حسابات مُعطلة.. لماذا يُعرقل “الحوثي” عملية السلام؟

رغم معاناة الشعب اليمني الذي يرزح تحت وطأة كارثة إنسانية بكل المقاييس، جراء الحرب في اليمن منذ تسع سنوات بين قوات الحكومة اليمنية الشرعية والتي تحظى بدعم عربي ودولي تتقدمه المملكة العربية السعودية من جهة، وجماعة “الحوثي” المسلحة والمدعومة من قبل إيران والتي استولت على العاصمة صنعاء وعدد من محافظات ومدن شمال اليمن منذ عام 2014.

ورغم الحديث عن التقدم الملحوظ في مفاوضات السلام في اليمن، إلا أن الحوثيين لا يزالون يمارسون استفزازًا عسكريًا وسياسيًا، في خطوة معاكسة للمباحثات مع الجانب السعودي، أو أي تقدم في الملف اليمني، مما يهدد بعرقلة المساعي السلمية لإحلال السلام والعودة إلى نقطة الصفر مرة أخري على الساحة اليمنية.

وفي آخر تلك الاستفزازات، منعت جماعة “الحوثي”، شركة الخطوط الجوية اليمنية من سحب أموالها في بنوك صنعاء، ورفضت مقترحها بحصولهم على 70% من أموالهم مقابل 30% للحكومة المعترف بها، وعلى إثر ذلك قررت الشركة تعليق الرحلة التجارية الدولية الوحيدة من العاصمة اليمنية ووجهتها إلى الأردن، وأشارت في بيان إلى أنها لم تتمكن من سحب أموالها في بنوك صنعاء على مدى عدة أشهر.

استنادا إلي ما سبق….. سنتطرق في هذا التحليل إلي محاولات التصعيد التي حدثت مؤخرًا من قبل جماعة “الحوثي”، بعد عدة أيام من المفاوضات بالرياض قبل أسبوعين، بالتالي أهداف هذه الجماعة من التصعيد، والمرجح حدوثه خلال الفترة المقبلة.

سياسة الابتزاز:

صرح عدد من المسئولين التنفيذيين لشركة الخطوط الجوية اليمنية لوكالة رويترز، “إن الشركة ستعلق الرحلة التجارية الدولية الوحيدة من العاصمة اليمنية ووجهتها إلى الأردن” بإجمالي 6 رحلات أسبوعية في أكتوبر الجاري 2023م، نظرًا لعدم تمكن الشركة من سحب أموالها في بنوك صنعاء على مدى عدة أشهر، داعيين “الحوثيين” إلى رفع القيود المفروضة بشكل غير قانوني على أصولها.

وجاء ذلك بعد فشل المفاوضات بين الناقل الوطني الوحيد في البلاد مع إدارة الشركة في صنعاء، من أجل الإفراج عن أموالها التي تصل إلى 80 مليون دولار. واستأنفت الشركة رحلاتها من صنعاء إلى العاصمة الأردنية عمان في أبريل العام الماضي 2022م.

تعد هذه خطوة تصعيدية جديدة من قبل الحوثيين قد تعرقل ملف السلام، وتصبح ورقة ضغط لصالح موقفهم التفاوضي لجني مكاسب سياسية كثيرة، وتقديم تنازلات أقل حال استمرار المفاوضات مع المملكة العربية السعودية، حيث أن هذا التصعيد سيؤدي إلى استمرار الحصار والمعاناة التي يعيشها الشعب اليمني.

عرقلة المساعي السلمية:

يبدو أن الدافع الحقيقي الذي يقف وراء هذه الخطوة الاستفزازية من قبل الحوثيين، هو الاتجاه نحو جولة أخرى من التصعيد علي البعدين الأمني والسياسي، وهو ما يمكن استعراضه على النحو التالي:

(*) البعد الأمني: خلال النصف الثاني من سبتمبر 2023، استضافت السعودية وفدًا من جماعة الحوثي للمضي قدمًا في عملية السلام، وكانت تلك المرة الأولي منذ اندلاع الأزمة اليمنية التي تطأ فيها أقدام الحوثيين أرض المملكة، في إطار بحث المساعي السلمية لإنهاء الأزمة وإحلال السلام، ووصفت تلك المفاوضات والتي استمرت خمسة أيام بـ”الإيجابية” و”المثمرة”، حسبما أفاد الجانب السعودي، و”أن المفاوضات أحرزت تقدمًا في النقاط الشائكة والرئيسية، ومن بينها الجدول الزمني لخروج القوات الأجنبية من اليمن، وآلية دفع أجور الموظفين، وإعادة فتح المواني التي يسيطر عليها الحوثيون ومطار صنعاء بشكل كامل، وكذلك جهود إعادة البناء والإعمار”.

لكن عقب انتهائها قام الحوثيون بتصعيد آخر يتنافي تماما مع تلك المساعي السلمية التي جرت في الرياض.
عبر غارة بطائرة مسيرة بدون طيار، جنوب المملكة العربية السعودية، أدت إلى مقتل ثلاثة جنود بحرينيين تابعين للوحدة العسكرية المشاركة في التحالف العربي بقيادة الرياض، وتعد هذه الحادثة أول عملية عسكرية على الحدود منذ إتمام المصالحة السعودية – الإيرانية.

من المحتمل بشكل كبير أن تداعيات تلك الضربة ستكون عكس المساعي السلمية، حيث قد تؤدي إلى تعطيل الاتفاق المبرم بشأن وقف إطلاق النار، وتحقيق السلام في اليمن وإنهاء حالة الحرب التي أنهكت البلاد ولا طائل منها سوى الخراب والدمار والتي مر عليها تسع سنوات شهد فيه اليمن كارثة إنسانية لا مثيل لها.

(*) البعد السياسي: فهذه الخطوة الاستفزازية فيما يتعلق بأموال شركة الخطوط الجوية اليمنية وقيام جماعة الحوثي بمنع الشركة من سحب أموالها من بنوك صنعاء، فتعد أيضًا تصعيد يعكس عدم وجود نوايا لخوض واستكمال عملية السلام في اليمن، وعلى ما يبدو أن الفترة المقبلة ستشهد تصعيدًا على كافة الأبعاد داخل البلاد وعلى الحدود أيضًا.

ومما لا شك فيه أن محاولات التصعيد مرة أخرى من قبل جماعة الحوثي، ما هي الإ ورقة ضغط تمكنها من الحصول على أكبر قدر من المكاسب في المفاوضات حال استمرارها، كما أن بقاء حالة الحرب كما هي عليه، بالنسبة لبعض القيادات تعد ربحًا في حد ذاته نظًرا لما تحصل عليه من دعم مادي وعسكري.

كما تريد تلك الجماعة أن تظهر بمظهر الطرف القوي والذي يعد فاعلًا إقليميًا كما تقدم نفسها الآن على الساحة، وأن لديها القدرة على قلب الموازين رأسًا على عقب حال عدم اتفاقها مع الطرف الآخر في العملية التفاوضية، وعدم حصولها على ما تريد مثل الاعتراف بخضوع المناطق الشمالية في البلاد لحكمها، سيمكنها من التصعيد مرات عديدة.

حسابات المشهد اليمني:

يبدو أن خطوات التصعيد من قبل جماعة الحوثي هو السيناريو المرجح للاستمرار على الأقل في المدى القريب، فالعمليات العسكرية في محافظة تعز، دليل قوي على ذلك، حيث اندلعت مواجهات متقطعة بين الجيش اليمني وميليشيا الحوثي، خلال الفترة القليلة الماضية، بعد تصعيد أعمالها العدائية واستهداف مواقع القوات اليمنية بالمدفعية الثقيلة. ويعد ذلك أيضًا تحديًا لجهود السلام التى تبذل إقليميًا ودوليًا من أجل التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب في اليمن.

كما أن استعراضهم لمعداتهم العسكرية كالصواريخ الباليستية والمسيّرات التي يمتلكونها وتشكيلات من المدرعات وزوارق محملة برشاشات وصواريخ، في عرض عسكري بداخل العاصمة صنعاء هذا العام في ذكري استيلائهم عليها منذ بداية الحرب، يظهر نوايا الجماعة تجاه عملية المفاوضات التي تهدف إلى تفعيل عملية السلام في اليمن، وإثبات أيضًا أنهم باتوا قوة عسكرية تحظى بقدرات لا يستهان بها، ويؤكد ذلك تصريح أحد قيادات الجماعة المدعومة من إيران “الاستعداد لرفع الجاهزية القتالية خلال الفترة المقبلة” ما ينذر بنسف كافة الجهود المبذولة لإنهاء الحرب.

وختامًا؛ فإن الوضع في اليمن شائك ومعقد لأبعد الحدود، واتباع جماعة الحوثي سياسات التصعيد سيؤدي إلى عواقب وخيمة تشهدها البلاد، التي أُنهكت بالفعل جراء الحرب ولم تشهد تعافيًا حتى الآن، كما أن رد فعل الجانب السعودي وكذلك الأطراف المعنية بدعم عملية السلام إقليميًا ودوليًا، بعد هذه الخطوات التصعيدية من قبل الحوثيين غير واضح أو معلن حتى الآن ولكن يبدو أننا قد نشهد توترًا في الملف اليمني ما لم تلتزم قيادات الحوثيين بأية اتفاقات.

سارة أمين

سارة أمين- باحثة في شئون الخليج العربي وإيران، الباحثة حاصلة علي ماجستير في العلوم السياسية، شعبة العلاقات الدولية، متخصصة في دراسة شئون الشرق الأوسط والخليج العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى