تحديات وفرص: المحاور العشرة للمؤتمر الاقتصادي العالمي للحكومة المصرية

عقدت الحكومة المصرية برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي يوم الأحد الماضي الموافق 15 من مايو 2022 مؤتمراً صحفياً وصفته بعض المصادر بالعالمي، بسبب حجم التغطية الإعلامية الكبيرة لهذا المؤتمر من مختلف وسائل الإعلام المحلية والدولية ، وذلك للإعلان عن الخطة المصرية لمواجهة تداعيات الأزمة الأوكرانية على الاقتصاد المصري، وكيفية التعامل مع تداعيات الأزمة الاقتصادية الحالية ، وجاء عقد هذا المؤتمر بتكليف من الرئيس عبد الفتاح السيسي قبل أسابيع قليلة للحكومة، بالتجهيز لمؤتمر عالمي للإعلان عن إجراءاتها في مواجهة تداعيات الأزمات الاقتصادية.

من هذا المنطلق، تقدم هذه الورقة التحليلية استعراضاً وتقيماً للخطة الاقتصادية المصرية لمواجهة انعكاسات الحرب الروسية الأوكرانية على الاقتصاد المصري.

التقييم المصري لحالة الاقتصاد الدولي:

وضح من خلال هذا المؤتمر أن التقييم المصري للوضع الراهن للاقتصاد الدولي يدور حول تخوفات واقعية من واقع بعض المؤشرات الخاصة بالتضخم العالمي وتراجع نسب النمو وارتفاع مستويات الديون بالنسبة للدول النامية والفقيرة، حيث أكد هذا المؤتمر على أن العالم يمر بأسوأ أزمة اقتصادية منذ عشرينيات القرن الماضي، أدت الى خفض توقعات نمو الاقتصاد العالمي. فوفقا للتقييمات الأولية، سيتكبد الاقتصاد العالمي خسائر تُقدر بنحو تريليون دولار، في شكل انكماش الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحوالي 1% بنهاية عام 2022، مع زيادة التضخم العالمي بنحو 3 % خلال العام ذاته، وفى ظل توقعات بارتفاع مستوى الدين عالمياً ليبلغ 303 تريليون دولار، كما أن 60% من بلدان العالم الأشد فقراً أصبحت مديونياتها فى حالة حرجة.

ونشير إلى أن الحكومة المصرية كانت قد اتخذت منذ وقوع الأزمة الأوكرانية في فبراير الماضي مجموعة من الإجراءات الاستباقية للتقليل من تأثير تلك الأزمة على الاقتصاد المصرى، خاصة فيما يتعلق بارتفاع أسعار بعض السلع الاستراتيجية، وصعوبات التصدير والاستيراد مع دول الأزمة خاصة روسيا وأوكرانيا، حيث وضعت مصر 130 مليار جنيه للتقليل من التأثير المباشر الأزمة الروسية الأوكرانية خلال الفترة الحالية  نتيجة زيادة أسعار السلع، و 335 مليار جنيه لمواجهة التأثيرات غير المباشرة  على المديين المتوسط والبعيد.

ملامح ومحاور الخطة المصرية:

وضح من خلال تصريحات رئيس مجلس الوزراء وما تم استعراضه من محاور مختلفة، أن الخطة المصرية لمواجهة الوضع الحالي للاقتصاد المصري، وللتقليل من أثار الأزمة الأوكرانية عليه ستدور حول المحاور التالية:

(أولاً)- دعم دور القطاع الخاص: حيث تم إصدار “وثيقة سياسة ملكية الدولة”، كاستراتيجية قومية تستهدف توسيع قاعدة مشاركة القطاع الخاص، والتي تعدُ خطوة رئيسية في إطار زيادة فرص مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد، وعنصر جذب للاستثمار الأجنبي، كما تسهم في تعزيز ثقة المؤسسات الدولية، بما يجعلها خطة متكاملة تستهدف تمكين القطاع الخاص، استكمالا للإصلاحات الحكومية التي تتبناها الدولة المصرية، وذلك بهدف رفع نسبة مشاركة القطاع الخاص إلى65% من إجمالي الاستثمارات. كما أنه من المستهدف تحديد أصول بقيمة 9 مليارات دولار لطرحها للقطاع الخاص خلال العام الجاري من أصل 10 مليارات أعلن في وقت سابق عن طرحها،

(ثانياً)- إدارة أصول الدولة: تعتزم الحكومة المصرية تدشين صندوق فرعي يتبع صندوق مصر السيادي، لإدارة برنامج طروحات الشركات الحكومية في البورصة، وذلك بالشراكة مع هيئة الرقابة المالية وشركات قانونية دولية، بحيث يجابه كل الصناديق السيادية الدولية ، كما تم تحديد أصول بقيمة 15 مليار دولار للطرح العام المقبل 2023، في قطاعات الطاقة الجديدة والمتجددة – التعليم – الصحة – الاتصالات.

كذلك طرح أصول بقيمة 9 مليارات جنيه بنهاية العام الحالى 2022، ما بين أصول عقارية وخدمات مالية وتكنولوجيا المعلومات والصناعة والزراعة، تنفيذا لتوجيهات رئاسية بالإسراع في تعظيم العائد من المشروعات التنموية المختلفة في مجالات البنية الأساسية واستغلال الأصول بشكل أمثل.

(ثالثاً)- إدارة السياسة النقدية: سبق وأن أعلن البنك المركزي المصري رفع أسعار الفائدة 1% (100 نقطة أساس)، في اجتماع استثنائي خلال مارس الماضي، في محاولة لامتصاص موجة التضخم، ولجذب استثمارات الأجانب بالدولار لأدوات الدين الحكومية، بعد أن خرجت بعض رؤؤس الموال الأجنبية من مصر، عقب الأزمة الروسية الأوكرانية، إذ تراجع سعر صرف الجنيه المصري بنحو 17% في الأسبوع الأخير من مارس. وفي السياق ذاته تم إصدار شهادات ادخارية مدتها سنة بعائد سنوي 18% يصرف شهرياً من قبل بنك مصر والبنك الأهلي المصري، وقد بلغت حصيلة الشهادات أكثر من 200 مليار جنيه حتى الآن.

(رابعاً)- دعم القطاعات الإنتاجية: تم تحديد 16 جنيهاً كقيمة للدولار الجمركى للسلع الأساسية ومستلزمات الإنتاج حتى نهاية أبريل 2022، مع إعفاء الشركات التي قد تتعثر في توريد مهماتها للمشروعات الحكومية في مواعيد التوريد المتفق عليها، من غرامات التأخير لمدة شهري، كما تتحمل الخزانة العامة للدولة نحو 4 مليار جنيه، وهو قيمة الضريبة العقارية المستحقة عن قطاعات الصناعة لمدة ٣ سنوات، كما بلغت نسبة زيادة الفئات التسليفية لجميع المحاصيل الزراعية 25% لدعم ومساعدة صغار المزارعين لتحمل تكاليف الزراعة في مواجهة أي زيادة قد تطرأ على أسعار مدخلات الإنتاج والتشغيل.

(خامساً)- دعم المشروعات التنموية الخضراء: أى المشروعات التى لا تسبب التلوث البيئي والمناخى، من خلال إصدار “الرخصة الذهبية” لهم ، ويرجع مصطلح “الرخصة الذهبية” إلى اجتماع مجلس الوزراء في 23 ديسمبر 2021، حيث أكد رئيس الحكومة، إنها ستمنح مرة واحدة لبعض من المشروعات التنموية تشمل 3 مجالات وهي : الهيدروجين الأخضر، وصناعة السيارات الكهربائية والبنية التحتية، ومشروعات تحلية مياه البحر والطاقة المتجددة، بحيث يحصل المشروع على الرخصة الذهبية من الحكومة دون الحاجة إلى اتخاذ أي إجراء أخر.

(سادساً)- تنشيط البورصة: تجرى الحكومة المصرية حالياً دمجاً لأكبر 7 موانئ تحت مظلة كيان واحد تمهيداً لطرحها في سوق المال، خلال الفترة المقبلة، بالإضافة إلى دمج 7 فنادق تابعة لقطاع الأعمال لطرحها أيضاً في البورصة، على أن يتم الطرح بشكل رئيسي للمصريين مع إتاحة نسبة للمستثمرين الأجانب. كذلك طرح 12 شركة حكومية في البورصة المصرية قبل نهاية 2022 منها شركتان تتبعان لجهاز المشروعات الوطنية التابع للقوات المسلحة و10 شركات تتبع قطاع الأعمال العام. كما وضعت الحكومة خطة لتنشيط سوق المال تشمل 21 إجراء بهدف اجتذاب سيولة جديدة للبورصة. ، فضلاً عن إعفاء صناديق الاستثمار في أدوات الدين، وصناديق الاستثمار في الأسهم المقيدة بالبورصة، وصناديق وشركات رأس مال المخاطر من الضريبة، كذلك إنشاء كيان شفاف ضريبياً لاستثمار الأفراد في البورصة المصرية عن طريق متخصصين مما يخلق بيئة استثمارية جيدة لدعم الاقتصاد المصري.

(سابعاً)- تشجيع الشركات الناشئة: حيث وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي، بتأسيس الشركات عن طريق الإخطار رقمياً من خلال منصة تقام لهذا الغرض. ويأتي ذلك في إطار إزالة جميع المعوقات أمام الشركات الناشئة ورواد الأعمال؛ والسماح بفتح الشركات الافتراضية دون التقيد بضرورة وجود مقر فعلي لها، وذلك بهدف توفير النفقات والتسهيل على تلك الشركات.

(ثامناً)- المعاملات الضريبية: من خلال وضع آلية تسمح بخصم الضريبة على التوزيعات ضمن الهياكل الضريبية المركبة، تشجيعاً للاستثمارات في مصر، بشرط ألا تستخدم لتجنب الضريبة، وكذلك تعديل المعاملة الضريبية لصناديق الاستثمار، لتشجيع الاستثمار المؤسسي، الذي يدعم الاقتصاد والشركات الناشئة، مع وضع ضوابط تضمن سلامة التنفيذ. وتفعيل القوائم البيضاء لاستيراد المكونات الإليكترونية للشركات المتخصصة. كما أعلنت الحكومة أنه سيتم إطلاق قانون جديد لإعفاء المشروعات الصناعية فى المدن الجديدة والحدودية من بعض الأعباء الضريبية.

(تاسعاً)- حزمة إجراءات الحماية الاجتماعية: أعلنت الحكومة المصرية أنه سيتم تدبير 7.2  مليار جنيه لضم 450  ألف أسرة جديدة للمستفيدين من “تكافل وكرامة” ، وأيضاً تم تخصيص 190 مليار جنيه للهيئة القومية للتأمين الاجتماعي لصرف زيادة المعاشات بنسبة 13٪ بدءاً من أول أبريل 2022، إلى جانب زيادة حد الإعفاء الضريبي من 24  إلى 30 ألف جنيه، بنسبة 25٪ للتخفيف عن المواطنين. وتشمل الإجراءات المالية والحماية الاجتماعية كذلك، تطبيق زيادة المرتبات في الأول من إبريل 2022 بدلاً من أول يوليو 2022، كما سيتم تدبير 36 مليار جنيه لصرف العلاوة الدورية للمخاطبين بالخدمة المدنية والعلاوة الخاصة لغير المخاطبين والحافز الإضافي، إلى جانب إقرار زيادة 8% من الأجر الوظيفي بحد أدنى 100 جنيه شهرياً، والعلاوة الدورية للمخاطبين بالخدمة المدنية بعد زيادتها من 7%، فضلاً عن 15٪ من الأجر الأساسي علاوة خاصة لغير المخاطبين بالخدمة المدنية .

(عاشراً)- تأمين إمدادات القمح: تعمل الدولة المصرية على محاور متعددة لرفع نسبة الاكتفاء من القمح، عن طريق محورين أساسيين، وهما: محور التوسع الأفقي، ويتمثل في إقامة المشروعات القومية التي تستهدف زيادة الرقعة الزراعية للتغلب على ظاهرة التعديات على الأراضي الزراعية والزحف العمراني، كذلك مشروعات كبيرة في تنمية شمال وسط سيناء، الدلتا الجديدة، وتوشكى.المحور الثاني هو التوسع الرأسي، ومصر تعتبر من أعلى الدول في إنتاجية وحدة فدان القمح، إذ يصل متوسط إنتاجية الفدان حاليا حوالي 2.8 طن أو من 19-20 أردب قمح، وبالتالي هذا يعد جهداً ملحوظا للدولة المصرية في هذا المجال .كما نجحت مصر فى انتاج 10 مليون طن من القمح فى العام الحالى بزيادة مليون طن عن انتاج عام 2021 ، كذلك استكمال المراحل التالية لمشروع الصوامع الاستراتيجية، لزيادة الحجم الاستيعابي والتخزيني لها مما أدى زيادة السعة التخزينية للصوامع الى 5.5 مليون طن مقارنة ب 4.1 مليون طن فى عام 2015 . ومنح حافز توريد إضافي لسعر أردب القمح المحلى للموسم الزراعي الحالي لتشجيع المزارعين على توريد أكبر كمية ممكنة، إلى جانب العمل على تنويع مصادر توفير السلع الغذائية الأساسية، والسعي نحو زيادة مخزونها لفترة مستقبلية لا تقل عن 6 أشهر، وأيضاً التنسيق بين كافة الجهات المعنية، لتوفير السلع الغذائية بأسعار منخفضة، فضلاً عن تعزيز جهود ضبط الأسواق وتشديد الرقابة على منافذ البيع.

وتأسيساً على ما سبق، يتضح شمولية الخطة المصرية لمواجهة انعكاسات الحرب الروسية الأوكرانية على الاقتصاد المصرى. فلم تنحصر الإجراءات فى اتجاه بعينه بل حرصت الحكومة المصرية على تنويع أدوات مواجهة الأزمة ، بما لا يؤدى إلى ركود اقتصادي وخمول القطاعات الإنتاجية، كما أعلنت الحكومة المصرية أنه لن يتم تأجيل أو توقف المشروعات القومية الجاري تنفيذها، ولكن سيتم ترتيب أولويات المشاريع الجديدة، خاصة المرتبطة باستيراد مكونات خارجية. وجدير بالذكر أنه لولا برنامج الإصلاح الاقتصادي بمرحلتيه منذ عام 2016 وحتى الآن، لم تكن مصر لتستطيع أن تتحمل من أول أزمة كورونا وحتى الحرب الروسية ، وتقف أمام هذه الأزمات، خاصة فى ظل أن المشروعات القومية التى تنفذها شركات القطاع الخاص والدولة فتحت الآفاق للنمو. كما أن هذه المحاور التى شملتها الخطة المصرية تضمنت خطوات الدولة لتعزيز نشاط القطاع الخاص والعمل على زيادة توطين الصناعات المصرية لمزيد من تأمين الاحتياجات وخفض درجة الارتباط بالعالم الخارجى.

 

 

د.جيهان عبد السلام

رئيس وحدة دراسات مصر -أستاذ مساعد الاقتصاد بجامعة القاهرة. -حاصلة على دكتوراه الاقتصاد بكلية الدراسات الأفريقية العليا. -عضو هيئة تحكيم البحوث الاقتصادية لدى المركز الجامعي لترامنست. -عضو هيئة تحكيم لدى كلية الاقتصاد والإدارة وعلوم التيسير. -عضو هيئة تحكيم لدى جامعة الشهيد لخضر. -خبير اقتصادي وكاتبة في العديد من المجلات العلمية ومراكز الدراسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى