذلك تنطوي تصريحات الرئيس السيسي على بعد آخر أكثر أهمية، يتمثل في اختيار التوقيت لهذه الرسائل الهامة، فقد عمد الرئيس إلى إطلاق كلماته في الوقت الذي يشهد تسليط الضوء العالمي على المشهد الراهن في مصر، بعد الانجاز الذي حققته الدولة المصرية في تجاوز تحدي السفينة “إيفر جيفن” والتي جنحت في قناة السويس جراء خطأ من قبل طاقم السفينة، وهو ما أفرز تداعيات خطيرة على التجارة الدولية، نظراً لأهمية قناة السويس التي تمثل محور التجارة العالمية، فقد وصفت صحيفة فاينشانشيال تايمز البريطانية ذلك بعبارة أن مصر “نجحت في تجاوز أصعب تحدي في وقت السلم، وهو التحدي الذي أرتبطت فيه كل من المصالح الاقتصادية للبلاد ومكانتها الوطنية”، كما تصدرت هذه القضية عناوين الصحافة العالمية خلال الأيام الأخيرة، لما تمثله من أهمية بالغة بالنسبة لحركة التجارة الدولية.

لذا، يعكس اختيار زمان ومكان إطلاق هذه التصريحات نجاحاً آخر للدولة المصرية، من خلال ضمان متابعة الصحافة العالمية ومراكز صنع القرار لدى القوى الإقليمية والدولية لتصريحات الرئيس المصري، في إطار الحفاوة التي لاقتها الجهود المصرية في التعامل مع أزمة السفينة الجانحة، والتي عكست بوضوح الدوري المحوري والجيواستراتيجي للدولة المصرية في المنطقة والنظام الدولي ككل.

خط أحمر جديد:

من ناحية أخرى، تضمنت تصريحات الرئيس السيسي إقرار خط أحمر جديد، على غرار الخط الأحمر الذي رسمته الدولة المصرية في الملف الليبي، والذي أعلنه الرئيس السيسي في يونيو 2020 وحدد خلاله الخطوط العريضة لحلحلة الأزمة الليبية، ومن ثم بات هذا الإعلان، بمثابة أساس التسوية السياسية الراهنة للأزمة الليبية، والتي تمخض عنها حكومة الوحدة الوطنية الليبية.

وبالمثل، يأتي إعلان الرئيس السيسي في 30 مارس الجاري، ليؤرخ لمرحلة جديدة بشأن قضية المياه وأزمة سد النهضة الإثيوبي، حيث تعكس تصريحات السيسي أن مصر لن تقبل بأي انتهاكات إثيوبية جديدة لاتفاقية المبادئ، ومن ثم باتت عملية الملء الثاني للسد -والتي تصر عليها أديس أبابا، بشكل لا يبالي بحجم الأضرار المتوقعة لهذة الخطوة على دولتي المصب؛ مصر والسودان- تمثل خط أحمر للدولة المصرية، وهو ما جسدته عبارة الرئيس السيسي “محدش يقدر ياخد نقطة مياه من مصر” و”الي عايز يجرب يجرب”.

نجاح جديد محمتل:

فعلياً، نجحت مصر خلال السنوات الأخيرة الماضية في حلحلة الكثير من الأزمات والإشكاليات التي كانت تحدق بالدولة المصرية، فإلى جانب التحديات الداخلية المتفاقمة التي كانت تواجه مصر، والتي نجحت القيادة السياسية في تجاوزها بقوة وفي توقيت قياسي، على غرار أزمة الإرهاب التي كانت تمثل معضلة وجودية تهدد أمن وسلامة الدولة المصرية، فضلاً عن الأزمة الاقتصادية التي عانت منها مصر بشدة بفعل تداعيات الركود الإقتصادي الحاد في مرحلة ما بعد 2011، بيد أن الحكومة المصرية نجحت في قطع شوط كبير في مسار التنمية الاقتصادية، وهو ما تؤكده التقارير الدولية التي تشيد بالتجربة المصرية في هذا الشأن.

لكن، تبقى التحديات الخارجية التي أفرزها السياق الإقليمي والدولي المحيط أحد أبرز الإشكاليات التي نجحت الدولة المصرية في تجاوزها خلال السنوات القليلة الماضية، فقد تمكنت القيادة السياسية من استعادة الدور المحوري لمصر في النظام الإقليمي والدولي، بعد مرحلة الإنكفاء على الذات في سنوات ما بعد 2011.

 فقد عمل النظام السياسي المصري على توطيد علاقات مصر الخارجية بكافة القوى الدولية والإقليمية، وتعززت مكانة مصر في المحافل الدولية، وأضحت لها الكلمة الفصل في الكثير من الملفات الإقليمية، كما استعادت مصر لدورها القيادي في إفريقيا، حيث باتت تمتلك شبكة واسعة من العلاقات بمعظم دول القارة، هذا بالإضافة إلى للتعاون بين دول القارة في كافة المجالات ومواجهة التحديات المشتركة.

من ناحية أخرى قادت مصر الجهود الدولية لحلحلة الأزمة الليبية، ولا تزال الجهود المصرية تدفع بالملف نحو التسوية الشاملة، أيضاً، مثلت التحركات المصرية في شرق المتوسط نجاحاً استراتيجيا للدولة المصرية، فقد تحولت مصر من خلال ذلك إلى مركزاً إقليمياً للطاقة والكهرباء.

بالتالي، ففي إطار سلسلة طويلة من النجاحات التي حققتها الدولة المصرية خلال السنوات الماضية، سواء فيما يتعلق بالملفات الداخلية المتفاقمة، أو بالقضايا الخارجية التي لطالما مثلت تهديدات خطيرة للأمن القومي المصري، بات تركيز القيادة السياسية منصباً -بدرجة كبيرة- في هذه المرحلة على ملف سد النهضة، ولا تزال القاهرة مستمرة في سياساتها السلمية التي تنتهج مبدأ التفاوض حتى النهاية، والحيلولة دون الإضطرار إلى اللجوء إلى الخيار العسكري، وقد نجحت الدبلوماسية المصرية خلال الفترة الأخيرة في خلق تحالفات قوية مع دول القرن الإفريقي وحوض النيل، لدعم الحقوق المصرية المشروعة، فضلاً عن تمكنها من كشف الصورة الحقيقية للموقف الإثيوبي المتعنت، وإسقاط قناع “المظلومية” التي عمدت أديس أبابا في ترويجه على الصعيد الدولي، ومن ثم بات الموقف جلياً لكافة الشركاء الدوليين بأن مصر لا تمانع تحقيق التنمية للدول الإفريقية، بدليل أنها تتعاون مع كافة هذه الدول في عملية التنمية للقارة الإفريقية، بل أن القاهرة عرضت على أديس أبابا ذاتها المساعدة في السد، لتحقيق النفع المشترك للمنطقة ككل، لكن يبقى المطلب الوحيد للدولة المصرية هو تجنب الإضرار بحقوقها من المياه، التي تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري.

رؤية استشرافية:

وفي إطار المعطيات الراهنة، والتي جسدتها الكلمات التي أطلقها الرئيس السيسي، يرجح أن يشهد ملف سد النهضة زخماً إقليمياً ودولياً خلال الفترة المقبلة، من خلال انخراط أكبر للقوى الدولية في هذا الملف، فضلاً عن تحركات مكثفة من قبل المنظمات الدولية والإقليمية، لحلحة هذه الأزمة، والحيلولة دون انسياق الوضع الإقليمي إلى عدم الاستقرار الذي يضر بمصالح الجميع، وربما يعزز من هذا الطرح إعلان كل من الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي عن استعدادهما للوساطة بشأن ملف سد النهضة.

وفي الأخير، يتجه ملف سد النهضة إلى نقطة فاصلة خلال المرحلة المقبلة، وباتت كافة الإحتمالات قائمة، وهو ما عززه تصريحات الرئيس السيسي، والذي رسخ فكرة أن مصر تتحدث من موقف القوة، وقد بات الأمر متروكاً للحكومة الإثيوبية، إما التراجع عن الموقف المتعنت وقبول الوساطة الدولية للتوصل إلى إتفاق عادل وملزم، أو تحمل تبعات المسار الآخر.

عدنان موسى

باحث في الشئون الأفريقية معيد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وباحث سياسي منذ 2013، نشر العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى