دولة التلاوة وسيميولوجيا سبحة الأزهري: المواجهة الرمزية للتطرف وتجديد الخطاب الديني المصري

د. أشرف الدبش 

السيميولوجيا أو علم العلامات هو العلم الذي يدرس الأنظمة الإشارية وكيفية إنتاج المعنى، ويدرس العلامات والرموز ودلالاتها داخل السياقات، فهي تعلمنا أن لا شيء بلا معنى، وكل ما يحيط بنا نص يمكن قراءته وفك شفراته، فالمجتمعات لا تعبر عن أفكارها الكبرى عبر الخطاب المباشر وحده، بل عبر منظومة رمزية مركبة تتجسد في الصور والإيماءات والطقوس والاختيارات الشكلية التي تبدو في ظاهرها عادية لكنها تحمل في عمقها رسائل فكرية وثقافية بالغة التأثير، وفي المجال الديني تحديدًا تلعب الرموز دورًا حاسمًا في تشكيل الوعي الجمعي، إذ كثيرًا ما تكون العلامة أبلغ من الخطبة والإشارة أعمق من التصريح

في هذا الإطار يمكن قراءة برنامج دولة التلاوة ليس فقط باعتباره مشروعًا إعلاميًا معنيًا باكتشاف الأصوات القرآنية، وإنما بوصفه خطابًا رمزيًا مركبًا يعكس توجهًا واعيًا لإعادة بناء المشهد الديني المصري ومواجهة تيارات التشدد عبر أدوات ناعمة لا تدخل في صدام مباشر، بل تعمل على إعادة تعريف المقبول دينيًا داخل الوعي العام

دولة التلاوة خطاب ديني غير مباشر: الرمز الصامت والدلالة العميقة:

منذ لحظاته الأولى قدم برنامج دولة التلاوة نفسه باعتباره كيانًا يتجاوز منطق المنافسة التقليدية، فالبنية البصرية وطبيعة لجنة التحكيم واختيار الضيوف وحتى العناصر الثانوية المصاحبة للتلاوة كلها تشكل نظامًا دلاليًا متكاملاً، هنا لا تعرض التلاوة باعتبارها أداءً صوتيًا مجردًا، بل باعتبارها فعلًا حضاريًا ينتمي إلى تاريخ وهوية ومدرسة فكرية محددة، هي المدرسة المصرية الأزهرية ذات الجذور الأشعرية والصوفية، وبهذا يتحول البرنامج إلى مساحة لإعادة الاعتبار لمفهوم التدين المصري بوصفه تدينًا جمع بين النص والجمال وبين العقيدة والذوق وبين الانضباط العلمي والتجربة الروحية في مواجهة أنماط دينية وافدة حاولت اختزال الدين في الصرامة أو تجريده من أبعاده الرمزية والوجدانية

أولًا: سيميولوجيا سبحة الأزهري:

سبحة أسامة الأزهري وزير الأوقاف والتي تظهر في يده بشكل واضح خلال حلقات البرنامج، وتحليل هذا المشهد سواء من استخدامه أثناء ظهوره كعضو لجنة التحكيم أو من حيث طول السبحة أو نوعها، يظهر أن السبحة ليست أداة ذكر فحسب، بل علامة رمزية محملة بتاريخ طويل من الجدل داخل المجال الديني، إذ دأبت التيارات السلفية والوهابية على النظر إليها بوصفها مظهرًا صوفيًا مرفوضًا وبدعة، في مقابل اعتبارها داخل التصوف السني ممارسة روحية منضبطة، وظهور هذه العلامة في سياق رسمي وإعلامي واسع الانتشار يحمل رسالة غير مباشرة مفادها أن التدين الوسطي الذي تتبناه الدولة لا يرى تعارضًا بين العلم والذكر ولا بين العقل والروح، وأن المظاهر التي جرى شيطنتها سابقًا تعود اليوم بوصفها جزءًا أصيلًا من الهوية الدينية المصرية، وهنا تعمل السيميولوجيا بفاعلية من خلال إعادة تطبيع الرمز داخل المجال العام

ثانيًا: رمزية إنشاد الخريدة البهية

إنشاد أحد المتسابقين وهو الشيخ محمد أحمد حسن في إحدى حلقات البرنامج للخريدة البهية والتي نظمها الشيخ أحمد بن أحمد الدرديري الأزهري الأشعري صوفي الهوية، فهي بالإضافة إلى كونها منظومة عقدية في علم التوحيد على مذهب الأشاعرة، تهدف إلى تسهيل حفظ وفهم أصول العقيدة الإسلامية لطلاب العلم، تناولت توحيد الله وصفاته الواجبة والمستحيلة والجائزة والإيمان بالنبوات والسمعيات بأسلوب شعري موجز وواضح وقد حظيت بمكانة كبيرة في الأزهر الشريف، ويأتي حضور الخريدة البهية في البرنامج بوصفها عنصرًا عقائديًا بالغ الدلالة، فهي تعبر عن تنزيه الذات الإلهية والوقوف موقفًا نقديًا من النزعات التجسيمية المنتشرة في بعض التيارات المعاصرة، وإدراج هذا المتن العقائدي في سياق إعلامي جماهيري يعكس رغبة الدولة في إعادة الاعتبار للمدرسة الأشعرية بوصفها الإطار العقدي التاريخي للأزهر ولمصر، والدلالة هنا ليست تعليمية فقط بل رمزية أيضًا، إذ تعلن الدولة انحيازها لمنهج عقدي محدد دون الدخول في معارك خطابية مباشرة

ثالثًا: رمزية إنشاد بردة البوصيري

تعد قصيدة البردة للإمام شرف الدين البوصيري أشهر قصيدة في مدح النبي محمد صلى الله عليه وسلم في تاريخ الأدب العربي، حيث تجاوزت كونها نصًا شعريًا إلى ظاهرة دينية واجتماعية وفنية، وقد نُقشت على جدران المساجد وترجمت إلى لغات العالم الإسلامي، وعارضها كبار الشعراء عبر العصور، وهي أيقونة المدائح النبوية، حيث جسدت ذروة العاطفة الوجدانية في التراث الأدبي، إلا أنها أثارت جدلًا عقديًا واسعًا بين التيارات الإسلامية، فبينما يراها الصوفية تعبيرًا أسمى عن المحبة، ينقضها التيار السلفي بشدة معتبرًا بعض أبياتها غلوًا يتجاوز الحدود الشرعية، غير أن إنشاد البردة في العديد من حلقات البرنامج يؤكد تبني رؤية ترى في الجمال وسيلة مشروعة للتدين وفي المحبة النبوية ركيزة أساسية للتجربة الدينية، فرمزية إنشاد البردة ومديح الشيخ ياسين التهامي في تتر البرنامج علامة مضادة لخطاب القسوة وكأن البرنامج يقول إننا نتبنى خطاب الجمال في مواجهة القسوة

رابعًا: رمزية المقامات الصوتية وخبيرها

علم المقامات الصوتية أحد أكثر الفنون العربية تأثيرًا في صياغة الوجدان الإسلامي، فهو العلم الذي يعنى بضبط المسارات النغمية وتلوين الصوت بما يخدم المعنى المراد إيصاله، ولم يكن هذا العلم مجرد ترف صوتي، بل أداة مركزية في مدرستي التلاوة والإنشاد، وأثار جدلًا واسعًا بين القبول الفني والتحفظ الشرعي، وارتبطت نشأته بتطور الموسيقى العربية الكلاسيكية لكنه بلغ ذروته في المدرسة المصرية للتلاوة، حيث أدرك القراء والمنشدون الأوائل أن الحناجر البشرية تمتلك سلالم نغمية فطرية فقاموا بتهذيبها وتقنينها ضمن ثمانية مقامات رئيسية، وقد برع كبار القراء مثل الشيخ محمد رفعت ومصطفى إسماعيل والمنشاوي وعبد الباسط في توظيف هذه المقامات لتناسب السياق القرآني، مستفيدين من قدرتها على نقل المستمع من حالة الحزن والخشوع إلى حالة الفرح والبشرى، ويرى جمهور علماء الأزهر والمدرسة الوسطية أن تعلم المقامات مشروع ومستحب بشروط، فهم لا ينظرون إليها كلحن غنائي خارج عن النص بل وسيلة تعبيرية والضابط ألا يطغى النغم على أحكام التجويد، ورمزيتها هنا في البرنامج رسالة مفادها أن الجمال الصوتي ليس انحرافًا عن النص بل وسيلة لفهمه والتفاعل معه

خامسًا: رمزية وجود الشيخ جابر البغدادي ضمن لجنة التحكيم

حضور الشيخ جابر البغدادي بوصفه أحد رموز التصوف السني المصري يمثل بعدًا آخر في هذه المواجهة الرمزية، فالرجل تعرض للنقد من التيارات المتشددة وينتمي إلى تيار صوفي تعرض أيضًا للنقد والتشويه، ومع ذلك يقدم في سياق رسمي كنموذج للتصوف الذي هو أحد أعمدة الهوية المصرية الأشعرية الأزهري، والرمزية هنا واضحة، فالتصوف الذي تتبناه الدولة ليس فوضويًا أو منعزلًا بل أخلاقي متصل بالمجتمع يركز على تزكية النفس دون أن ينفصل عن العلم أو الدولة

وأخيرًا، تكشف قراءة برنامج دولة التلاوة من منظور سيميولوجي عن كونه مشروعًا واعيًا لإدارة الصراع الفكري داخل المجال الديني عبر الرمز لا الصدام وعبر الجمال لا الإقصاء، فالسبحة والخريدة والبردة والمقامات والشخصيات الصوفية كلها علامات تعمل معًا لإعادة تعريف التدين المقبول داخل الوعي المصري، إشارات وعلامات ورموز موجهة للشباب بصفة خاصة والمجتمع بصفة عامة مفادها تعرية التيارات المتشددة التي لا تقبل الرأي الآخر وإظهار قبح فكرها، مواجهة خفية لقبيح الأفكار الوافدة التي تحاول النيل من هوية الدولة المصرية، لذلك نستطيع القول إن البرنامج نموذج لتجديد الخطاب الديني الراقي المتميز الفريد الذي لا يقوم على استيراد أفكار جديدة، بل على إعادة ترتيب الرموز القديمة داخل سياق معاصر، بما يضمن مواجهة التطرف دون الوقوع في فخ الاستقطاب ويؤكد أن المعركة الحقيقية هي معركة وعي ورمز وهوية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى