قراءة الاتجاهات.. كيف تفاعل المصريون مع قضية صبري نخنوخ؟

نورهان شرارة- باحثة في وحدة الدراسات المصرية

لم تكن واقعة القبض على صبري نخنوخ مجرد خبر جنائي عابر أو قضية قانونية جديدة ما زالت تتصدر المشهد الإعلامي، بل تحولت خلال ساعات قليلة إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للنقاش على مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المصرية. فنخنوخ الذي ارتبط اسمه لسنوات طويلة بقصص النفوذ والحراسات الخاصة والجدل الإعلامي عاد إلى واجهة الأحداث من جديد، لكن هذه المرة في سياق أعاد فتح أسئلة قديمة، أهما: هل هناك شخوص فوق القانون؟

تجدر الإشارة إلى أن قضية صبري نخنوخ، اكتسبت أهمية استثنائية لأن الاسم المذكور لا يمثل بالنسبة لقطاع واسع من المصريين مجرد شخص متهم في واقعة جنائية، بل يمثل حالة رمزية تشكلت عبر سنوات طويلة من التغطيات الإعلامية والقصص المتداولة والانطباعات المتراكمة في الوعي الشعبي. ولذلك لم يتعامل كثير من المصريين مع القضية باعتبارها خلافًا قانونيًا بين أطراف محددة، وإنما باعتبارها اختبارًا عمليًا لفكرة طالما حضرت في النقاش العام المصري، وهي فكرة “القانون فوق الجميع”.

أرقام ورسائل:

شكل بيان النيابة العامة المصرية نقطة الانطلاق الرئيسية في تشكيل الرواية الرسمية للقضية. فالبيان لم يقتصر على عرض وقائع البلاغ المتعلق بالتعدي على صاحب معرض سيارات، وإنما قدم إطارًا أوسع لفهم القضية أمام الرأي العام.

فعلى مستوى البناء السردي، بدأ البيان بعرض الواقعة الأصلية باعتبارها خلافًا نشب بين المتهم وصاحب معرض سيارات، قبل أن ينتقل إلى الحديث عن نتائج التحريات وما تضمنته من اتهامات تتعلق بتكوين تشكيل عصابي وممارسة أعمال البلطجة وفرض السيطرة والترويع والإخلال بالنظام العام. كما أشار إلى استخدام شركة أمن وحراسة كغطاء لممارسة أنشطة مخالفة للقانون، وهو ما نقل القضية من إطار الخلاف الفردي إلى إطار أكثر اتساعًا يتعلق بالأمن المجتمعي.

أما على مستوى الرسائل الضمنية، فقد ركز البيان بصورة واضحة على التأكيد أن القانون يطبق على الجميع دون استثناء، وأن الدولة مستمرة في ملاحقة أي ممارسات تخرج عن إطار الشرعية القانونية. وهذه الرسالة كانت من أكثر الرسائل تداولًا داخل المجال الرقمي، لأنها خاطبت بصورة مباشرة أحد أكثر الملفات حساسية لدى الرأي العام المصري، وهو ملف العلاقة بين النفوذ والعدالة.

وقد ساهم البيان في دفع القضية إلى صدارة النقاش العام، حيث جرى تداوله على نطاق واسع عبر الصفحات الإخبارية والحسابات الشخصية، كما تحولت عباراته الرئيسية إلى محور للنقاش بين المؤيدين والمشككين والمتابعين للقضية.

الخريطة الرقمية للقضية:

تكشف المؤشرات الرقمية الأولية أن قضية صبري نخنوخ كانت من أكثر القضايا تداولًا على منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الأولى من الإعلان عن القبض عليه.

فعلى منصة فيسبوك، انتشرت مئات المنشورات المرتبطة بالقضية عبر الصفحات الإخبارية والحسابات الشخصية والمجموعات العامة. كما أعاد آلاف المستخدمين نشر بيان النيابة العامة أو التعليق عليه، بينما حققت المنشورات المرتبطة بالقضية عشرات الآلاف من التفاعلات خلال فترة زمنية قصيرة.

أما على منصة إكس (تويتر سابقًا)، فقد شهدت القضية تداولًا واسعًا عبر الكلمات المفتاحية المرتبطة بالنفوذ والبلطجة وسيادة القانون، فيما ظهر عدد كبير من التعليقات التي حاولت تفسير الواقعة وربطها بسياقات سياسية أو اجتماعية أوسع.

وفي المقابل لعب يوتيوب دورًا مختلفًا، إذ تحولت القضية إلى مادة تحليلية لدى العديد من القنوات الإخبارية وصناع المحتوى الذين أعادوا تقديم قصة صبري نخنوخ وتاريخه السابق للجمهور. كما شهدت منصة تيك توك تداول عشرات المقاطع القصيرة المرتبطة بالقضية، ركز أغلبها على الصور القديمة والقصص المتداولة حول شخصية نخنوخ.

ويمكن القول إن القضية لم تنتشر باعتبارها ملفًا قانونيًا فقط، وإنما باعتبارها قضية تحمل أبعادًا رمزية واجتماعية وسياسية في الوقت نفسه، وهو ما يفسر اتساع نطاق التفاعل معها.

وعليه، ومن خلال رصد صفحات التواصل الاجتماعي منذ القبض على نخنوخ، يمكن التأكيد على أن مناقشات السوشيال ميديا، أخذت أربعة اتجاهات رئيسية،  هي كالتالي:

(*) الاتجاه الأول.. التأييد الكامل للإجراءات: رأى أصحاب هذا الاتجاه أن القبض على صبري نخنوخ يمثل تطبيقًا عمليًا لمبدأ المساواة أمام القانون. وتركزت التعليقات حول عبارات مثل “لا أحد فوق القانون” و”الدولة قادرة على الوصول للجميع”، كما اعتبر كثيرون أن القضية تمثل رسالة ردع لكل من يعتقد أن النفوذ يمكن أن يحول دون تطبيق القانون.

(*) الاتجاه الثاني.. التساؤل حول التوقيت: ركز أصحاب هذا الاتجاه على توقيت القضية أكثر من تركيزهم على تفاصيلها. وتكررت عبارات من قبيل “لماذا الآن؟” و”ما الذي تغير؟”، وهو ما يعكس نمطًا متكررًا من التفاعل مع القضايا الكبرى داخل المجال الرقمي المصري.

(*) الاتجاه الثالث.. استدعاء الماضي: أعاد كثير من المستخدمين تداول قصص قديمة وصور ومقاطع فيديو مرتبطة باسم صبري نخنوخ، وربطوا الواقعة الحالية بتاريخ طويل من الجدل الذي أحاط بالرجل.

(*) الاتجاه الرابع.. صناعة الأسطورة: تعامل عدد من المستخدمين مع نخنوخ باعتباره حالة استثنائية أو شخصية أسطورية. فظهرت أوصاف مثل “إمبراطور البلطجة” و”أخطر رجل في مصر”، وهي أوصاف تعكس صورة ذهنية تراكمت عبر سنوات طويلة وأصبحت جزءًا من المخيال الشعبي.

صورة “نخنوخ” في الخطاب الرسمي والتناول الإعلامي:

لم يكتفِ الخطاب الرسمي بعرض الوقائع القانونية والإجراءات القضائية، بل ساهم أيضًا في تشكيل صورة ذهنية محددة للمتهم أمام الرأي العام.

فمن خلال طريقة عرض الأحداث، لم يظهر صبري نخنوخ باعتباره طرفًا في نزاع فردي، وإنما باعتباره شخصية مرتبطة بممارسات تمس الأمن المجتمعي والنظام العام. كما ساهم استدعاء الاتهامات المرتبطة بالترويع والبلطجة وفرض النفوذ في إعادة تنشيط الصورة الذهنية القديمة المرتبطة باسمه داخل الوعي الشعبي المصري.

ولم يكن ذلك منفصلًا عن التاريخ السابق للرجل، إذ استعاد كثير من المستخدمين القضايا التي ارتبط بها اسمه خلال السنوات الماضية، وأعادوا تداول صور ومقاطع فيديو قديمة، وهو ما جعل الحدث الحالي مرتبطًا بصورة ذهنية متراكمة أكثر من ارتباطه بتفاصيل الواقعة محل التحقيق.

ما عزز من صورة المتهم في الخطاب الرسمي، هو تناول وسائل الإعلام المصرية لقضية نخنوخ، وظهور حالة من الزخم الملحوظ في تغطيتها. فقد جاء موقع القاهرة 24 في مقدمة المنصات الأكثر نشاطًا، حيث نشر عددًا كبيرًا من الأخبار والتقارير والبثوث المباشرة المتعلقة بالقضية، وتابع تطوراتها خطوة بخطوة، كما نقل الروايات المختلفة للأطراف المعنية.

أما تليجراف مصر فقد ركز بصورة أكبر على الجانب الشخصي في القصة، وأعاد تقديم تاريخ صبري نخنوخ منذ بداياته وحتى عودته إلى دائرة الجدل، وهو ما جذب اهتمامًا واسعًا من الجمهور. كما برز موقع بصراحة من خلال متابعة التطورات المتلاحقة للقضية وتقديم محتوى مصور ركز على الجانب الجماهيري وردود الفعل المرتبطة بها.

وشاركت مواقع أخرى مثل المصري اليوم واليوم السابع والوطن ومصراوي وصدى البلد في تغطية القضية، إلا أن الملاحظ أن جزءًا كبيرًا من المحتوى الأكثر انتشارًا لم يكن متعلقًا بالواقعة القانونية نفسها، بل بتاريخ صبري نخنوخ وصورته الذهنية لدى الجمهور.

الذاكرة الجمعية والصورة الذهنية:

إذا كانت قضية صبري نخنوخ قد نجحت في تصدر المشهد العام خلال أيام قليلة، فإن السبب لا يعود فقط إلى طبيعة الاتهامات أو الإجراءات القانونية المرتبطة بها، وإنما إلى الشخصية نفسها وما تمثله داخل الوعي الشعبي المصري. فالرجل لم يكن مجرد صاحب شركة أمن أو شخصية ظهرت في صفحات الحوادث، بل تحول عبر سنوات طويلة إلى اسم ارتبط بالعديد من الروايات والقصص التي صنعت حوله صورة استثنائية تجاوزت الواقع في كثير من الأحيان.

وتكشف هذه الحالة عن ظاهرة اجتماعية وإعلامية متكررة في مصر، تتمثل في ميل الرأي العام إلى صناعة شخصيات رمزية ترتبط بالقوة أو النفوذ أو الثراء أو القدرة على التأثير. ومع مرور الوقت تتحول هذه الشخصيات إلى ما يشبه الأساطير الشعبية الحديثة، حيث تختلط الوقائع الحقيقية بالروايات المتداولة، ويصبح من الصعب الفصل بين الحقيقة والصورة الذهنية.

ولم يكن صبري نخنوخ الحالة الوحيدة في هذا السياق، فقد شهد المجتمع المصري خلال العقود الماضية نماذج عديدة لشخصيات استحوذت على اهتمام الرأي العام، مثل عزت حنفي في صعيد مصر، وحازم العراقي على مواقع التواصل الاجتماعي، وغيرهما من الشخصيات التي تحولت إلى موضوع دائم للنقاش والجدل. ورغم اختلاف الظروف المحيطة بكل حالة، فإن القاسم المشترك بينها كان تضخم الصورة الذهنية وتحولها إلى جزء من الذاكرة الجمعية.

وتلعب وسائل الإعلام التقليدية ومنصات التواصل الاجتماعي دورًا أساسيًا في هذه العملية، إذ تؤدي التغطيات المتكررة وإعادة تداول القصص والصور إلى ترسيخ صورة معينة داخل أذهان الجمهور. ومع الوقت يصبح الشخص رمزًا لفكرة أكبر من شخصه، سواء كانت فكرة النفوذ أو الثراء أو القوة أو التحدي أو حتى التمرد على القواعد السائدة.

ولهذا لم يتعامل كثير من المصريين مع قضية صبري نخنوخ باعتبارها قضية تخص شخصًا بعينه، بل باعتبارها قصة جديدة في مسار شخصية ظلت حاضرة داخل المجال العام لسنوات طويلة.

وعليه، ومن خلال تكرار مقارنة المصريبن على وسائل التواصل الاجتماعي لقضية نخنوخ بغيرها من القضايا في التاريخ المصري، يمكن التأكيد على أن طبيعة التفاعل مع القضية، تكشف عن أن حجم الاهتمام لم يكن مرتبطًا فقط بالواقعة القانونية نفسها، وإنما بمجموعة من العوامل المتداخلة التي جعلتها تتجاوز حدود الأخبار التقليدية، هي كالتالي:

(*) العامل الأول،- يتمثل في طبيعة الشخصية محل القضية. فصبري نخنوخ ليس اسمًا جديدًا على الرأي العام، بل شخصية ارتبطت بسلسلة طويلة من القصص والتغطيات الإعلامية والجدل المجتمعي، وهو ما منح القضية رصيدًا مسبقًا من الاهتمام قبل ظهورها.

(*) أما العامل الثاني،– فيتعلق بطبيعة القضايا المرتبطة بالنفوذ. فالرأي العام يتعامل عادة مع هذه النوعية من القضايا باعتبارها اختبارًا لمبدأ المساواة أمام القانون، وليس باعتبارها مجرد نزاعات جنائية عادية. ولذلك فإن أي تحرك قانوني ضد شخصية ينظر إليها الجمهور باعتبارها صاحبة نفوذ يحظى باهتمام مضاعف مقارنة بالقضايا الأخرى.

(*) ويتمثل العامل الثالث،– في طبيعة البيئة الرقمية الحالية. فالسوشيال ميديا بطبيعتها تميل إلى تضخيم القضايا التي تجمع بين الإثارة والجدل والشخصيات المعروفة، وهو ما وفر للقضية بيئة مناسبة للانتشار السريع والتداول المكثف.

(*) أما العامل الرابع،– فيرتبط بالدور الذي لعبته وسائل الإعلام. فبدلًا من التركيز فقط على تفاصيل البلاغ والإجراءات القانونية، اتجهت نسبة كبيرة من التغطيات إلى استعراض تاريخ صبري نخنوخ وسيرته وصورته في الوعي الشعبي، وهو ما ساهم في توسيع دائرة الاهتمام الجماهيري بالقضية.

في النهاية، يُمكن القول إن قضية صبري نخنوخ،  تكشف عن أن المصريين لم يتابعوا مجرد واقعة قبض أو تحقيق قانوني، بل تابعوا اختبارًا عمليًا لفكرة “القانون فوق الجميع”. كما أظهرت حجم التأثير الذي باتت تمتلكه منصات التواصل الاجتماعي في تشكيل النقاش العام وإعادة تفسير الأحداث وربطها بسياقات أوسع من حدودها القانونية المباشرة.

وبينما رأى قطاع من الجمهور في القضية تأكيدًا لسيادة القانون، واعتبرها آخرون مناسبة لطرح أسئلة تتعلق بالنفوذ وتوقيت التحركات. ولعل أهمية القضية لا تكمن فقط في شخصية صبري نخنوخ أو في طبيعة الاتهامات الموجهة إليه، وإنما في أن ردود الفعل التي صاحبتها تقدم عددًا من المؤشرات المهمة حول طبيعة المجتمع المصري واتجاهات الرأي العام داخله، هي كالتالي:

(١) فمن ناحية أولى،- أظهرت القضية أن مفهوم سيادة القانون لا يزال يحتل مكانة مركزية في الوعي الشعبي، وأن المواطنين يتابعون باهتمام خاص القضايا التي تتعلق بالشخصيات المثيرة للجدل أو المرتبطة بالنفوذ.

(٢) من ناحية ثانية،- كشفت التفاعلات الرقمية عن ارتفاع مستوى المشاركة المجتمعية في مناقشة القضايا العامة، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي مجالًا للتعبير عن المواقف والآراء تجاه الأحداث الكبرى.

(٣) من ناحية ثالثة،- أكدت القضية أن الذاكرة الجمعية أصبحت تلعب دورًا متزايدًا في تشكيل المواقف العامة. فالكثير من التعليقات لم تستند إلى المعلومات الجديدة المرتبطة بالواقعة الحالية فقط، وإنما استندت إلى مخزون طويل من الصور والانطباعات والقصص التي تراكمت عبر سنوات.

(٤) من ناحية رابعة،- كشفت القضية عن أن المصريين لا ينظرون إلى قضايا أصحاب النفوذ باعتبارها قضايا فردية فقط، بل يربطونها بصورة مباشرة بمفاهيم العدالة والمساواة والثقة في مؤسسات الدولة، وهو ما يفسر حجم النقاش الذي رافقها مقارنة بقضايا أخرى قد تكون أكثر أهمية من الناحية القانونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى