دوافع متداخلة: لماذا تتجه الفتيات في إندونيسيا إلى معاهد القرآن؟

سناء عوض الله- باحثة ببرنامج السياسات العامة.
خلال السنوات القليلة الماضية، شهدت إندونيسيا تطورًا لافتًا في مستويات إقبال الفتيات على التعليم الديني ومعاهد القرآن الكريم، في سياق تحولات اجتماعية واقتصادية وثقافية أوسع تعيد تشكيل أنماط التعليم النسوي داخل المجتمع. وقد قُدِّرت نسب التحاق الفتيات بمعاهد القرآن بأكثر من 60% من إجمالي نسب الالتحاق بالمعاهد، البالغ عددها نحو 42800 معهد خلال أغسطس 2025، وذلك وفقًا للدكتورة أماني لوبيس، رئيسة جامعة شريف هداية الله السابقة. كما سجلت الفتيات نسبة التحاق بالمعاهد المشتركة بلغت نحو 50%، في الوقت الذي ارتفعت فيه نسبة مشاركة المرأة الإندونيسية في سوق العمل خلال عام 2025، حيث بلغت نحو 39.60% مقارنة بـ39.50% خلال عام 2024، مع وجود تباينات بين المناطق الحضرية والريفية. كذلك، جاءت نسب تولي المرأة للمناصب القيادية داخل الجامعات والمعاهد الإسلامية أعلى من نسب تسجيل الرجل.
وتطرح هذه المؤشرات المتزامنة إشكالية تحليلية تتعلق بطبيعة العلاقة بين التوسع في التعليم الديني للإناث وارتفاع مؤشرات المشاركة الاقتصادية للمرأة، بما يفتح تساؤلًا محوريًا حول طبيعة هذا التحول: هل يعكس هذا الإقبال على معاهد القرآن الكريم مسارًا للتمكين، أم يعيد إنتاج أدوار اجتماعية تقليدية داخل الإطار الديني؟
دوافع اجتماعية وثقافية:
يرتبط مستوى إقبال الفتيات على معاهد القرآن الكريم بمجموعة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية التي أعادت تشكيل أنماط التعليم النسوي داخل المجتمع، وهي عوامل متداخلة لا يمكن فصل أحدها عن الآخر عند محاولة تفسير هذه الظاهرة.
في السياق الاجتماعي، تلعب الأسرة دورًا محوريًا في تحديد المسار التعليمي للفتيات؛ ففي البيئات الريفية والفقيرة، التي تفتقر إلى وجود مدارس دينية رسمية، تميل الأسر إلى إرسال بناتها إلى المعاهد الدينية باعتبارها بيئة تعليمية أكثر أمانًا واستقرارًا، فضلًا عن طبيعة التعليم السائد في هذه المؤسسات، والذي يقتصر في كثير من الأحيان على تعليم القرآن الكريم واللغة العربية، وهو ما يتوافق مع رؤية هذه الأسر لدور الفتاة التقليدي داخل الأسرة، المتمثل في التنشئة الاجتماعية والأخلاقية. ومن ثم، يصبح التعليم القرآني وسيلة لضمان الالتزام القيمي للفتيات، أكثر من كونه مسارًا تعليميًا مهنيًا.
كما ساعد الانتشار الواسع لهذا النوع من المؤسسات في المناطق النائية على زيادة مستويات الإقبال، باعتبارها خيارًا تعليميًا أقل تكلفة، ما يجعلها مناسبة للأسر الفقيرة التي تبحث عن تعليم يحافظ على الهوية الدينية ويخفف الأعباء الاقتصادية في الوقت ذاته.
وترتبط الظاهرة أيضًا بانتشار المعاهد المشتركة التي تقدم تعليمًا دينيًا ومؤسسيًا، وهو ما يعكس سعي الأسر في الطبقات المتوسطة إلى تحقيق توازن بين المحافظة على القيم الدينية وضمان فرص تعليمية ومهنية للفتيات. ويمنح هذا النوع من التعليم المرأة فرصًا للالتحاق بمجالات التعليم والإرشاد الديني والعمل داخل المؤسسات الإسلامية.
أما على المستوى الديني، فإن ارتفاع مستويات التدين في المجتمع الإندونيسي، والتي أشارت بعض الإحصاءات إلى بلوغها نحو 90%، قد أسهم في تعزيز التعليم الديني المؤسسي باعتباره خيارًا تعليميًا أساسيًا، وليس مجرد بديل للتعليم الخاص. ويعكس ذلك صعود نمط التدين المؤسسي القائم على التعليم المنهجي للقرآن الكريم واللغة العربية، بما يعزز من مكانة المعاهد الدينية كمؤسسات تجمع بين البعد الديني والمؤسسي في آن واحد.
وفيما يتعلق بالتطور التكنولوجي، فقد ساهم التحول الرقمي في زيادة انتشار التعليم الديني النسوي في إندونيسيا، من خلال سهولة الوصول إلى المحتوى عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي؛ فلم يعد التعليم الديني مقتصرًا على المعاهد التقليدية أو حلقات الدروس في المساجد، بل أصبح متاحًا عبر الدروس الرقمية والحلقات الافتراضية، وهو ما جعل التحول الرقمي عاملًا حاسمًا في توسيع رقعة هذا النمط من التعليم داخل المجتمع.
انعكاسات متنوعة:
يؤدي التوسع في التعليم الديني النسوي إلى مجموعة من الانعكاسات المركبة داخل المجتمع الإندونيسي، بما يسهم في إحداث نمط من التحول في البنية الاجتماعية وإعادة تشكيل الأدوار داخله.
فعلى الرغم من أن زيادة الإقبال على المعاهد الدينية النسوية قد أسهمت في رفع مستويات تعليم الفتيات، وهو ما انعكس بدوره على زيادة معدلات مشاركة المرأة في سوق العمل، التي بلغت نحو 39.60% خلال عام 2025 وفقًا لتقرير صادر عن البنك الدولي، فإن هذا النمط من الإقبال لا يخلو من انعكاسات متداخلة تتراوح بين التمكين وإعادة إنتاج الأدوار التقليدية.
فمن ناحية، تسهم المعاهد الدينية النسوية في تعزيز المعرفة الدينية المكتسبة، بما يدعم حضور النساء في المجال الديني العام، ويوفر فرص عمل في مجالات التعليم والإرشاد الديني، فضلًا عن زيادة فرص تولي المناصب القيادية داخل المؤسسات الدينية الكبرى. ويُلاحظ أن عددًا من هذه المؤسسات، سواء الحكومية أو الجامعات، تتولى قيادتها عناصر نسائية، كما تشير بعض التقديرات إلى استحواذ النساء على نحو 40% من المناصب القيادية فيها. كما أن وصول المرأة الإندونيسية إلى منصب رئيس الجمهورية ونائب رئيس الجمهورية يعكس مستوى متقدمًا من الحضور السياسي.
وفي المقابل، فإن هذا التوسع قد ينطوي، في بعض الحالات، على أثر عكسي يتمثل في حصر مسارات التعليم النسوي داخل المجالات الدينية، بما قد يؤثر على معدلات الالتحاق بالتعليم الجامعي، ويحد لاحقًا من فرص المشاركة في القطاعات الاقتصادية المتنوعة، فضلًا عن تراجع نسب المشاركة السياسية. كما قد تسهم هذه المعاهد، في بعض السياقات، في تعزيز أدوار المرأة باعتبارها المسؤول الأول عن التنشئة الاجتماعية وحماية القيم الدينية والأسرية، وهو ما يمنحها مكانة مرتفعة، لكنه يضع – بصورة غير مباشرة – حدودًا لمجالات مشاركتها الاجتماعية والسياسية.
وعلى الرغم من ذلك، فإن ارتفاع معدلات التعليم الديني لا يعني بالضرورة تراجعًا في تمكين المرأة، بل يعكس نمطًا من التحول في طبيعة هذا التمكين، من بعده الاقتصادي المباشر إلى بعد معرفي وثقافي ذي طابع تقليدي.
أبعاد مستقبلية:
من منظور استراتيجي، تكتسب هذه الظاهرة أبعادًا تتجاوز حدودها التعليمية المباشرة، لترتبط بتحولات محتملة في بنية المجتمع الديني والاجتماعي في إندونيسيا.
(-) من المتوقع أن يؤدي استمرار توسع التعليم الديني النسوي إلى تعزيز دور المرأة في تشكيل الخطاب الديني داخل المجتمع الإندونيسي، بما يجعلها فاعلًا مؤثرًا في صياغة منظومة القيم والاتجاهات المجتمعية.
(-) يسهم انتشار تعليم اللغة العربية والعلوم الشرعية في تعزيز ارتباط المجتمع الإندونيسي بالعالم الإسلامي، وهو ما ينعكس على طبيعة التفاعل الثقافي والديني على المستويين الإقليمي والدولي.
(-) يتمثل التحدي الأبرز في قدرة الدولة على تحقيق التوازن بين متطلبات التعليم الديني ومتطلبات التنمية الاقتصادية، بما يضمن عدم تحول هذا التوسع إلى عامل مقيِّد لفرص اندماج النساء في سوق العمل المتنوع.
وبالتالي، فإن كيفية إدارة هذا التحول ستظل العامل الحاسم في تحديد طبيعة العلاقة بين التدين والتنمية، وبين التعليم الديني وأدوار المرأة في المستقبل.
في النهاية، يتضح أن زيادة مستويات الإقبال على معاهد تعليم القرآن الكريم للفتيات خلال السنوات الأخيرة لا تمثل مجرد ظاهرة تعليمية، بل تعكس تحولًا مركبًا في بنية المجتمع الإندونيسي، نتج عن تفاعل مجموعة من العوامل الاجتماعية والدينية والثقافية والاقتصادية، إلى جانب تأثيرات التحول الرقمي. وقد أظهر التحليل أن هذه الظاهرة تتسم بطبيعة مزدوجة، تجمع بين مسارين متوازيين؛ فمن ناحية، تعزز حضور المرأة في المجال الديني وتفتح أمامها فرصًا للمشاركة في التعليم والإرشاد وتولي المناصب داخل المؤسسات الدينية، بما يعكس نمطًا من التمكين القائم على المعرفة. ومن ناحية أخرى، قد تسهم في إعادة تشكيل الأدوار الاجتماعية للمرأة، من خلال توجيه جزء من مساراتها التعليمية والمهنية نحو المجال الديني، بما قد يحد من تنوع مشاركتها في القطاعات الاقتصادية والسياسية.
وعليه، فإن هذه الظاهرة لا يمكن اختزالها في ثنائية التمكين أو التقييد، بل ينبغي فهمها بوصفها عملية تحول تدريجية تعيد صياغة دور المرأة داخل المجتمع الإندونيسي، عبر تفاعل مستمر بين الدين والتنمية والتعليم. كما تشير هذه المعطيات إلى أن مستقبل هذه الظاهرة سيظل مرهونًا بمدى قدرة الدولة على تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على القيم الدينية وتوسيع آفاق أدوار المرأة، بما يضمن نموذجًا أكثر توازنًا واستدامة للتمكين.