تثبيت النفوذ: كيف تتحرك روسيا تجاه آسيا الوسطى؟

على السعدني- باحث بوحدة الدراسات الدولية 

تشهد منطقة آسيا الوسطى خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في أهميتها الجيوسياسية، في ظل تنامي حدة التنافس الإقليمي والدولي عليها، وذلك نظرًا لموقعها الاستراتيجي الذي يربط بين روسيا والصين وأفغانستان، فضلًا عن ما تمتلكه من موارد طبيعية، ومسارات حيوية للنقل والطاقة تمر عبرها. وفي هذا السياق، تمثل آسيا الوسطى أحد أبرز مجالات الاهتمام في السياسة الخارجية الروسية، باعتبارها مجالًا حيويًا تقليديًا لموسكو منذ الحقبة السوفيتية، وعمقًا استراتيجيًا وأمنيًا مباشرًا لحدودها الجنوبية.

وفي هذا الإطار، برزت خلال الفترة الأخيرة مبادرات تنظيمية جديدة على مستوى العلاقات الروسية – الآسيوية الوسطى، من بينها خطة العمل المشتركة للفترة (2025–2027)، التي جرى اعتمادها خلال القمة التي جمعت روسيا ودول آسيا الوسطى في دوشانبي في أكتوبر 2025. ويعكس هذا التوجه سعي موسكو إلى تحويل علاقاتها مع دول المنطقة من نمط التعاون الثنائي التقليدي إلى إطار مؤسسي شامل. وفي هذا السياق أيضًا، انعقدت مشاورات رفيعة المستوى في موسكو يوم 22 يناير 2026، لمتابعة تنفيذ خطة العمل المشتركة، حيث تسعى الحكومة الروسية إلى ترجمة الاتفاقيات السياسية إلى مبادرات عملية، خاصة في مجالات الطاقة والاقتصاد.

وتأسيسًا على ما سبق، يسعى هذا التحليل إلى استكشاف عمق التحرك الروسي تجاه آسيا الوسطى، من حيث الأهداف الاستراتيجية والأدوات التي توظفها موسكو، مع تسليط الضوء على التحديات الإقليمية والدولية التي تواجهها في مسعاها لإعادة تأكيد موقعها كقوة محورية في المنطقة.

الأهمية الاستراتيجية لآسيا الوسطى في الفكر الروسي:

عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، أعاد الفكر الجيوسياسي الروسي صياغة نظرته تجاه آسيا الوسطى، باعتبارها مجالًا حيويًا تاريخيًا يمثل امتدادًا جغرافيًا وأمنيًا للفضاء الروسي. ويعكس هذا التوجه رغبة موسكو في استعادة مجال نفوذها وعمقها الاستراتيجي في المحيط السوفيتي السابق، ضمن سعيها للحفاظ على مكانتها كإحدى القوى الكبرى.

(*) الموقع الجيوسياسي الحيوي: تُعد آسيا الوسطى ذات أهمية استراتيجية كبرى في الرؤية الجيوسياسية الروسية، نظرًا لموقعها الجغرافي المركزي بين كتل سياسية وجغرافية مؤثرة، وهو ما يمنحها وظيفة المنطقة العازلة التي تحدّ من الاحتكاك المباشر بين القوى الإقليمية والدولية. وتمثل المنطقة قلب المجال الأوراسي، الأمر الذي يجعل السيطرة أو التأثير فيها عنصرًا جوهريًا لضمان نفوذ روسي طويل المدى في محيطها الحيوي.

وبناءً على ذلك، تستند الاستراتيجية الروسية تجاه آسيا الوسطى إلى العقيدة الجيوسياسية الأوراسية، التي تهدف إلى إعادة إنتاج النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري الذي فقدته موسكو عقب تفكك الاتحاد السوفيتي، إلى جانب تعزيز حضورها عبر فرض نموذجها السياسي والأمني والاقتصادي.

وترى موسكو أن آسيا الوسطى تمثل جزءًا من عمقها الجيوسياسي، وتسعى من ثمّ إلى إعادة تموضع أمنها الحدودي، وخلق بيئة إقليمية مستقرة، ومنع تشكّل تحالفات مناوئة لها في نطاقها الجغرافي القريب. ويعكس السلوك الروسي رغبة واضحة في استعادة مكانة الدولة الكبرى عبر أدوات متعددة، تشمل القوة العسكرية والقوة الناعمة، في ظل بيئة تنافسية متزايدة تضم قوى مثل الصين وإيران والولايات المتحدة، بما يضمن الحفاظ على المصالح القومية الروسية في المنطقة.¹

(*) الاعتبارات السياسية والعسكرية والاقتصادية: تنظر موسكو إلى استقرار آسيا الوسطى باعتباره مسألة ترتبط ارتباطًا مباشرًا بأمنها القومي، حيث تمثل المنطقة خط الدفاع الأول أمام التهديدات القادمة من الجنوب، مثل الإرهاب العابر للحدود، والتطرف، وتهريب المخدرات، خاصة في ظل القرب الجغرافي من أفغانستان. كما تخشى روسيا من تحوّل دول آسيا الوسطى إلى ساحات نفوذ للقوى الدولية المنافسة، وهو ما تعتبره اختراقًا مباشرًا لمجالها الحيوي.

ومن هذا المنطلق، تسعى موسكو إلى تعزيز حضورها العسكري والأمني في بعض دول المنطقة، وتكثيف التعاون الدفاعي عبر الأطر الجماعية، وإعادة تنظيم المنظمات الإقليمية بما يسمح لها بلعب دور مركزي، مع انحسار الدور الغربي. كما تولي اهتمامًا خاصًا لمفهوم الأمن الأوراسي، عبر إعادة رسم توازنات وتحركات استراتيجية جديدة تهدف إلى استعادة مكانتها الجيوسياسية التي فقدتها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

ولا تقتصر أهمية آسيا الوسطى على البعدين الأمني والسياسي، بل تمتد إلى البعد الاقتصادي والجيو–اقتصادي، حيث تمثل المنطقة ممرًا بريًا استراتيجيًا يربط روسيا بجنوب آسيا، وتحتوي على موارد مهمة من النفط والغاز. وتسعى موسكو إلى التحكم في مسارات الطاقة وخطوط الأنابيب، وتعزيز حضورها في مشروعات استخراج وتصدير الطاقة، خاصة عبر بحر قزوين، بما يدعم نفوذها الاقتصادي ويحدّ من التغلغل الغربي في المنطقة.²

أدوات التحرك الروسي في آسيا الوسطى:

بعد تحديد أهمية آسيا الوسطى في الفكر الروسي، يصبح من الضروري الانتقال إلى أدوات السياسة الخارجية التي توظفها موسكو في تعاملها مع المنطقة. وتعتمد روسيا على مزيج متكامل من الأدوات الأمنية والعسكرية والاقتصادية والسياسية والثقافية، بهدف تعزيز نفوذها في دول آسيا الوسطى، في مواجهة التنافس الدولي والإقليمي المتزايد.

(-) الأدوات الأمنية والعسكرية: تنطلق السياسة الروسية من تصور أوراسي يعتبر آسيا الوسطى جزءًا من المجال الحيوي الروسي، وليس ساحة خارجية تقليدية. ومن ثمّ، تلعب الأدوات الأمنية والعسكرية دورًا محوريًا في تثبيت النفوذ الروسي ومنع اختراقه من قبل قوى منافسة.

وتوظف موسكو الأداة العسكرية لضبط التوازنات الاستراتيجية طويلة المدى، بما يمنحها قدرة على التدخل غير المباشر في تفاعلات المنطقة. كما تسعى إلى منع نشوء فراغ جيوسياسي قد تملؤه قوى مثل الولايات المتحدة أو حلف الناتو. ويؤدي اعتماد دول آسيا الوسطى على المظلة الأمنية الروسية إلى نشوء حالة من التبعية الأمنية، التي تنعكس بدورها على مواقفها السياسية، بما يعزز استمرارية النفوذ الروسي.

(-) الأدوات الاقتصادية والسياسية: بالتوازي مع البعد الأمني، توظف روسيا الأداة الاقتصادية وفق منطق جيو–اقتصادي يهدف إلى خلق علاقات غير متكافئة، حيث يمنحها التحكم في مسارات الطاقة وشبكات النقل قدرة على ممارسة ضغوط غير مباشرة على دول المنطقة، وربط خياراتها الاقتصادية بالبنية التي تقودها موسكو.

أما على الصعيد السياسي، فتعتمد الاستراتيجية الروسية على التعامل المباشر مع النخب الحاكمة باعتباره مدخلًا رئيسيًا للتأثير الداخلي، وتسعى إلى بناء علاقات وثيقة مع مراكز صنع القرار بما يضمن استمرارية نفوذها. وتميل موسكو إلى دعم الأنظمة القائمة والاستقرار السلطوي، على حساب التحولات السياسية التي قد تفتح المجال أمام نفوذ خارجي منافس.

(-) الأدوات الدبلوماسية والقوة الناعمة: دبلوماسيًا، تسعى موسكو إلى إدارة التنافس الدولي داخل مجال نفوذها بدلًا من منعه، من خلال توظيف المنظمات الإقليمية والآليات متعددة الأطراف لتنظيم التفاعلات الإقليمية، بما يحفظ دورها المحوري ويحول دون هيمنة قوة واحدة على المنطقة، لا سيما الولايات المتحدة.

وتُستخدم الدبلوماسية كأداة لإعادة هندسة النظام الإقليمي بما يتوافق مع رؤية موسكو للتعددية القطبية. وفي هذا الإطار، تلعب القوة الناعمة دورًا تكميليًا، عبر الخطاب الأوراسي والروابط الثقافية واللغوية والإرث السوفيتي، لتقديم روسيا كقوة حضارية ذات امتداد تاريخي في آسيا الوسطى.³

التنافس الدولي على آسيا الوسطى وتأثيره على الدور الروسي:

لم تعد آسيا الوسطى ساحة نفوذ روسية منفردة، بل تحولت إلى مجال تنافس مفتوح بين قوى دولية وإقليمية متعددة، وهو ما يفرض على موسكو ضغوطًا متزايدة للحفاظ على موقعها الاستراتيجي في المنطقة، في ظل التمدد الاقتصادي الصيني، والمحاولات الغربية للعودة، وتصاعد أدوار قوى إقليمية أخرى.

(*) التنافس الروسي – الصيني: رغم الشراكة الاستراتيجية بين موسكو وبكين، تمثل آسيا الوسطى ساحة توازن دقيق بين الطرفين. فقد عززت الصين حضورها عبر أدوات اقتصادية وأمنية، وتُعد منظمة شنغهاي للتعاون إحدى الأدوات الرئيسية للاستراتيجية الصينية في المنطقة.⁴

وشهدت العلاقات الاقتصادية بين الصين ودول آسيا الوسطى نموًا ملحوظًا، حيث تجاوز حجم التبادل التجاري نحو 89.4 مليار دولار عام 2023، ليتخطى حاجز 100 مليار دولار بحلول 2026، خاصة مع كازاخستان وأوزبكستان. كما أسهمت مبادرة الحزام والطريق في تكريس النفوذ الصيني، من خلال مشروعات البنية التحتية والسكك الحديدية، لا سيما مشروع الربط بين الصين وقيرغيزستان وأوزبكستان.

في المقابل، تسعى روسيا إلى تثبيت حضورها العسكري والأمني، حيث تمتلك أكبر انتشار عسكري في المنطقة، خاصة في طاجيكستان وقيرغيزستان، إضافة إلى منشآت استراتيجية في كازاخستان، بما يعكس اعتماد موسكو على استراتيجية احتواء دفاعي للحفاظ على نفوذها في ظل انشغالها بالحرب في أوكرانيا.⁵

(*) الحضور الغربي في آسيا الوسطى: يشكل الحضور الغربي أحد أبرز ملامح التنافس في آسيا الوسطى، انطلاقًا من إدراك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي للأهمية الاستراتيجية للمنطقة باعتبارها حلقة وصل بين آسيا وأوروبا، ومصدرًا بديلًا للطاقة.

وسعت واشنطن إلى تعزيز انخراطها الاقتصادي والسياسي مستفيدة من التراجع الروسي النسبي، بهدف تنويع شراكات دول المنطقة وتقليل اعتمادها على موسكو. كما أسهمت الحرب الروسية–الأوكرانية في إعادة إحياء الاهتمام الغربي بآسيا الوسطى، خاصة مع السعي الأوروبي لتقليل الاعتماد على الغاز الروسي، وفتح مسارات نقل بديلة تتجاوز الأراضي الروسية، وعلى رأسها كازاخستان كمصدر محتمل للطاقة والمواد الخام.⁶⁷

في النهاية، يمكن القول أن التحرك الروسي تجاه آسيا الوسطى لا يقتصر على التواجد العسكري أو السياسي التقليدي، بل يقوم على استراتيجية متعددة الأبعاد تهدف إلى الحفاظ على النفوذ، وضمان أمن الحدود، والتحكم في الموارد والمسارات الحيوية للطاقة والنقل. وتعكس الأدوات الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية والثقافية التي توظفها موسكو سعيها لتثبيت موقعها كقوة إقليمية كبرى، في ظل تصاعد النفوذ الصيني ومحاولات الحضور الغربي.

وتتعامل روسيا بحذر داخل بيئة توازنات معقدة، سعيًا لتثبيت نفوذها دون الانزلاق إلى صدامات مباشرة، بما يضمن استمرار سيطرتها على مفاصل الأمن والاستقرار السياسي والاقتصادي في المنطقة. وفي ضوء ذلك، تظل آسيا الوسطى ساحة حيوية تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى، ويظل الدور الروسي فيها عاملًا حاسمًا في تشكيل النظام الإقليمي الأوراسي خلال السنوات المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى