تكلفة عابرة.. ما التداعيات الاقتصادية والمجتمعية لعنف الاحتجاجات في فرنسا؟

تُعد المظاهرات إحدى وسائل التعبير عن المطالب الاجتماعية والسياسية، ولا تمثل في حد ذاتها خسارة اقتصادية. غير أن تحول بعض الاحتجاجات إلى أعمال عنف أو تخريب قد يؤدي إلى تدمير الأصول، وتعطيل النشاط التجاري، وارتفاع الإنفاق الأمني، وزيادة أعباء التعويض وإعادة الإعمار. وتقدم فرنسا حالة مناسبة لدراسة هذه الآثار، في ضوء حركة السترات الصفراء في 2018–2019، والاحتجاجات ضد إصلاح نظام التقاعد في 2023، وأعمال الشغب التي اندلعت في أواخر يونيو ومطلع يوليو 2023 عقب مقتل مراهق خلال تدخل للشرطة في نانتير. ووفقا لتقرير مجلس الشيوخ الصادر في أبريل 2024، تضررت 672 بلدية خلال أحداث الشغب في صيف 2023، وأُحرقت أو تضررت 2,508 مبانٍ، وأُحرقت 12,031 مركبة، وتعرض أكثر من ألف متجر للتخريب أو النهب. وبلغت المطالبات التأمينية المسجلة 793 مليون يورو، بينما قُدّرت الأضرار المادية الإجمالية بنحو مليار يورو (Buffet, 2024).
عوامل متشابكة:
ثمة عوامل اجتماعية واقتصادية أدت إلى العنف المتزايد في فرنسا، هي:
(*) ارتفاع تكلفة المعيشة والضغط على القدرة الشرائية: كانت الزيادة المخططة في الضرائب على الوقود أحد محفزات حركة السترات الصفراء التي بدأت في نوفمبر 2018، ثم توسعت المطالب لتشمل تكلفة المعيشة، والعبء الضريبي، والشعور بعدم عدالة توزيع آثار الإصلاحات الاقتصادية. وذكر صندوق النقد الدولي أن الاحتجاجات توسعت من الاعتراض على ضرائب الوقود إلى قضايا أوسع مرتبطة بتكاليف المعيشة والإصلاحات الضريبية (4). وتوضح هذه الحالة أن الاحتجاجات قد تنشأ عندما ترى فئات من السكان أن تكاليف السياسات العامة لا تتوزع بصورة عادلة، حتى في غياب انهيار اقتصادي شامل. غير أن الضغوط الاقتصادية لا تؤدي تلقائيًا إلى العنف؛ إذ تتأثر النتائج بقدرة المؤسسات على الاستجابة، وبطبيعة التعبئة، وبالسياق المحلي والسياسي (Cazeneuve & Lescure, 2019; IMF, 2019).
(*) الخلاف حول إصلاحات التقاعد والسياسات العامة: شهدت فرنسا في 2023 احتجاجات واسعة ضد إصلاح نظام التقاعد، ومن أبرز عناصر الخلاف رفع السن القانوني للتقاعد تدريجيًا من 62 إلى 64 عامًا. وتختلف هذه الاحتجاجات عن أعمال الشغب التي اندلعت في أواخر يونيو 2023، رغم وقوعها في السنة نفسها. فالاحتجاجات على إصلاح التقاعد تمحورت حول توزيع أعباء الإصلاح والاستحقاقات الاجتماعية، بينما كان الحدث المباشر لأعمال الشغب اللاحقة مقتل المراهق نائل خلال تدخل للشرطة في نانتير. فكل حدث منهم سياقه المباشر، وطبيعة المشاركين، وأنماط التعبئة والآثار الاقتصادية (Buffet, 2024; Buffet, 2024a).
(*) دور وسائل التواصل الاجتماعي: يمكن لمنصات التواصل أن تسرّع انتشار الصور والمعلومات وتزيد سرعة التعبئة بعد وقوع حدث مثير للغضب. لكن وسائل التواصل لا تكفي وحدها لتفسير اندلاع الشغب أو استمراره؛ إذ تتفاعل سرعة تداول المعلومات مع السياق الاجتماعي، والحدث المباشر، والاستجابة الأمنية والسياسية. وقد أوصى تقرير مجلس الشيوخ بدراسة تنظيم الشبكات الاجتماعية وإدارة الأزمات ضمن حزمة الاستجابات الممكنة (Buffet, 2024).
(*) حجم الدمار والخسائر المادية في أحداث 2023: وفق تقرير مجلس الشيوخ الفرنسي الصادر في 9 أبريل 2024، وقعت أحداث الشغب الأساسية بين 27 يونيو و7 يوليو 2023، وأثرت في 672 بلدية موزعة على 95 مقاطعة إدارية. وقدّر التقرير عدد المشاركين في أعمال الشغب بنحو 50 ألفًا، وعدد أفراد قوات الأمن الذين جرى حشدهم بنحو 45 ألفًا. كما سجل أكثر من ألف مصاب، من بينهم 782 من أفراد قوات الأمن.

(*) المركبات والمنشآت التجارية: أُحرقت 12,031 مركبة، وتعرض أكثر من ألف متجر للتخريب أو النهب، من بينها 436 متجرًا لبيع التبغ و370 وكالة مصرفية، وفق التقرير البرلماني خلال أزمات 2023 (1). وتتفاوت الآثار الاقتصادية بحسب نوع الأصل: فقد يقتصر الضرر في بعض الحالات على الإصلاح، بينما يؤدي حرق مركبة تجارية أو تدمير متجر إلى تعطيل نشاط مهني أو فقدان مخزون أو إغلاق مؤقت. وتكون المنشآت الصغيرة والمتوسطة عرضة بشكل خاص لضغوط السيولة إذا طال الإغلاق أو تأخر التعويض. فالتغطية التأمينية للأضرار المادية لا تعني بالضرورة تعويض كل انخفاض في الإيرادات أو جميع النفقات التشغيلية خلال فترة التوقف؛ ويتوقف ذلك على وثيقة التأمين وشروطها (France Assureurs, 2023).
(*) توزيع الأضرار التأمينية بحسب نوع الممتلكات: في تقدير مرحلي نشره اتحاد شركات التأمين الفرنسية في 6 سبتمبر 2023، بلغ إجمالي المطالبات 730 مليون يورو عبر 15,600 مطالبة. ومثلت أضرار ممتلكات الشركات 65% من التكلفة، وممتلكات السلطات المحلية 27%، والمركبات 6%، وغيرها من ممتلكات الأفراد 2%. وكانت المركبات تمثل 46% من عدد المطالبات، لكنها مثلت 6% فقط من التكلفة الإجمالية في ذلك التقدير (France Assureurs, 2023). وتوضح هذه النسب أن عدد المطالبات لا يعكس بالضرورة حجم الخسارة المالية؛ فالقيمة تتأثر بنوع الأصل وحجمه وتكلفة إصلاحه أو استبداله. كما أن هذا التوزيع يتعلق بتقدير سبتمبر 2023 البالغ 730 مليون يورو، ولا يجوز تطبيق النسب تلقائيًا على التقدير النهائي البالغ 793 مليون يورو دون بيانات محدثة متجانسة (Buffet, 2024; France Assureurs, 2023).
التطورات الحديثة في أكتوبر 2026:
أفادت وكالة رويترز في 19 أكتوبر 2026 بوقوع اضطرابات واسعة في فرنسا على خلفية الغضب من تكلفة المعيشة وضعف بعض الخدمات العامة، وذكرت أن أكثر من 3,000 متجر تعرض للنهب أو الضرر وفق السلطات، مع إعلان إجراءات لمساندة الشركات المتضررة وتسريع التعامل مع مطالبات التأمين (Reuters, 2026a). بدأت الاحتجاجات في سبتمبر 2026 بسبب أوضاع المدارس ونقص المعلمين في الضواحي العمالية، ثم اتسعت إلى حراك ضد التفاوت وخفض الإنفاق العام وارتفاع الأسعار (Reuters, 2026b). وفي 17 أكتوبر دعت النقابات وحركة «السترات الصفراء» إلى احتجاجات ضد غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود، فانضم إليها طلاب وعمال ومزارعون ومتقاعدون، وتحولت في مدن عدة إلى اشتباكات مع الشرطة في واحدة من أعنف الاحتجاجات منذ سنوات (Reuters, 2026c). وانتقل المشهد بعدها إلى الإجراءات الأمنية والمالية. فقد طلب رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو من المسؤولين المحليين فرض حظر تجول موجّه، وقال إن حالة الطوارئ ستُعلن عند الضرورة، ثم رفض الرئيس ماكرون استقالة وزير الداخلية لوران نونيز بعد أن تجاوز عدد الموقوفين 2,400 (Cingari, 2026). وفي 24 أكتوبر تجددت الدعوات إلى مظاهرات جديدة، وفرّقت الشرطة احتجاجًا صغيرًا في ليون بالغاز المسيل للدموع (Euronews, 2026a, 2026b).
2.1 حجم الخراب:
(-) التجار والمتاجر: أفادت تقارير رويترز بتعرض أكثر من 3,000 متجر للنهب أو الأضرار. كما أشار تقرير متخصص في مخاطر الاضطرابات المدنية إلى تضرر نحو 50 متجرًا تابعًا لسلسلة كارفور، وإلى تصريحات لرئيس بلدية بوردو بشأن نهب ما يقارب 20 متجر في المدينة (Cingari, 2026). وتبرز هذه الأرقام اتساع نطاق الضرر الذي لحق بالقطاع التجاري، لكنها لا تمثل تقديرًا نهائيًا للتكلفة المالية، إذ يتطلب ذلك حصر قيمة الأصول المتضررة، والخسائر التشغيلية، والتعويضات المستحقة لكل منشأة (Reuters, 2026b).
(-) المرافق العامة والرموز: تعرض مبنى بلدية ليموج التاريخي لحريق كبير خلال أحداث 17 أكتوبر، أدى إلى انهيار أجزاء من سقفه وبرجه، ما أثار مخاوف بشأن تكلفة ترميم المبنى والمحافظة على قيمته التاريخية (Reuters, 2026f).. كما شهدت مرسيليا اقتحام مبنى البلدية وتخريبه، بينما تعرض المكتب السياحي في ليون للحريق. ولا تقتصر تكلفة هذه الأضرار على إعادة البناء أو الإصلاح، بل تشمل أيضًا تعطل الخدمات البلدية والسياحية، واحتمال تحمل الخزانة العامة نفقات إضافية لاستعادة المرافق إلى العمل (Associated Press, 2026).
(-) الخسائر البشرية والأمنية: تجاوز عدد الموقوفين 2,000 وأُصيب أكثر من 600 شرطي بحسب وزير الداخلية (12)، وسجلت باريس رقمًا قياسيًا بلغ 855 توقيفًا (Reuters, 2026b). وبحسب رويترز كان 2,500 شخص رهن الحجز بانتظار الاستجواب و149 رهن الحبس بانتظار المحاكمة (Reuters, 2026d). أما مرحلة الاحتجاجات الطلابية السابقة فقد شهدت نحو 6,900 شخص أُخذوا إلى الحجز، 86% منهم قاصرون (Ynetnews, 2026).
2.2 من يتحمل تكلفة أضرار الشغب؟
(#) أولاً: آلية التأمين الوطنية الجديدة. تتجه فرنسا إلى إنشاء آلية وطنية لتغطية الأضرار الناجمة عن أعمال الشغب، بموجب قانون الموازنة لعام 2026. وتهدف هذه الآلية إلى تعزيز قدرة قطاع التأمين على التعامل مع الخسائر الكبيرة، من خلال توسيع نطاق التغطية التأمينية وتوفير ضمان حكومي لدعم النظام عند تجاوز الخسائر قدرته على التحمل. غير أن تفعيل الآلية يظل مرتبطاً باستكمال الإجراءات التنفيذية والحصول على الموافقات اللازمة، مع استهداف بدء العمل بها في الأول من يناير 2027. وفي هذا السياق، تشير التقديرات المنسوبة إلى وكالة «دي بي آر إس» إلى أن خسائر أحداث أكتوبر 2026 قد لا تندرج ضمن نطاق الآلية الجديدة، وهو ما يثير تساؤلات بشأن كيفية التعامل مع هذه الخسائر قبل دخول النظام حيز التنفيذ (République française, 2026; Légifrance, 2026; Sellers, 2026b).
(#) ثانياً: دور الدولة في دعم المنشآت المتضررة. لا يقتصر دور الدولة على توفير الضمانات المالية لمنظومة التأمين، بل يمتد إلى تقديم الدعم المباشر للمنشآت التي تتعرض لخسائر تعوق استمرار نشاطها. وفي هذا الإطار، أُشير إلى إعلان رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو إتاحة الاستفادة من نظام البطالة الجزئية للمنشآت المتضررة، بما يساعدها على مواجهة تراجع النشاط والحفاظ على العمالة خلال فترة التعافي. كما تضمنت التصريحات الحكومية تعهدات بدعم أصحاب الأعمال ومحاسبة المسؤولين عن أعمال التخريب، في حين أعلن قطاع التأمين عزمه تسريع إجراءات التعويض عن الأضرار المشمولة بالتغطية التأمينية (Cingari, 2026; Reuters, 2026b, 2026d). ومع ذلك، فإن هذه التدابير لا تلغي الأعباء المالية التي قد تتحملها الخزانة العامة، سواء من خلال الدعم المباشر أو الضمانات الحكومية أو إصلاح الممتلكات العامة المتضررة.
(#) ثالثاً: الخلاف حول توزيع المسؤولية المالية: يثير حجم الأضرار الناجمة عن أعمال الشغب خلافاً حول الجهة التي ينبغي أن تتحمل العبء الأكبر من تكلفتها. فمن ناحية، تتحمل شركات التأمين التعويض عن الخسائر التي تغطيها وثائق التأمين، بينما قد يتحمل أصحاب المنشآت جزءاً من الخسائر غير المشمولة بالتغطية، فضلاً عن خسائر المبيعات وتعطل النشاط. ومن ناحية أخرى، تتحمل الدولة مسؤولية حفظ الأمن العام، وقد تضطر إلى تمويل إصلاح الممتلكات العامة وتقديم أشكال مختلفة من الدعم للمتضررين.
2.3 البعد الأوروبي:
لم تبقَ الموجة داخل فرنسا، فقد اشتدت المواجهات في لييج البلجيكية بين الشرطة وطلاب غاضبين من أوضاع المدارس وكلفة التعليم، وشهدت بروكسل إضراباً ضد خفض الإنفاق مع مواجهات بين الشرطة ومجموعات ملثمة، وسُجلت اشتباكات في ميلانو وتورينو وبولونيا أُصيب خلالها أشخاص واعتُقل العشرات في ميلانو (Walker & Caputo, 2026; Ynetnews, 2026). وذكرت تقارير صحفية أن محتجين في ألبانيا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال اشتبكوا أيضاً مع السلطات (Radio X, 2026).
وتشير التحليلات إلى أن هذه الاحتجاجات ليست حركة أوروبية واحدة، حتى مع اختلاف مطالبها، لكنها تعكس ضغوطاً مشتركة على ميزانيات الأسر ومحاولة الأجور مجاراة تكلفة الضروريات (Barnes, 2026). كما نصحت عدة حكومات أوروبية مواطنيها المسافرين إلى فرنسا بتجنب التجمعات الكبيرة، وهو أثر غير مباشر قد يضر بالسياحة (Reuters, 2026d).
ثلاث مسارات محتملة:
٣ سيناريوهات من المحتمل أن تأخذها المظاهرات خلال الفترة المقبلة، هي كالتالي:
(*) سيناريو الاحتواء،- يفترض هذا المسار نجاح الحكومة في الحد من تصاعد الاحتجاجات من خلال إجراءات تهدئة وتدابير دعم اجتماعي وخدمي. وفي هذه الحالة، قد تظل الخسائر الإضافية محدودة نسبياً، مع استمرار تحمّل التجار والمنشآت المتضررة للخسائر غير المشمولة بالتأمين، فضلاً عن الخسائر الناتجة عن تعطل النشاط خلال فترة الاضطرابات.
(*) سيناريو التجدد المتقطع،– يقوم هذا المسار على استمرار الاحتجاجات بصورة متقطعة، بما يؤدي إلى تكرار اضطراب الأنشطة التجارية والخدمية في المناطق المتأثرة. وقد يترتب على ذلك تراكم الخسائر المباشرة وغير المباشرة، ولا سيما في قطاعات التجزئة والسياحة والنقل، إلى جانب تراجع ثقة بعض المستثمرين والمستهلكين. ويتوقف أثر هذه التطورات على النمو الاقتصادي وتكلفة التمويل على مدى استمرار الاضطرابات واتساع نطاقها، فضلاً عن استجابة السياسات الاقتصادية والمالية.
(*) سيناريو تصاعد التداعيات السياسية،– يفترض هذا المسار انتقال آثار الأزمة من المجالين الأمني والاقتصادي إلى المجال السياسي، من خلال تأثيرها المحتمل في تقييم الناخبين لأداء الحكومة، والقضايا التي تتصدر النقاش العام، ومواقف القوى السياسية المختلفة. وفي هذا السياق، نقلت رويترز عن شخصية سياسية سابقة من معسكر الرئيس إيمانويل ماكرون تعليقاً بشأن مارين لوبان وتداعيات الأزمة على المشهد الانتخابي (Sellers, 2026a). ومع ذلك، لا يكفي هذا التصريح وحده لإثبات أن الأزمة ستؤدي إلى تحسن فرص لوبان الانتخابية؛ إذ يتطلب تقييم هذا الاحتمال الاستناد إلى استطلاعات رأي مؤرخة وتحليل أوسع لاتجاهات الناخبين. وتتمثل الدلالة الاقتصادية لهذا المسار في أن استمرار التوتر السياسي قد يضيف حالة من عدم اليقين بشأن توجهات السياسات العامة، بما قد يؤثر في قرارات الاستثمار والإنفاق.
السياسات المقترحة للحد من الخسائر:
١- تعزيز الاستجابة الأمنية المتناسبة مع حماية الحقوق والحريات: يتطلب الحد من خسائر أعمال الشغب حماية السكان والممتلكات، مع التمييز بين الاحتجاج السلمي وأعمال العنف والتخريب. ويمكن دعم ذلك بتحسين التنسيق بين الشرطة والبلديات ومنظمي التجمعات، وتطوير آليات الإنذار المبكر، وتوثيق الأضرار وفق معايير واضحة. وفي هذا السياق، يمكن الاستفادة من توصيات مجلس الشيوخ الفرنسي بشأن إدارة النظام العام والاستجابة المؤسسية لأحداث الشغب.
٢- معالجة مصادر التوتر الاقتصادي والاجتماعي: تستلزم الوقاية من تصاعد التوترات تعزيز الحوار بشأن السياسات المرتبطة بتكلفة المعيشة والضرائب والمعاشات، وتقييم توزيع أعبائها بين الفئات الاجتماعية، إلى جانب تحسين فرص العمل والخدمات العامة والاستجابة للمشكلات المحلية. وقد تسهم معالجة المطالب المشروعة مبكرًا في الحد من مخاطر التصعيد، دون افتراض أن هذه العوامل تؤدي بالضرورة إلى العنف.
٣- دعم المنشآت المتضررة وتسريع إجراءات التعويض: يتطلب التعافي الاقتصادي تبسيط إجراءات الإبلاغ عن الأضرار وتقييمها، وتسريع صرف التعويضات المستحقة، وتوفير أدوات سيولة مؤقتة للمنشآت الصغيرة والتجار المستقلين. وقد دعا اتحاد شركات التأمين الفرنسية، عقب أحداث 2023، إلى تسهيل التصريح بالأضرار وتسريع المعاينة والتعويض ومراعاة أوضاع بعض التجار. ويمكن تقييم فاعلية هذه التدابير من خلال مدة تسوية المطالبات وسرعة استئناف النشاط التجاري.
٤- وضع إطار واضح لتوزيع أعباء التعويض والتمويل: ينبغي تحديد مسؤوليات شركات التأمين والدولة وأصحاب المنشآت المتضررة، مع توضيح نطاق التغطية التأمينية وشروط الدعم الحكومي وآليات التعامل مع الخسائر غير المغطاة. ويساعد ذلك على تسريع التعافي، والحد من تداخل التعويضات، وتعزيز الشفافية في استخدام الموارد العامة.
٥- إنشاء قاعدة بيانات موحدة لتقدير الخسائر: يتطلب تحسين تقييم التكلفة الاقتصادية ربط بيانات شركات التأمين والبلديات والشرطة والإطفاء والجهات المسؤولة عن إعادة الإعمار، مع التمييز بين الأضرار المباشرة والتعويضات والخسائر التجارية والنفقات الحكومية الإضافية. ويساعد ذلك على تجنب احتساب الخسارة نفسها أكثر من مرة، وتحسين المقارنة بين الأحداث والمناطق والفترات الزمنية.
٦- تقييم السياسات وفق مؤشرات قابلة للقياس: ينبغي متابعة فاعلية الإجراءات من خلال مؤشرات تشمل حجم الأضرار، ومدة إغلاق المنشآت، ومتوسط زمن صرف التعويضات، وتكلفة إصلاح الممتلكات العامة، وعدد المنشآت التي استعادت نشاطها. ويساعد هذا التقييم على توجيه الموارد نحو التدابير الأكثر فاعلية في الحد من الخسائر وتسريع التعافي.
في النهاية، توضح الحالة الفرنسية أن التكلفة الاقتصادية للاحتجاجات لا يمكن اختزالها في قيمة الممتلكات المحترقة أو المباني المتضررة، كما لا يصح إسناد جميع الخسائر إلى المظاهرات السلمية. ففي أحداث الشغب بصيف 2023، تضررت 672 بلدية، وأُحرقت 12,031 مركبة، وتعرضت 2,508 مبانٍ للحرق أو التلف، وسُجلت مطالبات تأمينية بقيمة 793 مليون يورو، بينما اقترب إجمالي الأضرار المادية المقدرة من مليار يورو (Buffet, 2024).
وتظهر تجربة السترات الصفراء أن الآثار قد تتجاوز الأضرار المباشرة، إذ تشمل انخفاض النشاط التجاري والخسائر غير المغطاة والنفقات الأمنية الإضافية. وقدّر صندوق النقد الدولي الأثر السلبي للاضطرابات المرتبطة بالحركة بنحو 0.1 نقطة مئوية من نمو الناتج في الربع الأخير من 2018 والربع الأول من 2019، فيما أكد تقرير الجمعية الوطنية أن التعويضات التأمينية لا تعكس كامل التكاليف الاقتصادية والاجتماعية (Cazeneuve & Lescure, 2019; IMF, 2019).
وتتمثل الخلاصة الأساسية في أن الحد من الخسائر يتطلب مزيجًا من الاستجابة الأمنية المتناسبة، والحوار المؤسسي، ومعالجة الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، ودعم المنشآت المتضررة، وتحسين آليات التأمين والتعويض. كما أن الإصلاحات التأمينية الواردة في قانون المالية لعام 2026 تستحق المتابعة من حيث اللوائح التنفيذية وموعد النفاذ الفعلي (Légifrance, 2026; République française, 2026). والهدف من هذه السياسات ليس تقليل الاحتجاج السلمي بوصفه تكلفة في حد ذاته، بل تقليل احتمالات تحول الخلافات إلى عنف وتخريب، مع حماية الحقوق القانونية والسلامة العامة.
______________المراجع_____________________
1. Anadolu Agency. (2026, October 21). France: Damage from protest violence up to hundreds of millions euros. Bernama. https://bernama.com/en/world/news.php?id=2623567
2. Associated Press. (2026, October 17). France’s Macron vows to hold accountable those who “sought to bring down the Republic”. NPR. https://www.npr.org/2026/10/17/nx-s1-6006773/student-protests-france
3. Barnes, A. (2026, October 19). Protests spread across Europe: Cost-of-living pressures behind the demonstrations. Euronews. https://www.euronews.com/2026/10/19/wages-vs-prices-the-economic-pressures-behind-europes-protests
4. Buffet, F. N. (2024a). Émeutes de juin 2023 : comprendre, évaluer, réagir (Rapport d’information n° 521, 2023–2024). Sénat français. https://www.senat.fr/rap/r23-521/r23-5218.html
5. Buffet, F. N. (2024b, April 10). Émeutes survenues à compter du 27 juin 2023 : conférence de presse sur les conclusions de la commission d’enquête. Sénat français. https://www.senat.fr/salle-de-presse/dernieres-conferences-de-presse/page-de-detail-2023-2024/emeutes-survenues-a-compter-du-27-juin-2023-conference-de-presse-sur-les-conclusions-de-la-commission-denquete-2845.html
6. Cazeneuve, J.-R., & Lescure, R. (2019). Rapport d’information n° 2167 sur les coûts économiques, sociaux et budgétaires des blocages, violences et dégradations commis en marge du mouvement des « gilets jaunes ». Assemblée nationale. https://questions.assemblee-nationale.fr/dyn/opendata/RINFANR5L15B2167.html
7. Cingari, P. (2026, October 20). France’s riot damage doubles: How will businesses pay for the destruction? Euronews. https://www.euronews.com/2026/10/20/frances-riot-damage-doubles-who-will-pay-for-thousands-of-wrecked-shops
8. Euronews. (2026a, October 24). Fresh protests set to sweep France as last-minute restrictions fuel tensions. https://www.euronews.com/2026/10/24/fresh-protests-set-to-sweep-france-as-last-minute-restrictions-fuel-tensions
9. Euronews. (2026b, October 24). French police fire tear gas to disperse protest in Lyon. https://www.euronews.com/2026/10/24/french-police-fire-tear-gas-to-disperse-protest-in-lyon
10. France Assureurs. (2023, September 6). Le coût des sinistres déclarés à la suite des violences urbaines de fin juin est réévalué à 730 millions d’euros. https://www.franceassureurs.fr/espace-presse/les-communiques-de-presse/cout-sinistres-declares-violences-urbains-fin-juin-reevalue-730millions-euros/
11. International Monetary Fund. (2019). France: 2019 Article IV consultation—Press release; staff report; and statement by the Executive Director for France (Country Report No. 19/245). https://www.imf.org/~/media/Files/Publications/CR/2019/1FRAEA2019002.ashx
12. Légifrance. (2026). Code des assurances: Chapitre XI—L’assurance des dommages résultant d’émeutes (Articles L12-11-1 à L12-11-5), dispositions relatives à l’entrée en vigueur. https://www.legifrance.gouv.fr/codes/id/LEGISCTA000053548359
13. Pouget, J., Tallet, F., Bour, R., & Rousset, C. (2018, December 18). Impact macroéconomique du mouvement des gilets jaunes : une estimation difficile à ce stade. INSEE, Note de conjoncture. https://www.insee.fr/fr/statistiques/3681517?sommaire=3681952
14. Radio X. (2026, October). Why France protests are spreading across Europe. https://www.radiox.co.uk/news/uk-world/why-france-protests-are-spreading-across-euro/
15. République française. (2026, February 19). Loi n° 2026-103 du 19 février 2026 de finances pour 2026, article 171. Légifrance. https://www.legifrance.gouv.fr/eli/loi/2026/2/19/2026-103/jo/article_171
16. Reuters. (2026a, October 18). France counts the cost of worst unrest in years. Internazionale. https://www.internazionale.it/ultime-notizie-reuters/2026/10/18/france-faces-aftermath-of-worst-unrest-in-years
17. Reuters. (2026b, October 18). France faces aftermath of worst unrest in years. StreetInsider. https://www.streetinsider.com/Reuters/France+faces+aftermath+of+worst+unrest+in+years/27199312.html
18. Reuters. (2026c, October 19). Explainer—France in turmoil: What might follow a weekend of riots. U.S. News & World Report. https://www.usnews.com/news/world/articles/2026-10-19/explainer-france-in-turmoil-what-might-follow-a-weekend-of-riots
19. Reuters. (2026d, October 19). France in turmoil: What might follow a weekend of riots? https://www.reuters.com/world/europe/france-turmoil-what-might-follow-a-weekend-riots-2026-10-19/
20. Reuters. (2026e, October 18). Macron urges calm as France counts the cost of worst unrest in years. Investing.com. https://www.investing.com/news/world-news/france-faces-aftermath-of-worst-unrest-in-years-4955857
21. Reuters. (2026f, October 17). French police clash with protesters as tens of thousands rally over cost of living. The Express Tribune. https://tribune.com.pk/story/2635393/french-police-clash-with-protesters-as-tens-of-thousands-rally-over-cost-of-living
22. Sellers, M. (2026). France’s riot bill tests a new public-private model—and Canada has nothing like it. Insurance Business. https://www.insurancebusinessmag.com/ca/news/breaking-news/frances-riot-bill-tests-a-new-publicprivate-model–and-canada-has-nothing-like-it-594273.aspx
23. Walker, J., & Caputo, M. (2026, October 7). Student protest unrest spreads across Europe. Axios. https://www.axios.com/2026/10/07/europe-student-protests-france-belgium
24. Ynetnews. (2026, October). Hoods, Palestinian flag and samurai sword: Student unrest spreads to Belgium. https://www.ynetnews.com/article/s1y5qyvszg