معركة الوعي: كيف تُربك الدراما المصرية حسابات الإعلام الإسرائيلي؟

لم يعد حضور القضية الفلسطينية في الدراما المصرية، خاصة التي تنتجها الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، مجرد اختيار فني أو معالجة عابرة لحدث سياسي، بل بات تعبيرًا واضحًا عن دور متجدد للقوة الناعمة المصرية في تشكيل الوعي العربي. فمع كل عمل يقترب من معاناة الفلسطينيين أو يسلط الضوء على ما يجري في قطاع غزة، تتصاعد في المقابل موجات انتقاد وهجوم من وسائل الإعلام الإسرائيلية. هذا التفاعل المتكرر لم يعد استثنائيًا أو مرتبطًا بمسلسل بعينه، بل أصبح نمطًا ثابتًا يعكس حساسية إسرائيلية متزايدة تجاه التأثير الثقافي المصري في المنطقة. فالمسألة تجاوزت حدود الخلاف حول مضمون درامي، لتتحول إلى جزء من معركة أوسع تتعلق بالصورة والرواية والتأثير في الرأي العام العربي.

“صحاب الأرض”… أحدث محطات الجدل:

جاء مسلسل “صحاب الأرض”، المعروض ضمن دراما رمضان 2026، ليشعل موجة جديدة من الانتقادات في الإعلام الإسرائيلي. فقد اعتبرت القناة 12 العبرية أن الإنتاج الضخم للعمل وطبيعة موضوعه يمنحانه أبعادًا سياسية واضحة، خاصة مع عرضه عبر التلفزيون المصري الرسمي. وركزت القناة على أن المسلسل يتناول الحرب في غزة من منظور إنساني ينحاز لمعاناة المدنيين الفلسطينيين، وهو ما وصفته بأنه طرح لا يُظهر إسرائيل بصورة إيجابية.

كما توقفت صحف إسرائيلية، من بينها يديعوت أحرونوت، عند مشاركة الممثل آدم بكري، نجل المخرج محمد بكري صاحب فيلم “جنين جنين”، معتبرة أن اختيار فريق العمل يحمل دلالات تتجاوز الإطار الفني.

ولم تكتفِ التغطية الإسرائيلية بنقد الحبكة أو الأداء، بل تعاملت مع العمل بوصفه رسالة سياسية موجهة، في إشارة واضحة إلى إدراك تأثير الدراما المصرية في تشكيل الصورة الذهنية لدى الجمهور العربي.

“مليحة”… الرواية الفلسطينية في قلب المشهد:

لم يكن “صحاب الأرض” هو العمل الأول الذي يثير هذا النوع من التفاعل. فعند عرض مسلسل “مليحة” ضمن دراما رمضان 2024، شنّت صحف إسرائيلية، أبرزها معاريف وهآرتس، هجومًا على العمل، معتبرة أنه يتبنى الرواية الفلسطينية ويتجاهل وجهة النظر الإسرائيلية.

وربطت بعض التحليلات توقيت عرضه بتطورات الأحداث في غزة، مشيرة إلى أن بثه خلال شهر رمضان يمنحه تأثيرًا مضاعفًا بسبب ارتفاع نسب المشاهدة. كما أبدت تلك الصحف قلقها من انعكاس محتوى المسلسل على الرأي العام العربي، في ظل الانتشار الواسع للدراما المصرية داخل المنطقة وخارجها.

“النهاية”.. عندما دخلت الدبلوماسية على الخط:

في عام 2020، بلغ الجدل مستوى رسميًا مع عرض مسلسل “النهاية” بطولة يوسف الشريف. حينها أصدرت وزارة الخارجية الإسرائيلية بيانًا أعربت فيه عن استيائها من بعض مشاهد العمل، ووصفتها بأنها “غير مقبولة”، معتبرة أن مضمونها يتعارض مع روح اتفاقية السلام الموقعة بين مصر وإسرائيل منذ أكثر من أربعة عقود.

عكست تلك الواقعة تحولًا لافتًا؛ إذ لم يعد الأمر مقتصرًا على نقد صحفي أو تحليل إعلامي، بل أصبح موضوعًا دبلوماسيًا، ما كشف حجم الحساسية المرتبطة بالصورة التي تقدمها الدراما المصرية عن إسرائيل ومستقبل العلاقة معها.

أبعاد أعمق من مجرد نقد فني:

تكشف قراءة متأنية لهذه الوقائع أن ردود الفعل الإسرائيلية لا تتعلق فقط بجودة الأعمال أو اختلاف الرؤى الفنية، بل ترتبط بما يمكن وصفه بـ”معركة السرديات”. فالصراع في المنطقة لا يُدار عبر السياسة أو القوة العسكرية وحدهما، بل يمتد إلى المجال الثقافي والإعلامي، حيث تسعى كل جهة إلى ترسيخ روايتها في وعي الجمهور.

الدراما المصرية، بحكم انتشارها التاريخي وتأثيرها العميق في الوعي العربي، تمتلك قدرة كبيرة على صياغة الصورة الذهنية. وعندما تتناول قضية بحجم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فإنها تدخل تلقائيًا نطاقًا حساسًا يتجاوز حدود الفن إلى السياسة. من هنا يمكن فهم الاهتمام الإسرائيلي المكثف بهذه الأعمال، باعتبارها جزءًا من منظومة القوة الناعمة المؤثرة في تشكيل الرأي العام.

وفي مقدمة هذه المعادلة، تتحول الشاشة إلى ساحة موازية للصراع، تُخاض عليها معارك الرموز والمعاني والانطباعات، تمامًا كما تُخاض على طاولات التفاوض أو في ساحات المواجهة.

في النهاية، يمكن القول إن ما تكشفه هذه التجارب المتتالية هو أن الدراما المصرية لم تعد مجرد منتج ترفيهي، بل أصبحت إحدى أدوات التأثير في معركة الوعي العربي. فكل مشهد، وكل حكاية، وكل زاوية إنسانية تُقدم على الشاشة، تشارك في إعادة تشكيل الإدراك الجمعي للقضية الفلسطينية، وفي تثبيت صورة معينة عن أطراف الصراع.

الانزعاج الإسرائيلي المتكرر من هذه الأعمال يعكس إدراكًا واضحًا لقوة الرواية البصرية وقدرتها على تجاوز الحدود الجغرافية والسياسية. وفي المقابل، تؤكد هذه الردود أن مصر، عبر قوتها الناعمة، لا تزال تمتلك مساحة فاعلة في تشكيل المزاج العام العربي، رغم تعقيدات الواقع الإقليمي.

إن معركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل على الوعي، وعلى من يملك سرد القصة ومن يحدد إطارها الأخلاقي والإنساني. وفي هذا السياق، تصبح الدراما المصرية جزءًا من جبهة أوسع للدفاع عن الحقيقة الإنسانية للقضية الفلسطينية، وترسيخها في وجدان الأجيال الجديدة. هكذا تتحول الشاشة إلى منصة مقاومة ثقافية هادئة، تُواجه السرديات المضادة، وتؤكد أن الوعي هو السلاح الأعمق أثرًا والأطول عمرًا.

د. نورهان العباسي

د. نورهان العباسي، نائب أول مدير المركز للدراسات و البحوث ورئيس برنامج دراسات السياسات العامة بالمركز. الباحثة أستاذ مساعد الصحافة والإعلام بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. حصلت على درجة الدكتوراه في الصحافة والإعلام من جامعة وستمنستر بالمملكة المتحدة. الباحثة عملت في العديد من مراكز الفكر العربية والدولية منها في مصر وقطر والمملكة المتحدة، وهي متخصصة في مجالات الاقتصاد السياسي للإعلام، وإدارة الأزمات الإعلامية، ودراسات التحولات المجتمعية في الدول العربية، هذا بالإضافة إلى قضايا المرأة والأقليات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى