ما النتائج الاقتصادية المترتبة على اشتعال الحرب في الخليج؟

د. عصام قرطام..خبير مشارك بمركز رع للدراسات الاستراتيجية
تشكل منطقة الخليج العربي قلب الطاقة العالمي، وممرًا حيويًا للتجارة الدولية، وركيزة أساسية لاستقرار الأسواق المالية والنقدية. ومن ثمّ، فإن أي اشتعال عسكري واسع في هذه المنطقة لا يُعد حدثًا إقليميًا فحسب، بل زلزالًا اقتصاديًا عالميًا، تتجاوز آثاره حدود الجغرافيا والسياسة، ليصبح الاقتصاد ذاته أحد ميادين الحرب ونتائجها المباشرة.
تأسيسا على ما سبق، يحاول هذا التحليل الإجابة عن اليؤال: ما هي التداعيات الاقتصادية المحتملة على دول الخليج نتيجة الدائرة؟
صدمة أسعار النفط والغاز:
يمر عبر مضيق هرمز نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. وفي لحظة تتحول فيها الجغرافيا إلى ساحة صراع، يصبح أمن الطاقة أول ضحايا الحرب. فأي تهديد لهذا الممر سيؤدي إلى:
١. ارتفاع حاد وفوري في أسعار النفط.
٢. قفزات في أسعار الغاز الطبيعي، خاصة لدى الدول الأوروبية والآسيوية.
٣. زيادة تكاليف النقل البحري والتأمين على السفن.
٤. النتيجة المباشرة: موجة تضخم عالمية جديدة، تضغط على اقتصادات لم تتعافَ بعد من آثار أزمات متلاحقة.
اضطراب الأسواق المالية:
تُعد أسواق الخليج من أكثر الأسواق ارتباطًا بالطاقة والاستثمارات السيادية. ومع اندلاع الحرب، تدخل الأسواق في منطق الخوف لا الحساب:
١. هبوط مؤشرات البورصات الإقليمية.
٢. انتقال رؤوس الأموال إلى “الملاذات الآمنة” كالذهب والدولار.
٣. تراجع شهية المستثمرين للمخاطرة في الأسواق الناشئة.
وقد نشهد موجة بيع واسعة في الأسواق العالمية، خصوصًا إذا تحولت المواجهة إلى صراع مفتوح تتدخل فيه قوى كبرى مثل الولايات المتحدة أو إيران بشكل مباشر.
تراجع الاستثمارات وتعطّل المشاريع الكبرى:
تقود دول الخليج خططًا طموحة لتنويع اقتصاداتها (السياحة، التكنولوجيا، الطاقة المتجددة). غير أن مناخ الحرب يعيد ترتيب الأولويات من التنمية إلى الأمن، بما يعني:
١. تجميد أو تأجيل المشاريع العملاقة.
٢. هروب الاستثمارات الأجنبية.
٣. ارتفاع تكلفة الاقتراض السيادي.
وهذا سينعكس على معدلات النمو وفرص العمل، ليس فقط في الخليج، بل أيضًا في الدول المرتبطة به اقتصاديًا مثل مصر والأردن وباكستان والهند.
تأثيرات مباشرة على مصر والمنطقة العربية:
بالنسبة لمصر، قد تحمل الحرب وجهين متناقضين:
(*) الأول،- إيجابي محتمل: ارتفاع أسعار النفط قد يعزز إيرادات قناة السويس إذا استمرت حركة الملاحة.
(*) الثاني،- سلبي محتمل: تراجع تحويلات المصريين العاملين بالخليج حال تعطل النشاط الاقتصادي. وزيادة فاتورة الاستيراد البترولي مع قفز الأسعار. وضغوط إضافية على سعر العملة ومستويات التضخم المحلي.
وهكذا تتحول الحرب في الخليج إلى عامل ضغط غير مباشر على الاستقرار الاقتصادي في دول الإقليم.
أزمة سلاسل الإمداد العالمية:
الخليج ليس مجرد مصدر للطاقة، بل عقدة لوجستية تربط آسيا بأوروبا. ومع تحول الممرات البحرية إلى نقاط توتر عسكري، قد نشهد:
١. تعطّل الشحن البحري.
٢. تأخير تسليم البضائع.
٣. ارتفاع أسعار السلع الأساسية عالميًا.
وهو ما يعيد العالم إلى أجواء اضطرابات سلاسل الإمداد التي شهدها خلال جائحة كورونا، ولكن هذه المرة بفعل الحرب لا الوباء.
سباق تسلح واستنزاف مالي:
الحروب لا تستهلك الذخائر فقط، بل تستنزف الاحتياطيات النقدية والصناديق السيادية، فزيادة الإنفاق العسكري تعني:
١.. تقليص الإنفاق التنموي.
٢. استنزاف الفوائض المالية.
٣. تراجع برامج الإصلاح الاقتصادي.
وعلى ما سبق، تتحول الموارد من بناء المستقبل إلى تمويل الصراع.
إن اشتعال الحرب في الخليج لن يكون مجرد صراع عسكري، بل أزمة اقتصادية عالمية مركّبة تمس الطاقة والتجارة والاستثمار والاستقرار المالي.
فالاقتصاد العالمي اليوم هشّ، وأي شرارة في منطقة بحجم وأهمية الخليج قد تدفع العالم نحو ركود جديد، وربما نحو إعادة تشكيل خريطة التحالفات الاقتصادية والنقدية، حيث تُفرض التوازنات بقوة النار قبل أن تُعاد صياغتها بقوة السوق. بالتالي يبقى السؤال: هل تتغلب لغة المصالح الاقتصادية على منطق السلاح؟ أم أن العالم مقبل على مرحلة إعادة توازن تُكتب معادلاتها أولًا في ميادين الحرب؟