الانزلاق الخطر: سيناريوهات الانفجار المحتمل بين أمريكا وإيران

مع نشر حاملة الطائرات الأمريكية “أبراهام لينكولن” في الشرق الأوسط، وبالتوازي مع بدء إيران مناورات عسكرية واسعة في مضيق هرمز، عاد شبح المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران ليخيم مجددًا على المنطقة. هذا الحشد العسكري المتبادل لا يُقرأ فقط بوصفه استعراض قوة، بل باعتباره رسالة سياسية مركبة، تحاول من خلالها الولايات المتحدة إعادة إيران إلى طاولة التفاوض بشروط جديدة، فيما ترى طهران في هذه التحركات تمهيدًا لمرحلة أكثر خشونة في إدارة الصراع.
تأسيسًا على ما سبق، يمكن طرح السؤال، وهو: كيف يمكن أن ينفلت التصعيد الأمريكي–الإيراني؟
تصعيد محسوب:
تقول واشنطن إن هدفها هو التوصل إلى اتفاق “عادل ومنصف” يمنع إيران من امتلاك سلاح نووي ويقيد نفوذها الإقليمي، بينما تصر طهران على أن أي مسار تفاوضي يجب أن يبدأ أولًا بالعودة إلى التزامات اتفاق 2015 ورفع العقوبات، قبل الحديث عن أي ترتيبات إضافية. وبين هذين الموقفين المتصلبين، تتحرك قنوات دبلوماسية ضيقة، أبرزها مفاوضات جنيف، في محاولة لاحتواء الأزمة، لكنها تصطدم بانعدام الثقة وتراكم ملفات الخلاف.
في هذا السياق، لم تعد سيناريوهات التصعيد مجرد افتراضات نظرية، بل تحولت إلى خيارات مطروحة على طاولات القرار: من ضربات أمريكية محدودة تستهدف منشآت عسكرية أو نووية، إلى حصار بحري جزئي، وصولًا إلى استهداف البنية القيادية الإيرانية. وتتعامل طهران مع هذه الاحتمالات بوصفها امتدادًا لمواجهة سابقة في يونيو 2025، حين انضمت واشنطن إلى إسرائيل في ضرب منشآت نووية إيرانية، وهو ما ترك أثرًا عميقًا في الحسابات الاستراتيجية الإيرانية.
الانزلاق الخطر:
قراءة مسار الأزمة بين واشنطن وطهران، وفقًا لما يراه بعض المتابعين من أنه احتمالات انزلاق الطرفين في مسار خطر، ووقوفهما على سياسة الحافة، يبرز سؤال جوهري، كيف يمكن للتصعيد الجاري بين الولايات المتحدة وإيران أن ينفلت من أدوات الضبط التقليدية، ويتحول من ضغط محسوب إلى مواجهة مفتوحة؟
الإجابة تبدأ من فهم طبيعة الاستراتيجية الإيرانية. فطهران لا تراهن على تحقيق نصر عسكري تقليدي أمام القوة الأمريكية الأكبر عالميًا، بل تعتمد منطق “فرض التكلفة” بدل “تحقيق النصر”. أي أنها تسعى إلى رفع كلفة الحرب على واشنطن إلى مستوى يجعل الاستمرار فيها غير مجدٍ سياسيًا أو اقتصاديًا أو بشريًا. الهدف هنا ليس هزيمة الخصم، بل إرغامه على القبول بتسوية أقل كلفة من التصعيد، عبر استنزاف تدريجي ومدروس.
عمليًا، ستعتمد إيران في أي مواجهة على مزيج من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، مع تركيز خاص على القواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج والعراق وسوريا. هذه القواعد تمثل العمود الفقري للحضور العسكري الأمريكي في المنطقة، كما أنها أكثر عرضة للاستهداف مقارنة بالأراضي الأمريكية نفسها، ما يمنح طهران قدرة على إحداث أثر مباشر وسريع في ميزان الردع.
وفي أعقاب مواجهات يونيو 2025، عملت إيران على تعزيز لامركزية أنظمة القيادة والسيطرة، بحيث لا يؤدي استهداف المراكز الرئيسية إلى شل قدرتها على الرد. هذا التكيف يعكس إدراكًا عميقا لفجوة التفوق التقليدي، ويهدف إلى ضمان “القدرة على البقاء” في بيئة قتالية عالية الكثافة، حيث يصبح الاستمرار في القتال بحد ذاته رسالة استراتيجية.
وعلى ما سبق، يمكن التأكيد على أن التصعيد لا يقتصر على واشنطن وحدها، بل يمتد إلى إسرائيل، التي تعتبرها طهران شريكًا كاملًا في أي عمل عسكري ضدها. وقد حذر مسؤولون إيرانيون من أن “الضربة المحدودة وهم”، في إشارة إلى أن أي هجوم قد يُفسر كبداية حرب شاملة. في المقابل، يلوّح الجانب الإسرائيلي بردود قاسية، ما يفتح الباب أمام دائرة تصعيد متعددة الأطراف، تتجاوز الحسابات الثنائية لتشمل شبكة أوسع من الفاعلين.
أما البعد البحري، فيمثل ساحة شديدة الحساسية. فبدل الإغلاق الكامل لمضيق هرمز — وهو خيار مكلف اقتصاديًا وقد يستفز المجتمع الدولي — قد تلجأ إيران إلى تكتيكات متقطعة وقابلة للإنكار: مضايقة السفن التجارية، زرع ألغام بحرية محدودة، أو تنفيذ هجمات بزوارق سريعة وصواريخ ساحلية. الهدف هنا ليس السيطرة البحرية، بل إدخال عنصر عدم اليقين إلى أسواق الطاقة العالمية، ورفع تكاليف التأمين والشحن، بما يخلق ضغطًا غير مباشر على القوى الكبرى.
ويبقى استهداف السفن الحربية الأمريكية السيناريو الأكثر حساسية. فطهران تدرك أن أي اشتباك مباشر مع البحرية الأمريكية قد يؤدي إلى خسائر كبيرة، لذلك تعتمد عقيدة الحرس الثوري على “تكتيكات الأسراب”، أي استخدام أعداد كبيرة من الزوارق السريعة المسلحة لإرباك الدفاعات وخلق بيئة تهديد كثيفة. هذه التكتيكات لا تهدف إلى الحسم العسكري، بل إلى إرسال رسالة ردع مفادها أن كلفة الاقتراب من السواحل الإيرانية لن تكون منخفضة.
السيناريوهات الـ3:
ثلاثة سيناريوهات محتملة للضربة، لكن يعد أكثرهم خطورة هو السيناريو الأخير، وهو الانزلاق إلى مواجهة شاملة رغم ضعف حدوثة، ويمكن رصد السيناريوهات الثلاثة على النحو التالي:
(*) السيناريو الأول،- ضربة أمريكية محدودة ومركزة: يتمثل في استهداف منشآت عسكرية أو نووية محددة بضربات دقيقة، مع تجنب الانخراط في حرب واسعة. في هذا السيناريو، ترد إيران بهجمات محسوبة على قواعد أمريكية أو عبر وكلائها الإقليميين، في محاولة لإعادة التوازن دون تجاوز عتبة الحرب الشاملة. خطورة هذا المسار تكمن في هشاشة ضبط الإيقاع، حيث قد يؤدي خطأ واحد إلى توسيع دائرة المواجهة.
(*) السيناريو الثاني،- تصعيد تدريجي متعدد الساحات: يتحول فيه الصراع إلى سلسلة من الضربات المتبادلة، تشمل البحر، والقواعد العسكرية، وربما أهدافًا إسرائيلية. هنا تدخل أطراف إقليمية أخرى على الخط، وتتآكل قدرة الدبلوماسية على اللحاق بوتيرة الأحداث، ما يجعل المنطقة أمام حالة استنزاف مفتوحة ذات كلفة عالية.
(*) السيناريو الثالث،- انزلاق إلى مواجهة شاملة: وهو الأخطر، ويحدث إذا اقتنعت طهران بأن الهدف الحقيقي للتصعيد هو تغيير النظام لا تعديل السلوك. عندها قد تنتقل من منطق الردع المحدود إلى منطق “معركة البقاء”، وتبادر باستخدام قدراتها الصاروخية والبحرية بشكل واسع قبل أن تُستنزف بضربات جوية، ما يفتح الباب أمام حرب إقليمية يصعب احتواؤها.
في النهاية، يمكن القول إن خطورة اللحظة الراهنة، تكمن في وهم السيطرة. فواشنطن تراهن على أن الضغط العسكري سيُرغم طهران على تقديم تنازلات، فيما تراهن إيران على أن رفع كلفة المواجهة سيُعيد الأمريكيين إلى منطق التسوية. وبين هذين الرهانين، تتحرك المنطقة على حافة هاوية استراتيجية.
المفارقة في هذا التصعيد، هي أن الردع، الذي يُفترض أن يمنع الحرب، قد يتحول ذاته إلى شرارتها إذا تراكمت الاستفزازات وتداخلت الحسابات. وفي بيئة مشبعة بانعدام الثقة والاستعدادات العسكرية، يصبح أي حادث صغير — صاروخ طائش، زورق سريع، أو تقدير استخباراتي خاطئ — قادرًا على إشعال سلسلة تفاعلات لا يمكن لأي طرف التحكم في نهايتها.
من هنا، لا يكمن الخطر الحقيقي في الضربة الأولى، بل في ما يليها: في منطق التصعيد المتبادل، وفي صعوبة التراجع بعد تجاوز الخطوط الحمراء. وإذا لم تُستثمر نافذة الدبلوماسية الضيقة المتبقية، فإن الشرق الأوسط قد يجد نفسه أمام مواجهة لا يريدها أحد، لكنها تصبح واقعًا بفعل التراكم وسوء الحسابات — مواجهة تبدأ محدودة، لكنها تحمل في داخلها بذور حرب إقليمية واسعة، تتجاوز أطرافها المباشرين وتمس استقرار النظام الدولي بأسره.