تداعيات إبطال اتفاقية “خور عبدالله” بين العراق والكويت

في يوم الاثنين الموافق 4 من سبتمبر الجاري 2023م، أصدرت المحكمة الاتحادية العليا في العراق، حكمًا بعدم دستورية قانون المصادقة على اتفاقية تنظيم الملاحة البحرية في “خور عبد الله” مع الكويت، استنادًا إلى أحكام الدستور العراقي الذي نص على “تنظيم عملية المصادقة على المعاهدات والاتفاقات الدولية بقانون يُسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب”.

وأقر مجلس الوزراء العراقي برئاسة نوري المالكي، في يناير عام 2013، تلك الاتفاقية التي كانت محل جدل سياسي طويل بين البلدين، وتتعلق بتنظيم الملاحة في “خور عبدالله” المطل على مياه الخليج، وصادق مجلس النواب العراقي حينئذ على الاتفاقية الحدودية لتدخل حيز التنفيذ بصفة رسمية، رغم وجود معارضة واسعة داخل الساحة السياسية العراقية.

وتنص الاتفاقية على تقسيم مياه “خور عبد الله” بالمناصفة بين العراق والكويت، انطلاقًا من قرار مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة رقم 833 الصادر عام 1993م، الذي أعاد ترسيم الحدود في أعقاب الاجتياح العراقي للكويت. ويعترض بعض الساسة العراقيون على هذه الاتفاقية لأنهم يرون أنها تعطي الكويت أحقية في مياه إقليمية داخل العمق العراقي، مما يعيق حركة التجارة البحرية أمام الموانئ المحدودة للبلاد.

وتتضمن هذه الاتفاقية،  فقرة “تسمح لكلا البلدين بإلغاء اتفاقية “خور عبدالله” بعد إشعار الطرف الآخر قبل 6 أشهر”، ولا تنطبق أحكام الاتفاقية على “السفن الحربية وخفر السواحل لكلا الطرفين”، كما تنص على أن “يعمل كل طرف على منع الصيادين من التواجد في الجزء من الممر الملاحي الواقع في البحر الإقليمي التابع له”.

استنادًا إلي ما سبق….. سنقدم في هذا الطرح تحليلًا لأسباب عودة الخلاف مرة أخرى، وكذلك ردود الأفعال المتعلقة به، والسيناريوهات المحتملة بشأنه، إلى جانب الإجابة على تساؤل رئيسي مفاده، إلى أي مدى يمكن أن يؤثر ذلك الخلاف على الدور الاستراتيجي الذي انتهجه العراق مؤخرًا، من حيث التقارب مع دول الجوار وكذلك كفاعل إقليمي مؤثر وذو ثقل في عدة ملفات إقليمية هامة؟

ملامح الخلاف:

شكلت ولا تزال الحدود البحرية بين العراق والكويت نقطة خلاف بينهما، لذا حددت الأمم المتحدة في عام 1993، الحدود البحرية والبرية بين البلدين إثر غزو العراق للكويت في عام 1990، وأعرب العراق حينها عن استعداده للاعتراف بالحدود البرية فقط مع الكويت، لكن الحدود البحرية ظلت محط خلاف، حيث أن بغداد تريد أن يضمن لها ترسيم الحدود القدرة على الوصول إلى بحر الخليج الذي تحتاج إليه اقتصاديًا ولصادراتها النفطية.

“خور عبدالله” هي المنطقة الواقعة في أقصى شمال الخليج بين الكويت والعراق، ما بين جزيرتي بوبيان ووربة الكويتيتين، وشبه جزيرة الفاو العراقية، وتمتد إلى داخل الأراضي العراقية، مما أدى إلى تشكيل خور الزبير، الذي يقع به ميناء أم قصر العراقي.

(*) مبررات دستورية عراقية: تستند المحكمة الاتحادية العراقية، في موقفها إلى أن الاتفاقية الموقعة بينه وبين والكويت عام 2013م، لترسيم الحدود البحرية في “خور عبدالله”، صادق عليها العراق بالقانون رقم 42 لعام 2014، وبما أن المحكمة الاتحادية العليا بالعراق تراقب مدى دستورية القوانين من عدمها، وحيث أن القانون رقم 42 الذي تم بموجبه المصادقة على اتفاقية ترسيم الحدود قبل صدور القانون 35 لعام 2015 الخاص بعقد الاتفاقيات العراقية والذي اشترط موافقة ثلثي البرلمان على أي اتفاق طبقًا للنقطة الرابعة من المادة 61 بالدستور، بينما البرلمان العراقي، على تلك الاتفاقية، بالأغلبية البسيطة، وفي ذلك مخالفة صريحة تسجل على مجلس النواب. وبالنتيجة فإن هذه الاتفاقية تعتبر من وجهة نظر المحكمة الاتحادية العليا “غير دستورية”، لذلك تُعلق الاتفاقية من قبل الجانب العراقي لكنها تظل نافذة بالنسبة للجانب الكويتي

(*) استناد كويتي للقرار الأممي والوثائق التاريخية: يستند الجانب الكويتي إلى أن اتفاقية الملاحة البحرية في “خور عبد الله” قائمة بالأساس على القرار الأممي رقم 833 لحسم الخلاف الحدودي بين الكويت والعراق، والذي اعتبر الممر المائي، “خور عبد الله” خطًا حدوديًا بين البلدين.

إلى جانب ذلك وبالعودة إلى الوثائق التاريخية، فإن رئيس الوزراء العراقي الأسبق، نوري السعيد، بعث برسالة إلى المندوب السامي البريطاني آرثر واكهوب، في عام 1932م، حدد فيها الحدود الكويتية العراقية. وفي 4 أكتوبر عام 1964م، وافقت جمهورية العراق على ما جاء في رسالة “السعيد” واعترفت بدولة الكويت وفقًا لتلك الحدود، وبالتالي فإن القرار 833 استند إلى تلك الوثائق.

(*) خلافات حول تنظيم الملاحة وتواجد على الحدود: لطالما أثار الاتفاق جدلًا سياسيًا، بحجة أن العراق فرّط في ممره الملاحي في الخور، وأن موانئ العراق الكبرى ستخرج عن الخدمة لصالح الكويت، ووصل الأمر ذروته في أغسطس الماضي، حين اندلعت أزمة سياسية بشأن ترسيم الحدود البرية عند منطقة “أم قصر” جنوبي البصرة. وكان من المفترض أن تعمل لجنة مشتركة بين البلدين على تنظيم الملاحة في الممر البحري، والاتفاق على عمليات توسعته وتنظيفه، لكن قرار الاتحادية العراقية جاء وقلب الموازين رأسا علي عقب.

قد سبق ذلك تصاعد الخلاف بين البلدين وامتد ليشمل حيًا سكنيًا لمنتسبي القوة البحرية العراقية مؤلفًا من نحو 100 منزل في مدينة “أم قصر” الحدودية، يقع على الخط الحدودي، فبعدما وافق العراق على ترسيم الحدود مع الكويت في تسعينيات القرن الماضي، وتثبيت الدعامات الحدودية البرية بين البلدين، أصبح هذا الحي السكني ضمن نطاق الدعامات. طالبت حينها الكويت بإزالة هذه المنازل وقدمت مقترحًا لبناء حي سكني بديل. ووافق الجانب العراقي على المقترح الكويتي، وفي عام 2020 أنجزت الكويت مدينة سكنية بديلة مكونة من 228 منزل مع كامل الخدمات اللوجستية الأساسية، لكن لم تتم عملية الإزالة حتي الآن.

إضافة إلى مصادرة خفر السواحل الكويتي مراكب صيادين عراقيين مؤخرًا، وتوقيفهم لدخولهم بشكل غير قانوني في المياه الإقليمية الكويتية.

(*) أسباب اقتصادية وتجارية للنزاع: تعد العلامة 162 هي النقطة الأخيرة التي توقف عندها ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، والتي تم تعيينها في المراسلات بينهما، قبيل الاجتياح العراقي للكويت، وتقع في أقصى جنوب “خور عبدالله” وفي منتصف المسافة بين جزيرة بوبيان الكويتية وشبه جزيرة الفاو العراقية، اللتين تشهدان مشروعات واعدة للنقل البحري، فبين عامي 2010 و2011، وعلى ضفتين متقابلتين، وضع العراق حجر الأساس لإقامة ميناء الفاو الكبير، بينما وضعت الكويت حجر الأساس لإقامة ميناء مبارك الكبير في جزيرة بوبيان.

وفي عام 2019، تقدم العراق بشكوى ضد الكويت أمام مجلس الأمن بسبب ما اعتبره لجوء الكويت إلى القيام بتغييرات جغرافية في المنطقة الواقعة بعد “العلامة 162” من خلال تدعيم منطقة “فشت العيج” وإقامة منشآة عليها من دون موافقة الجانب العراقي، بحسب ما جاء في الشكوى العراقية.

غير أن الكويت ردت حينها أن منشأة “فشت العيج” هي مساحة من الأرض متكونة طبيعيًا فوق سطح البحر وتقع ضمن مياهها الإقليمية، وبالتالي، وبحسب المبررات الكويتية، فإن للكويت سيادة على بحرها الإقليمي.

(*) توظيف سياسي للقضية: خلال السنوات الماضية، شهدت مدن ومحافظات عراقية عدة، أبرزها البصرة، احتجاجات على الاتفاق المبرم بين البلدين، اتهم خلالها ناشطون سياسيون، هذا الاتفاق بأنه لا يحمي أراضي ومياه العراق ولا يصب في الصالح العراقي على الإطلاق، واتهمت قوى سياسية حاكمة بالتنازل عمدًا عن “خور عبدالله”.

بينما كان قرار الأمم المتحدة، الصادر عام 1993، يعد منطقة “خور عبدالله”، خطًا بحريًا فاصلًا بين الدولتين، كما أن المدافعون عن الاتفاقية مع الكويت يقولون إنها “تنسجم مع روح القرار الدولي”، لذا من المتوقع أن العراق سيكون مطالبًا بتفسير قرار المحكمة الاتحادية العليا للمجتمع الدولي، للتأكد من عدم مخالفته قرار مجلس الأمن الدولي.

ومن الجدير بالذكر أن قرار المحكمة الاتحادية استند على دعوى قدمها النائب البرلماني عن كتلة “حقوق” الموالية لميليشيا “كتائب حزب الله” سعود الساعدي، مما يشير إلى أهمية القضية في كسب تأييد الناخبين بالمناطق المطلة على الخليج العربي.

المواقف وردود الأفعال:

(&) موقف حكومتا العراق والكويت: من الملاحظ بشكل كبير علي هذا المشهد هو وجود صمت حكومي متبادل، فقد أثار قرار المحكمة الاتحادية العراقية جدلا كبير في الساحتين السياسيتين في العراق والكويت، لكن هذا الجدل يقابله صمت رسمي من حكومتي البلدين، حتى أن الاتصال الذي جرى بين وزيري خارجية العراق والكويت بعد صدور قرار المحكمة، لم يتطرق، بحسب الرواية الرسمية، إلى بحث مسألة الحدود البحرية.

على الرغم مما يقال بشأن تأجج الخلاف بين العراق والكويت، على خلفية قرار المحكمة الاتحادية العليا في العراق، إلا أن حقيقة أن المواقف المتضاربة تنحصر في صفوف بعض البرلمانيين فقط من الجانبين، ولم تنتقل إلى المستوى الحكومي، مما يعني أن آليات تحسين العلاقات وتعزيز التقارب لا تزال قائمة بشكل جيد.

وكان البلدان قد اتفقا في 30 يوليو الماضي على تشكيل لجنة عليا لإنهاء ملف ترسيم الحدود البحرية وتعزيز التعاون التجاري، وذلك في مباحثات رسمية، ، بالعاصمة العراقية بغداد بين وزير الخارجية فؤاد حسين ونظيره الكويتي الشيخ سالم عبد الله الجابر الصباح.

كما تطرقت المباحثات إلى كيفية التعاون والتنسيق بين خفر السواحل الكويتي والعراقي وحماية الصيادين العراقيين، وأكد الوزيران حينئذ علي أن “هناك اجتماعًا للجنة الفنية القانونية في 14 أغسطس 2023 في بغداد لاستكمال التشاور بالنسبة لإنهاء ترسيم الحدود البحرية”.

وعلى صعيد آخر، وخلال السنوات القليلة الماضية، وقبيل صدور قرار الاتحادية العراقية، كانت العلاقات بين العراق والكويت تتجه نحو تعزيز التقارب بينهما، حتى أن الكويت اتخذت قرارًا بفتح ملحقية تجارية في قنصليتها بمدينة البصرة جنوبي العراق، بهدف تنشيط التبادل بين البلدين.

(&) موقف مجلس التعاون الخليجي: دعا مجلس التعاون الخليجي في اجتماع لوزراء خارجيته، في دورته ال 157 يوم الخميس الموافق 7 سبتمبر الجاري في الرياض، العراق إلى احترام سيادة الكويت وعدم انتهاك القرارات والاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 833 الخاص بترسيم الحدود بين البلدين، وطالب بغداد، بالالتزام، باتفاقية تنظيم الملاحة البحرية في “خور عبد الله” المبرمة بين العراق والكويت والمودعة لدى الأمم المتحدة، مناديًا بضرورة استكمال ترسيم الحدود البحرية بين البلدين لما بعد العلامة 162، وشدد المجلس في بيانه أيضًا على رفضه القاطع لأي انتهاك يمس سيادة الكويت، مع وجوب احتفاظها بحقها في الرد عبر القنوات القانونية.

سيناريوهات محتملة:

بالنظر لطبيعة الخلاف القانونية، يمكن أن يتجه أطراف الاتفاقية للحل وفق أحد السيناريوهين التاليين:

السيناريو الأول: إعادة التصديق على الاتفاقية: وهو المحتمل حدوثه ويتمحور حول إعادة العمل بالاتفاقية مرة أخرى بهدف إقرارها والالتزام ببنودها من قبل الطرفين، ويتم ذلك من خلال دعوة الحكومة العراقية، مجلس النواب، لإعادة التصويت على هذه الاتفاقية، بما يتماشى مع قرارات المحكمة، الأمر الذي يتطلب تصويت ثلثي أعضاء مجلس النواب، حتى يعاد العمل بها.

السيناريو الثاني: اللجوء للتحكيم الدولي: في حال فشل المفاوضات بين الطرفين، واحتدام الخلاف بينهما، مما يؤدي إلى رفع المسألة إلى المحكمة الدولية لقانون البحار، والتي تنظر في النزاعات البحرية بين الدول، حيث من المحتمل بشكل كبير لجوء الكويت إلى المحكمة الدولية لقانون البحار، للفصل، في اتفاقية تنظيم الملاحة البحرية في “خور عبد الله”، استنادًا لنص المادة 14 من الاتفاقية التي تشير إلى أن “أي خلاف حول تفسير أو تطبيق هذه الاتفاقية يتم تسويته وديًا” وفي حالة فشل التوافق يحال الخلاف إلى المحكمة الدولية لقانون البحار”، وبالتالي قد يرفع الأمر إلى المحكمة للفصل فيه، حيث أن قرارها سيكون نافذًا على كلا الطرفين.

ختاما؛ بالنظر لسياسة الحكومة العراقية الحالية برئاسة محمد شياع السوداني، يجد أنها تسعى إلى التقارب مع دول الخليج، وتنأى بنفسها عن الدخول في خلافات وأزمات قد تؤدي إلى عواقب غير محمودة، خاصة وأن بغداد تريد تعزيز التعاون الاقتصادي مع دول الجوار، ومكافحة تجارة المخدرات وتلقت في الأشهر الأخيرة زيارات من مسؤولين رفيعين من تلك الدول.

كما أن الحكومة العراقية لديها مصالح مشتركة مع الكويت، والجانبين الكويتي والعراقي لديهما قنوات تواصل جيدة، وعليهما استغلالها في الحوار البناء والنقاشات التي تضمن حقوق البلدين، ولا سيما أن هناك مشاريع واتفاقيات جديدة مع الكويت، تحدثت عنها حكومة بغداد في وقت سابق. بالإضافة إلى ذلك، يجب الإشارة إلى أن هناك أيضًا مفاوضات جارية بين البلدين منذ عام 2018م، لدراسة الحقول النفطية المشتركة على الحدود بين البلدين، وسيتم تحديد السياسة الإنتاجية لكل بلد بناء على الدراسة.

لذا من المحتمل أن تسعى الحكومة العراقية لاحتواء الأمر بما يتماشى مع تعليمات المحكمة الاتحادية العليا، طبقًا لما ذكرناه في السيناريو الأول في هذا التحليل.

سارة أمين

سارة أمين، الباحثة حاصلة علي ماجستير في العلوم السياسية، شعبة العلاقات الدولية، متخصصة في دراسة شئون الشرق الأوسط والخليج العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى