حسابات القاهرة.. هل وحدة إثيوبيا تمثل مصلحة استراتيجية لمصر؟

تضع المعارك الدائرة في إثيوبيا القاهرة أمام معادلة تتجاوز حدود الصراع الداخلي الإثيوبي، خاصة مع ارتباط ما يجري بملفات تمس بصورة مباشرة المصالح المصرية، وفي مقدمتها مياه النيل، وأمن السودان، واستقرار القرن الأفريقي والبحر الأحمر. ومع تصاعد المواجهات وتعدد القوى المنخرطة فيها، يبرز سؤال رئيسي يتجاوز الموقف من الحكومة الإثيوبية الحالية وسياساتها: “هل تمثل وحدة الدولة الإثيوبية واستقرارها مصلحة استراتيجية لمصر؟”.

وتزداد أهمية هذا السؤال في ضوء الاتهامات التي وجهها المشير برهانو جولا، عقب ستة أيام من اندلاع المعارك، إلى مصر والسودان وأطراف أخرى بدعم التحالف، معتبرًا أنه لا يستطيع مواجهة الحكومة المركزية دون سند خارجي، من دون أن يقدم أدلة علنية على ذلك. وردت القاهرة عبر المتحدث باسم وزارة الخارجية، الذي أكد أن السياسة المصرية تقوم على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والالتزام بقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. كما نفى الجيش السوداني الاتهام، في وقت تبادلت فيه الخرطوم وأديس أبابا اتهامات بدعم جماعات مسلحة، بما يعكس حجم التشابك بين الأزمات الإثيوبية والسودانية والإريترية.

ومن هنا، يحاول تقدير الموقف الإجابة عن مسألة أكثر أهمية بالنسبة للقاهرة: هل يمكن أن يمثل إضعاف الحكومة الإثيوبية أو تفكك الدولة فرصة لتحسين الموقف المصري في ملف النيل، أم أن انهيار الدولة الإثيوبية سيحمل للمصالح المصرية مخاطر تتجاوز بكثير الخلاف القائم مع حكومة مركزية قوية؟

العقيدة والإطار القانوني:

تتعامل مصر في سياستها الإقليمية مع الدول بوصفها مؤسسات وحدودًا وسيادة، وليس مع الفصائل التي تنازعها، وقد ظهر ذلك في ليبيا حين انحازت إلى مؤسسات الدولة ورفضت تقسيمها، وفي السودان حيث تتمسك بوحدة أراضيه، وفي الصومال حيث دعمت الحكومة الاتحادية ورفضت المساس بوحدة أراضيه، وكذلك خلال حرب تيجراي الأولى، حين دعت إلى وقف القتال والحوار، مع التأكيد على وحدة إثيوبيا.

ولا ينفي ذلك وجود استثناءات تاريخية ارتبطت بمراحل التحرر من الاستعمار، لكن المعيار الحاكم للسلوك المصري المعاصر يظل الحفاظ على الدولة القائمة ووحدة أراضيها، وعدم الدفع باتجاه سيناريوهات التفكيك.

ويتسق هذا الموقف مع مبدأ حظر استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية للدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، الذي يقرره ميثاق الأمم المتحدة، ومع مبدأ احترام الحدود الموروثة الذي أقرته منظمة الوحدة الأفريقية في القاهرة عام 1964. وعلى الرغم من استمرار الخلاف حول سد النهضة منذ عام 2011، فإن مصر لم تتدخل طوال تلك الفترة في المشهد الداخلي الإثيوبي، رغم ما مرت به إثيوبيا من أزمات وصراعات عنيفة.

منطق المصلحة.. لماذا لا يمثل التفكك مكسبًا؟

(*) البعد المائي: يأتي نحو 85% من المياه التي تصل إلى مصر من الهضبة الإثيوبية بمجمل روافدها، ويشكل النيل الأزرق أكبر هذه الروافد. وما دام المنبع داخل حدود دولة واحدة، فثمة طرف مركزي واحد يمكن التفاوض معه والسعي إلى إلزامه باتفاق، مهما اشتد الخلاف معه.

أما إذا تفككت إثيوبيا، فقد ينتقل الملف إلى خمسة أطراف أو أكثر، لكل منها حكومته وحساباته ومصالحه، وتظهر عندئذ ما تسميه أدبيات الاقتصاد السياسي “مأساة المشاع”، حيث يوجد مورد مشترك تتزاحم عليه أطراف عدة، فيسعى كل منها إلى تعظيم استفادته منه دون اكتراث كافٍ بالكلفة الجماعية، وهو ما يرفع كلفة التنسيق ويزيد صعوبة الوصول إلى ترتيبات مستقرة.

كما أن ضعف الدولة لا يعني بالضرورة ضعف السلوك المائي أو تراجع المخاطر المرتبطة به، إذ قد تتحول الموارد المائية في ظل تعدد السلطات الإقليمية والجماعات المسلحة إلى مصدر للتمويل أو أداة للضغط والمساومة السياسية.

(*) البعد القانوني: لا يوفر الإطار القانوني القائم حماية تلقائية للمصالح المصرية في حالة تفكك إثيوبيا. فإثيوبيا لا تعترف بحجية اتفاقيات الحقبة الاستعمارية، كما أن “إعلان المبادئ” الموقع عام 2015 لا يعني بالضرورة انتقال الالتزامات الواردة فيه تلقائيًا إلى كيانات جديدة، فضلًا عن أن قواعد التوارث الدولي في المعاهدات لا تحسم مثل هذه الحالات بصورة بسيطة.

وفي هذا السيناريو، قد تجد مصر نفسها أمام ضرورة بناء منظومة قانونية وتفاوضية جديدة مع كل كيان على حدة، بينما تفترض قواعد الاستخدام المنصف والمعقول ومنع الضرر الجسيم، كما تعكسها اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997، وجود أطراف مستقرة وقادرة على الوفاء بالتزاماتها.

(*) البعد الأمني: قد يؤدي تفكك الدولة الإثيوبية إلى نقل الخلاف من المجال القانوني والسياسي إلى المجال الأمني. فبدلًا من أن يدور النقاش حول قواعد الملء والتشغيل، قد تصبح القضية مرتبطة بأمن المنشآت المائية، واستقرار المناطق المحيطة بها، وقدرة السلطات القائمة على حماية البنية التحتية وضمان انتظام التدفقات.

ويزداد هذا الخطر مع احتمالات انتقال تداعيات الصراع إلى السودان وإريتريا والبحر الأحمر، بما يؤدي إلى تداخل أكثر من ساحة أزمة في الوقت نفسه، ويرفع كلفة حماية المصالح المصرية في محيطها الأفريقي والبحر الأحمر.

حدود الموقف:

لا يعني دعم استقرار الدولة الإثيوبية قبول سياسات حكومتها أو التخلي عن مطالب مصر في ملف النيل. فالمعادلة هنا أكثر دقة: تستطيع مصر أن تختلف مع الحكومة الإثيوبية، وأن تتمسك بحقوقها ومطالبها، دون أن يكون انهيار الدولة ذاتها في مصلحتها.

وتكمن المفارقة الاستراتيجية في أن الرهان على إضعاف الدولة التي تختلف معها القاهرة حول النيل قد يؤدي، في الوقت نفسه، إلى إضعاف الطرف الذي يمكن التفاوض معه وإلزامه بأي ترتيبات مستقبلية.

لذلك، فإن السؤال الأكثر دقة ليس: “هل تضعف إثيوبيا أم تقوى؟”، وإنما: “أي استقرار إثيوبي يخدم المصالح المصرية؟”.

والأقرب إلى منطق المصلحة المصرية هو استقرار الدولة ووحدتها، مع وجود ترتيبات واضحة وقابلة للتحقق بشأن النيل، وليس استقرار حكومة بعينها أو دعم طرف سياسي في مواجهة آخر.

الخلاصة والتقدير:

تشير المعطيات السابقة إلى أن المصلحة المصرية لا ترتبط ببقاء حكومة إثيوبية بعينها، بقدر ارتباطها ببقاء الدولة الإثيوبية نفسها ككيان موحد وقادر على إدارة موارده والوفاء بالتزاماته. فالقاهرة تستطيع إدارة خلاف سياسي وقانوني ممتد مع حكومة مركزية، مهما بلغت درجة التوتر معها، لكنها ستواجه وضعًا أكثر تعقيدًا إذا تحول هذا الخلاف إلى التعامل مع عدة سلطات ومراكز قوة تتنازع السيطرة على الأرض والموارد.

ومن ثم، فإن استمرار الصراع الداخلي واتجاهه نحو إضعاف المركز يحمل مخاطر تتجاوز الداخل الإثيوبي، خاصة إذا امتدت تداعياته إلى السودان وإريتريا وجيبوتي وكينيا والبحر الأحمر، مع ما قد يصاحب ذلك من موجات نزوح، وانتقال للسلاح والجماعات المسلحة، وتراجع قدرة الدولة على تأمين بنيتها التحتية ومناطقها الحدودية.

وعليه، فإن “وحدة إثيوبيا تمثل مصلحة استراتيجية لمصر”، ولكنها مصلحة لا تعني تأييد سياسات الحكومة الإثيوبية أو القبول بالأمر الواقع في ملف سد النهضة. فالمصلحة المصرية تبدو أقرب إلى وجود دولة إثيوبية موحدة ومستقرة يمكن التفاوض معها ومساءلتها عن التزاماتها، بالتوازي مع استمرار القاهرة في الدفاع عن حقوقها المائية ومصالحها الأمنية.

وبهذا المعنى، فإن السيناريو الأكثر خطورة بالنسبة لمصر ليس وجود إثيوبيا قوية أو ضعيفة في حد ذاته، وإنما تحولها إلى دولة تتعدد داخلها مراكز القرار والسيطرة، بما يجعل ملف النيل جزءًا من صراع داخلي مفتوح، بدلًا من بقائه خلافًا بين دول يمكن إدارته بأدوات السياسة والقانون والتفاوض.

د. محمد فؤاد رشوان

خبير مشارك في شئون الدراسات الأفريقية، الباحث حاصل على دكتوراه الفلسفة فى الدراسات الأفريقية من جامعة القاهرة، وكان يعمل مساعداً رئيس تحرير مجلة الشئون الأفريقية خلال الفترة من 2013 – 2018، وعضو مؤسس فى رابطة التواصل الأفريقي، ومحاضراً لدى مكتب الاتحاد الأفريقي بالقاهرة خلال الفترة من 2015 وحتى تاريخه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى