تعزيز الدور: أين تقع مكانة المرأة في المجتمع الإندونيسي؟

سناء عوض الله- باحثة ببرنامج السياسات العامة
شهدت إندونيسيا خلال السنوات الأخيرة تطور ملحوظ في وضع ومكانة المرأة داخل المجتمع، بالتزامن مع التغيرات السياسية والدستورية التي أعقبت مرحلة الإصلاح الديمقراطي عام 1998، والتي أعادت تشكيل البنية الإجتماعية وساهمت هذه التحولات في توسيع نطاق مشاركة المرأة في كافة المجالات كالتعليم والعمل والحياة العامة، كما أن تطور الأطر التشريعية للمساواة بين الجنسين قد ساهمت في تعزيز عملية إندماج المرأة في المجال السياسي والإقتصادي، وهو ما يعكس تحول تدريجي في طبيعة الأدوار الإجتماعية في المجتمع، فلم يعد حضور المرأة في إندونيسيا مقتصرًا على النطاق الأسري فقط، بل امتد ليشمل التعليم والعمل والمشاركة السياسية وصناعة القرار.
وفي هذ السياق، ارتبط تمكين المرأة في إندونيسيا بعملية إعادة بناء الدولة الحديثة وتعزيز الإطار الدستوري، وهو ما انعكس بدوره على مستويات الاستقرار داخل المجتمع. ومن ثم، أصبح تمكين المرأة أحد المؤشرات التي يمكن من خلالها قياس مدى نجاح عملية التحول الديمقراطي وقدرة الدولة على تحقيق التوازن الإجتماعي والتنمية المستدامة.
وتأسيسًا على ما سبق، يتطرق هذا التحليل إلى التعرف على طبيعة التحول في دور المرأة داخل المجتمع الإندونيسي في ظل الإصلاحات الدستورية والسياسية، مع توضيح فجوات التمكين والتحديات المجتمعية.
حدود الدور:
تأثر وضع المرأة في إندونيسيا بالبنية الثقافية التقليدية، التي تميل إلى توزيع الأدوار داخل الدولة حسب النوع الإجتماعي، فكان الدور الرئيسي للمرأة في إندونيسيا يتمثل في المهام المنزلية والرعاية الأسرية والتنشئة الأخلاقية للأطفال مع محدودية فرص المشاركة في المجال العام السياسي والاقتصادي، إلا أن استقلال إندونيسيا لإصلاح الديمقراطي مع نهاية التسعينات والتحولات السياسية التي شهدتها، أسهمت في إعادة رسم دور المرأة الإندونيسية في الدولة كفاعل اقتصادي وسياسي رئيسي في المجتمع وله دور هام في تحقيق عملية التنمية المستدامة في الدولة، ولم يعد دور المراة مقتصر على المجال الأسري بل امتد ليشمل مواقع القيادة وصنع القرار، وصولًا إلى أعلى المناصب السياسية في الدولة، حيث شهدت إندونيسيا وصول المرأة إلى منصب رئاسة الجمهورية من خلال ميغاواتي سوكارنوبوتري، وهو ما يعكس التحول النوعي في طبيعة المشاركة السياسية للمرأة من موقع التبعية إلى موقع الفاعلية داخل النظام السياسي.
يمكن رصد التحولات التي طرأت على وضع المرأة في إندونيسيا من خلال مجموعة من المؤشرات الكمية التي تعكس اتساع نطاق مشاركتها في الحياة العامة، وتغير موقعها داخل البنية الاجتماعية.
مستوى التمكين الاقتصادي:
عملت إندونيسيا على تمكين المرأة إقتصاديًا، من خلال زيادة فرص العمل وضمان الحق في العمل ووفقًا للمكتب الإحصائي الإندونيسي ارتفع مؤشر ضمان الحق في العمل في إندونيسيا في 2024 بنحو 50.84% ، وهو ما يعكس جهود الدولة في ذلك الإتجاه، وأسهم النمو الصناعي وتوسع قطاع الصناعات الخفيفة في جذب العمالة النسائية، بما أتاح للنساء فرصًا أكبر للعمل خارج الإطار المنزلي التقليدي وبلغت نسبة النساء المهنيات في إندونيسيا نحو 50.13%. والشكل التالي يوضح ذلك:

المصدر: المكتب الإحصائي الإندونيسي.
ووقديمًا اقتصرت أدوار المرأة في المجتمع الإندونيسي على مجموعة مجالات محددة وفقًا لطبيعة المجتمع الثقافية وشكل التعليم الذي تتلقاه الإناث في المجتمع وهو ما كان يحد من عملية مشاركة الإناث في سوق العمل، إلا أن محاولات التمكين قد انعكست على حجم مشاركة المرأة في سوق العمل والتي بلغت خلال عام 2025، نحو 39.60% مقارنة بـ39.50% خلال عام 2024. وهو ما يعكس تحسنًا تدريجيًا في فرص الاندماج الاقتصادي للنساء، وكانت هذه الزيادة هي انعكاس لزيادة كما سجلت معدلات التحاق المرأة بالتعليم العالي نحو 35.23%، متقدمة على معدلات الذكور التي بلغت 28.89% خلال عام 2024، وفقًا للمركز الإحصائي الإندونيسي.

يمثل التعليم أحد أهم محركات التحول الاجتماعي في إندونيسيا، حيث ارتفعت معدلات التحاق النساء بالتعليم العالي لتصل إلى 35.23% مقارنة بـ28.89% للرجال، كما سجل مؤشر التعليم للمرأة نحو 72.26%. قد انعكس هذا التطور على دخول النساء مجالات علمية وتقنية متقدمة، إذ بلغت نسبة مشاركة النساء في تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات نحو 37.4%، الأمر الذي يعكس تحولًا تدريجيًا في الأنماط الثقافية المرتبطة بتقسيم الأدوار التقليدية بين الجنسين.
اتجاهات المشاركة السياسية:
شهدت مشاركة المرأة في الحياة السياسية الإندونيسية تطورًا تدريجيًا يعكس أثر الإصلاحات الدستورية والتشريعية على توسيع نطاق التمثيل النسائي في مؤسسات الدولة. فقد ارتفعت نسبة تمثيل النساء في البرلمان من 21.6% عام 2023 إلى 22.46% عام 2024 وفقًا للمكتب الإحصائي الإندونيسي، مع تسجيل أعلى نسب تمثيل في بعض المناطق مثل بابوا الوسطى. كما شهدت المجالس المحلية ارتفاعًا في نسبة المقاعد التي تشغلها النساء من 14.4% إلى 15.7%. على المستوى التشريعي، ارتفعت نسبة تمثيل النساء في مجلس النواب من 20.78%عام 2019 إلى 28.60% عام2024، بينما سجل المجلس التمثيلي الشعبي ارتفاعًا من 30.88%إلى 53.53%، مع تسجيل بعض الأقاليم مثل سومطرة مستويات مرتفعة من التمثيل النسائي مقارنة بمناطق أخرى مثل بابوا التي شهدت ضعفًا في المشاركة.

فيما يتعلق بالجهاز الإداري، فإن النساء في الوظائف المدنية بلغ نحو 201,050,327 من إجمالي موظفي الخدمة المدنية البالغ عددهم 309,950,576، وهو ما يعكس حضورًا واسعًا للمرأة داخل البيروقراطية الحكومية. كما بلغت نسبة النساء في المناصب الوزارية نحو 20.70%، بينما وصلت نسبة شغل النساء للمناصب الإدارية إلى 30.63% عام 2024، في حين بلغت نسبة النساء في الوظائف المهنية نحو 50.13%.
ورغم هذا التطور الواضح إلا أنه هناك فجوة في مواقع القيادة العليا، حيث بلغت نسبة النساء في المناصب الإدارية العليا والمتوسطة نحو 19.4% فقط مقارنة بـ80.6% للرجال، كما لا تتجاوز نسبة شغل النساء لمقاعد مجالس الإدارة 8.3%، و5.2% في رئاسة مجالس الإدارة، و3.1% فقط في مناصب الرؤساء التنفيذيين، بما يعكس استمرار التحديات المرتبطة بالتمكين للمرأة داخل مؤسسات الدولة والقطاع الخاص.
مكانة المرأة في الدستوري:
ارتبط التحول في مكانة المرأة الإندونيسية ارتباطًا وثيقًا بعملية الإصلاح السياسي والدستوري التي بدأت عقب عام 1998، والتي مثلت نقطة تحول رئيسية في إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس المواطنة المتساوية. فقبل هذه المرحلة، كانت العديد من التشريعات والممارسات القانونية تعكس تصورًا تقليديًا يضع المرأة في مرتبة اجتماعية أدنى، ويقصر دورها على المجال الأسري، إلا أن مرحلة الإصلاح أسست لمرحلة جديدة من الحماية القانونية والمؤسسية لحقوق المرأة.
وانعكس هذا التحول في تبني مجموعة من القوانين المستندة إلى المبادئ الدستورية للمساواة وعدم التمييز، من أبرزها قانون مكافحة العنف الأسري رقم 23 لسنة 2004، وقانون مكافحة الاتجار بالبشر رقم 21 لسنة 2007، إضافة إلى قوانين المشاركة السياسية لعام 2008 التي عززت حضور المرأة في المجال العام. كما أعلن عام 1998 عن إنشاء اللجنة الوطنية لمناهضة العنف ضد المرأة ، والتي أصبحت إحدى أهم الآليات المؤسسية للدفاع عن حقوق النساء ومراقبة تنفيذ التشريعات الخاصة بها.
وفي المجال السياسي، ساهم الإطار الدستوري الديمقراطي الجديد في إدماج المرأة داخل العملية التمثيلية من خلال إدخال نظام الحصص الجندرية في قانون الانتخابات لعام 2003، الذي ألزم الأحزاب السياسية بتخصيص ما لا يقل عن 30% من قوائم المرشحين للنساء. وكان هذا الإجراء بمثابة نقطة التحول الجوهرية للنساء من المشاركة الرمزية إلى المشاركة والتمثيل الحقيقي، وساهم في رفع تمثيل النساء داخل البرلمان والمجالس المحلية، بما يدعم شرعية النظام السياسي من خلال توسيع قاعدة التمثيل الاجتماعي.
كما لعبت المحكمة الدستورية دورًا بارزًا في تطوير حقوق المرأة من خلال معالجة القوانين المثيرة للجدل، وعلى رأسها قانون الزواج. وتم تعديل القانون عام 2019 ليصبح الحد الأدنى لسن الزواج للنساء 19 عامًا مساويًا للرجال، وهو ما يعكس قدرة المؤسسات الدستورية على الاستجابة للتحولات الاجتماعية وحماية حقوق الفتيات في مختلف المجالات، وامتدت الحماية القانونية للنساء لمستويات مرتفعة حيث أُقر قانون جرائم العنف الجنسي عام 2022 الذي اعتبر الاغتصاب الزوجي جريمة قانونية، في خطوة تعكس دور الدولة في حماية أفرادها.
بالإضافة لذلك، دعمت التشريعات العمالية الإندونيسيةحقوق المرأة في سوق العمل من خلال ضمان إجازات الأمومة وفترات الرضاعة، مع تخصيص أماكن للرضاعو الطبيعة في بعض أماكن العمل، الأمر الذي ساعد على دمج النساء اقتصاديًا دون التخلي عن أدوارهن الأسرية.
وبذلك يمكن القول إن الدستور الإندونيسي لم يقتصر على الاعتراف النظري بحقوق المرأة، بل أسس بنية قانونية ومؤسسية ساهمت في إعادة تشكيل دور المرأة في الحياة العامة كفاعل سياسي واقتصادي واجتماعي، بما يعزز من التماسك الاجتماعي وتقليل مظاهر الإقصاء، بما يدعم استقرار الدولة في مرحلة التحول الديمقراطي.
تحديات مجتمعية:
على الرغم من التقدم الملحوظ في مؤشرات تمكين المرأة، إلا أنه مازال هناك عدة فجوات تحد من فاعلية هذا التغيير. فقد بلغ مؤشر عدم المساواة بين الجنسين 0.421 عام 2024، بينما ظلت مشاركة النساء في القوى العاملة عند 39.60% مقارنة مع 59.4% للرجال عام 2025، ما يعكس استمرار الفجوة الاقتصادية بين الجنسين.
كما تتحمل النساء عبئًا أكبر في أعمال الرعاية المنزلية غير المدفوعة، حيث تقضي المرأة 18.5% من يومها في هذه الأعمال بينما يقضي الرجل 8.2% فقط، وهو ما يقلل من فرص التقدم المهني للنساء. وهو ما يقلل من فرص التقدم المهني للنساء. وتظل الفجوة القيادية واضحة، إذ تشغل النساء ٨.٣٪ فقط من مقاعد مجالس الإدارة، و٥.٢٪ من مناصب رئاسة المجالس، و٣.١٪ من مناصب الرؤساء التنفيذيين، فيما لا تتجاوز نسبة النساء في المناصب الإدارية العليا والمتوسطة ١٩.٤٪.
كما أن هناك مجموعة تحديات اجتماعية مؤثرة ، إذ بلغت نسبة الزواج المبكر ١٤٪ بين النساء الشابات، كما سجل معدل المواليد بين المراهقات ٣٦.١ مولودًا لكل ألف فتاة، وهي عوامل تؤثر على الاستمرار التعليمي والاستقلال الاقتصادي للنساء. وعلى الرغم من تسجيل ٢٩٩٬٩١١ شكوى عنف ضد المرأة خلال عام ٢٠٢٤ ومعالجة معظمها، فإن تعرض ٢٢٪ من النساء للعنف الأسري يشير إلى استمرار تحديات ثقافية واجتماعية.
وتوضح هذه المؤشرات أن الإصلاح القانوني والمؤسسي سبق التحول الثقافي الكامل، وهو ما يجعل استمرار الاستقرار المجتمعي مرهون بمعاجة هذه التحديات.
ختامًا، يتضح أن عملية تمكين المرأة في إندونيسيا لم تعُد مجرد قضية اجتماعية بل أصبحت من الدعائم الأساسية لعملية التحول الديمقراطي في الدولة وتحقيق التنمية المستدامة، فقد ساهمت الإصلاحات الدستورية والتشريعية في توسيع نطاق أدوار المرأة وتعزيز حضورها في الحياة العامة بما أعاد تشكيل موقعها داخل المجتمع كفاعل رئيسي مؤثر في عملية صنع ، كما تعكس تجربة إندونيسيا في تمكين المرأة مسارًا متدرجًا من التحول المجتمعي الذي ارتبط ارتباطًا وثيقًا بالإصلاح الدستوري وبناء الدولة الديمقراطية الحديثة. ومع ذلك، فإن المواشرات المتاحة تكشف عن وجود مجموعة من التحديات المتعلقة بالفجوات الإقتصادية وثقافة الدور التقليدية، وهو ما يوضح أن الإصلاحات المؤسسية قد سبقت التحولات الثقافية وأن التمكين الحقيقي يتطلب مع الإصلاح القانوني والتشريعي تحول ثقافي واجتماعي.
وعليه، فإن مستقبل الاستقرار المجتمعي في إندونيسيا يرتبط في المقام الأول بسياسات المساواة بين الجنسين والدمج الفعّال، بما يضمن مشاركة متوازنة ومستدامة للمرأة في مختلف مجالات الحياة العامة.