عوامل الانكشاف.. لماذا تتعرض ألمانيا لتهديدات هجينة؟

اتهمت ألمانيا في 1 سبتمبر 2026 رسميًا الجانب الروسي بالوقوف خلف عدة “هجمات هجينة” استهدفت البنية التحتية الحيوية وعلى رأسها محاولة الهجوم على مطار لايبزيغ/هاله في 4 أغسطس الماضي، ما أدى لتبادل إغلاق القنصليتين الروسية في بون والألمانية في سانت بطرسبرج وإغلاق “معهد جوته” في روسيا و”البيت الروسي” في برلين، بالتزامن مع تعرض الائتلاف الحاكم بقيادة فريدريش ميرز لهزيمة كبيرة بالانتخابات الإقليمية بفوز حزب البديل من أجل ألمانيا بانتخابات ولاية ساكسونيا أنهالت في 6 سبتمبر الجاري. وعلى الرغم من إدانة روسيا علنًا، يعد الموقف الألماني أقل بروزًا في صفوف التحالف الغربي، ولطالما تعرضت برلين لانتقادات من كييف وحلفائها الأوروبيين على بطء تحركاتها تجاه موسكو، إذ استغرقت الإدانة نحو شهر كامل من الواقعة الرئيسية في لايبزيغ.
وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي عوامل انكشاف ألمانيا سياسيًا وأمنيًا وبنيويًا أمام التهديدات الهجينة في ضوء سلوكها تجاه الحرب الروسية الأوكرانية.
دوافع متعددة
اتخذت الحكومة الألمانية موقفًا متدرجًا مما اعتبرتها هجمات هجينة تستهدف البلاد بشكل يومي خلال العامين الماضيين، وتشمل هجمات المسيرات وعمليات التضليل الإعلامي والتجسس وتخريب البنية التحتية الحيوية باستخدام عملاء مؤقتين، حيث شهدت البلاد في 2025 نحو 321 عملًا تخريبيًا، كما تعرضت محطات الطاقة والمنشآت اللوجيستية العسكرية لمحاولات هجوم وتحليق للمسيرات فوقها والتي تنفذها “قوة أجنبية”، قبل أن تعلن برلين مؤخرًا أن سلسلة الهجمات الأخيرة تقف خلفها روسيا، في قرار سياسي يبدو أنه يحمل تداعياته على العلاقات مع روسيا واستقرار الداخل الألماني والعلاقات مع الجوار الأوروبي بعدما أعلنت قمة البلطيق أواخر أغسطس 2026 تفعيل قوة مهام أمنية مشتركة لدول البلطيق الأوروبية لتعزيز قدرات الدفاع الجماعي ضد المسيرات.
(*) الدعم العسكري لأوكرانيا: بحسب الحكومة الألمانية، خصصت برلين منذ اندلاع الحرب في 24 فبراير 2022 نحو 100 مليار يورو، من بينها 43.3 مليار يورو مساعدات مدنية، وإجمالي 57.6 مليار يورو من المخصصات العسكرية شملت توفير منظومات الدفاع الجوي من طرازات باتريوت وإيريس-تي وقطع المدفعية والمركبات القتالية ومركبات نقل الجنود والأسلحة والذخائر، ومنها 23 مليار يورو للعامين 2026 و2027 تعهدت بها خلال قمة الناتو في أنقرة. وتمول ألمانيا إنتاج وتصنيع آلاف المسيرات الأوكرانية على الأراضي الألمانية ومن مشتريات الأسلحة الأمريكية، إلى جانب تدريبها نحو 27 ألف جندي أوكراني. وتعد حادثة مطار لايبزيغ مثال واضح على محاولة استهداف بنية تحتية حيوية تستخدم كمركز لوجيستي لنقل الإمدادات العسكرية ويرتبط بشركة الطيران الحكومية الأوكرانية “أنطونوف إيرلاينز”، وهو ما تكرر في إعلان الجيش الألماني عن رصد مسيرتين فوق منشأة عسكرية لإصلاح منظومات باتريوت الدفاعية في 6 أغسطس 2026 بولاية شمال الراين-ويستفاليا.
(*) تقويض القوة الرافعة: يعد الاقتصاد الألماني على ما يعانيه من اضطرابات عنيفة وتباطؤ في معدلات النمو، القوة الرافعة لأي رؤية أوروبية مستقبلية للاستقلال الاستراتيجي، حيث يظل قطاع الصناعات الدفاعية القوة الأهم في اقتصاد ألمانيا ما بعد الحرب، حيث أظهر تقرير معهد ستوكهولم لأبحاث ودراسات السلام في مارس 2026 احتلال ألمانيا المرتبة الرابعة في قائمة أكبر مصدري الأسلحة عالميًا متجاوزة الصين، بنسبة بلغت 5.7% من إجمالي صادرات الأسلحة في السنوات الخمس الماضية (2021 : 2025). واستحوذت أوكرانيا على 24% من صادرات الأسلحة الألمانية في الفترة المذكورة، بينما بلغت 41% من صادرات أسلحتها الثقلية لبلدان أوروبية مقابل 33% لمنطقة الشرق الأوسط. كما ارتفعت في المقابل واردات الأسلحة الرئيسية إلى ألمانيا في الفترة ذاتها بنسبة 914% مقارنة بالفترة من 2016 إلى 2020.
وبحسب بيانات وزارة الاقتصاد، وافقت الحكومة الألمانية على صادرات دفاعية بقيمة 13.87 مليار يورو خلال النصف الأول من عام 2026 في مقدمتها أوكرانيا بقيمة (2.5 مليار يورو) ثم الولايات المتحدة (1.6 مليار يورو) وهولندا (1.3 مليار يورو) والتشيك وليتوانيا (1.2 مليار يورو لكل منهما) وإسرائيل (800 مليون يورو)، متجاوزة قيمة صادرات العام الماضي 2025 والتي بلغت 13.1 مليار يورو فقط.
وتشير توقعات وكالة فيتش للتصنيف الائتماني إلى أن توجه دول حلف الناتو الأوروبية لزيادة الإنفاق الدفاعي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي من 2% إلى 3.5%، وتصل إلى 5% في إجمالي الإنفاق المرتبط بالدفاع، يخدم بالأساس الاقتصاد الألماني الذي يمتلك قاعدة صناعية وطاقة إنتاجية أكبر من أي قوة أوروبية أخرى بنسبة تبلغ 12% من الناتج المحلي (مقابل 7% لكل من فرنسا والمملكة المتحدة)، وبالتبعية قد يرتفع الناتج المحلي لألمانيا في الفترة من 2025 إلى 2028 بنحو نقطة مئوية واحدة (1%)، متجاوزًا مرحلة الركود التي عصفت به جراء اندلاع الحرب وفقدان الطاقة الرخيصة. وعليه فإن أعمال التخريب للبنية التحتية للطاقة والمنشآت اللوجستية العسكرية حاليًا السبيل الأهم لوقف تسلح أوروبا وألمانيا على وجه الخصوص، خاصة إذا ما ارتبطت بحوادث منخفضة الحدة ومستمرة على أساس شبه يومي.
عوامل الانكشاف
على الرغم من المؤشرات الكلية التي تشير إلى أهمية ألمانيا في معادلة الحرب الأوكرانية وصراع التسلح في أوروبا بوجه عام، إلا أن تطورات داخلية وتحديات بنيوية تعزز انكشاف برلين أمام العمليات الهجينة، وهو ما يمكن استعراضه على النحو التالي:
(&) الموقف السياسي الداخلي: تجد ألمانيا نفسها أمام معضلة هوية تؤثر على حضورها كقوة عالمية، فعلى مدار عقود ارتبطت قوة برلين باعتبارها قاطرة اقتصادية صناعية اعتمدت في استقرارها ورخائها الداخلي على موارد الطاقة الرخيصة من روسيا عبر شبكة أنابيب عابرة للحدود والمياه الأوروبية في بحر البلطيق، مما دفعها لتكون آخر الراغبين في التصعيد ضد روسيا والأكثر تأنيًا في اتخاذ مواقف صارمة ضد حرب أوكرانيا، إلا أن ضغوط حلفائها الأوروبيين وتفجير خطي نورد ستريم (رغم اتهام جهات رسمية أوكرانية بالوقوف خلفه) وتحولها التدريجي بعيدًا عن استيراد الطاقة الروسية قادها لأن تكون في صدارة المشهد الأوروبي لدعم أوكرانيا عسكريًا وماليًا وبالتبعية توجيه دفة الهجمات الروسية الهجينة منخفضة الحدة ضدها، استغلالًا لوجود رأي عام متعاطف مع روسيا مقارنة بغيرها من شعوب أوروبا الغربية.
وتُبرز وسائل إعلام ألمانية اتهام “الألمان الروس” -وهم المواطنون المتحدثون باللغة الروسية والذي قدم بعضهم من روسيا وبلدان الاتحاد السوفييتي السابق في تسعينيات القرن الماضي وتقدر أعدادهم بنحو 6 ملايين نسمة، (حسب تلفزيون DW)- لأوكرانيا بالوقوف خلف محاولة هجوم مطار لايبزيغ. وعلاوة على اختلاف السرديات بين المواطنين الألمان من شرق البلاد ونظرائهم في الغرب بشأن الحرب في أوكرانيا والعلاقات مع روسيا والتي يستغلها “حزب البديل من أجل ألمانيا” في دعايته الانتخابية، تمثل الأبعاد المجتمعية واختلاف ثقافة ومستوى معيشة المواطنين الألمان في ولايات الشرق (التي يغلب عليها الطابع المحافظ) عن نظرائهم في غرب البلاد، عاملًا مهمًا في كبح القيادة الألمانية المترددة عن قيادة أوروبا منفردة أمام روسيا دون دعم عسكري وسياسي أمريكي واضح وهو ما بات موضع شك على المستوى السياسي في ظل تأييد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لحزب البديل من أجل ألمانيا على حساب حكومة ميرتس الائتلافية.
(&) القيود الاستخباراتية: أظهرت حوادث الكشف عن مخبأ يضم سلاحين آليين مع كميات كبيرة من الذخيرة قرب برلين في أكتوبر الماضي دون الوصول للعملاء المؤقتين إلى وجود مخاطر مرتفعة بتحول ألمانيا لساحة حرب هجينة في إطار الحرب الروسية الأوكرانية رغم الإصلاحات التشريعية التي جرى إنفاذها لاحقًا ومنها منح أجهزة الاستخبارات في أغسطس 2026 (المكتب الاتحادي لحماية الدستور، جهاز المخابرات الاتحادي) قدرات تتجاوز جمع وتقييم المعلومات، إلى تمكين العملاء من تنفيذ عمليات التجسس والتخريب والهجمات السيبرانية المضادة ردًا على تلك الهجمات.
وعلى الصعيد الأوروبي يتمثل عدم امتلاك الاتحاد الأوروبي قدرات استخباراتية مستقلة واقتصار قدراته على تحليل وتقييم ما يرد من أجهزة الاستخبارات الوطنية للدول الأعضاء عائقًا رئيسيًا أمام تكامل جهود إحباط مثل تلك الهجمات التي لا ترقى لمستوى التهديد التقليدي وتحقق للجهة المنفذة قابلية الإنكار. وتكشف التحقيقات الألمانية والأوروبية عن وجود مجموعة منظمة لنقل المسيرات والمتفجرات إلى دول الاتحاد من خلال تسهيلات للتنقل عبر دول الاتحاد، إذ فتحت واقعة مطار لايبزيغ تحقيقات في إيطاليا للوقوف على ملابسات منح تأشيرة شنجن لمواطن بيلاروسي يحمل جواز سفر روسي ويعد المشتبه به الأول في محاولة الهجوم، كما أوقفت النيابة العامة في صربيا 3 سبتمبر 2026 توقيف 4 أشخاص في ضوء تحقيق حول مجموعة منظمة تنقل المسيرات والمتفجرات إلى دول بالاتحاد الأوروبي، إثر اكتشاف متفجرات في أبريل الماضي قرب خط أنابيب غاز على الحدود الصربية ينقل الغاز الروسي إلى المجر.
وإجمالًا؛ تعد مقومات القوة الألمانية العامل الأبرز في تركيز طرفي الصراع على استمالتها بهجمات هجينة منخفضة الحدة تستهدف بنيتها التحتية الحيوية مع قابلية الإنكار، بحيث لا تثير رد فعل عسكري مباشر وتساهم في تغيير الموقف والسردية الألمانية، إلا أن رفع تكلفة الصراع على الداخل الألماني لا يزال يجد صداه في الأصوات المرتفعة التي عارض منذ بداية الحرب التصعيد ضد روسيا وباتت تلك الرؤية برنامجًا انتخابيًا لحزب “البديل من أجل ألمانيا” الشعبوي وهو ما بات يلقى رواجًا نسبيًا في عموم الشارع الألماني بشقيه الشرقي والغربي.