عسكرة الحدود.. كيف يؤثر الصراع الإثيوبي على استقرار القرن الأفريقي؟

لا يمكن النظر إلى الصراع الدائر في إثيوبيا باعتباره أزمة داخلية منفصلة عن محيطها الإقليمي، فموقع الدولة الإثيوبية وثقلها السكاني والاقتصادي والعسكري، إلى جانب استضافتها مقر الاتحاد الأفريقي، يجعل أي اضطراب واسع داخلها قابلًا للامتداد إلى دول الجوار. وتزداد خطورة الأزمة في ظل تزامنها مع الحرب السودانية، والتوتر الإثيوبي–الإريتري، والأزمة الصومالية، فضلًا عن تصاعد التنافس على البحر الأحمر. ومن ثم، فإن استمرار الصراع يمكن أن يؤدي إلى مجموعة من التداعيات التي تؤثر بصورة مباشرة على استقرار منطقة القرن الأفريقي.
تراكب الأزمات وتصاعد النزوح:
يعاني القرن الأفريقي بالفعل من الحرب السودانية، والأزمة الصومالية، والتوتر الإثيوبي–الإريتري، والصراعات الحدودية، ولذلك فإن اتساع الحرب الإثيوبية قد لا ينتج أزمة جديدة مستقلة، وإنما قد يجعل الأزمات القائمة تتفاعل مع بعضها بعضًا.
كما خلفت الحرب السابقة في تيجراي أزمة إنسانية واسعة، فيما تشير التطورات الحالية إلى موجة نزوح جديدة مع اتساع نطاق القتال، وقدّرت مصادر إنسانية حديثة نزوح نحو 150 ألف شخص في إقليم عفار المجاور لتيجراي. وإذا استمرت أعداد النازحين في الارتفاع، فلن تقتصر تداعيات الأزمة على الداخل الإثيوبي، وإنما ستمتد إلى دول الجوار، وفي مقدمتها السودان وإريتريا وجيبوتي وكينيا.
ويُعد السودان الأكثر تعرضًا للضغط، بحكم قربه الجغرافي من مناطق الصراع، وفي ظل ما يواجهه أصلًا من حرب داخلية وأزمة نزوح وانعدام أمن غذائي، بما يجعل قدرته على استيعاب موجات جديدة من اللاجئين محدودة للغاية. كما يمكن أن تواجه إريتريا ضغوطًا إضافية نتيجة قربها المباشر من مناطق القتال وحساسية حدودها مع إثيوبيا، بينما قد تتعرض جيبوتي وكينيا لضغوط إنسانية وأمنية متزايدة إذا اتسعت حركة السكان جنوبًا وشرقًا.
ومن ثم، فإن ارتفاع أعداد النازحين قد يحول الأزمة الإثيوبية من أزمة إنسانية داخلية إلى أزمة نزوح إقليمية تضيف عبئًا جديدًا على دول الجوار الأكثر هشاشة، وتزيد من تعقيد الأوضاع الإنسانية والأمنية في القرن الأفريقي.
عسكرة الحدود:
كلما تراجعت قدرة الدولة الإثيوبية على ضبط أطرافها، ازدادت احتمالات تحول المناطق الحدودية إلى مساحات مفتوحة لحركة الجماعات المسلحة وشبكات التهريب وتدفق السلاح، خاصة في ظل التداخل السكاني والقبلي عبر الحدود مع السودان وإريتريا والصومال. ولا تقتصر خطورة هذا التطور على احتمال انتقال الصراع الإثيوبي إلى دول الجوار، وإنما تتمثل أيضًا في إمكانية تشكل أحزمة أمنية مضطربة تتقاطع فيها النزاعات المحلية مع الصراعات الإقليمية.
ويكتسب هذا الاحتمال أهمية خاصة بالنسبة للسودان؛ فاستمرار الحرب السودانية بالتزامن مع تدهور الأوضاع في إثيوبيا قد يجعل الحدود السودانية–الإثيوبية نقطة التقاء لأزمتين مسلحتين، بما يزيد من احتمالات تسلل الجماعات المسلحة، وتنامي شبكات التهريب، وانتقال الأسلحة والمقاتلين، ويصعّب على الدولتين السيطرة على مناطق حدودية واسعة.
ومع اتساع نطاق عدم الاستقرار، قد تمتد تداعياته شرقًا نحو إريتريا والبحر الأحمر، لتتحول الأزمة من صراع داخلي إثيوبي إلى عنصر إضافي في معادلة أمنية إقليمية أكثر تعقيدًا.
وتزداد أهمية هذا التطور في ضوء تصاعد القيمة الجيوسياسية للبحر الأحمر والقرن الأفريقي، حيث تتنافس قوى إقليمية ودولية على الموانئ وخطوط الملاحة ومواقع النفوذ، بينما تبحث إثيوبيا، الدولة الحبيسة، عن ترتيبات تضمن لها منفذًا بحريًا. وبالتالي، فإن استمرار الصراع داخلها قد يدفع مختلف الأطراف إلى توسيع تحالفاتها واتصالاتها الإقليمية بحثًا عن الدعم، بما يرفع احتمالات تداخل الملف الإثيوبي مع أمن البحر الأحمر والممرات البحرية الدولية.
ومن ثم، فإن الخطر لا يكمن فقط في عسكرة الحدود الإثيوبية، وإنما في أن تتحول هذه الحدود إلى ممر تنتقل عبره تداعيات الصراع نحو السودان وإريتريا والبحر الأحمر، بما يجعل أي تدهور كبير في إثيوبيا عاملًا إضافيًا في إعادة تشكيل الخريطة الأمنية للقرن الأفريقي، ويزيد من احتمالات تدويل الصراع وتعدد ساحاته.
في النهاية، يمكن القول إن استمرار الصراع الإثيوبي يتجاوز حدود الدولة ليضع استقرار القرن الأفريقي أمام اختبار جديد، خاصة مع تداخل أزمات النزوح والحدود والبحر الأحمر. وكلما طال أمد المواجهات واتسع نطاقها، ازدادت احتمالات انتقال تداعياتها إلى دول الجوار، وتحول الأزمة الإثيوبية إلى عامل ضغط إضافي على أمن المنطقة واستقرارها.