حسابات الفوز.. كيف يتنافس الإسلاميون والمدنيون في انتخابات البرلمان الجزائري؟

تشهد الساحة السياسية في الجزائر حالة من التنافس الشديد والاستقطاب بين الأحزاب السياسية مع اقتراب انتخابات المجلس الشعبي الوطني المُقرر إجراؤها في 2 يوليو 2026، في استحقاق انتخابي يُنتظر أن يعيد رسم موازين التمثيل البرلماني خلال المرحلة المقبلة ويتنافس في هذه الانتخابات 34 حزبًا سياسيًا وتحالفين انتخابيّين بالإضافة إلى 144 قائمة حرّة، في مشهد يعكس اتساع دائرة المنافسة وتنوّع الفاعلين السياسيين المنخرطين في السباق. كما عادت إلى حلبة التنافس مجموعة من أحزاب المعارضة تحت قيادات جديدة، بعد مقاطعتها انتخابات برلمان 2021، بما يعكس رغبة في استعادة الحضور داخل المؤسسة التشريعية وإعادة التموضع داخل المشهد السياسي الجزائري.

ويكشف هذا المشهد عن خريطة انتخابية متنوعة تجمع بين الأحزاب التقليدية ذات الامتداد الوطني، والأحزاب الصاعدة، والتشكيلات السياسية الناشئة، بما يفتح المجال أمام منافسة واسعة على أصوات الناخبين عبر مختلف ولايات البلاد ودوائر الجالية الوطنية في الخارج. كما يعكس في الوقت ذاته حيوية المشهد الحزبي وحرص مختلف التشكيلات السياسية على تعزيز تمثيلها داخل البرلمان المقبل، في ظل بيئة انتخابية تتسم بتشديد الرقابة على القوائم، والسعي إلى ضبط المجال السياسي، وإعادة ترتيب التوازنات الحزبية قبل الاقتراع.

وتأسيسًا على ماسبق، يتناول هذا التحليل خريطة المتنافسين في الانتخابات التشريعية الجزائرية، وخريطة التحركات الميدانية للأحزاب الكبرى، والقوى الأوفر حظًا لحسم المعركة الانتخابية، فضلًا عن معرفة مدى قدرة الأحزاب الإسلامية على الحفاظ على نفوذها أو توسيعه داخل البرلمان المقبل، إلى جانب حدود مشاركة المرأة في العملية الانتخابية وما إذا كانت تتجه نحو التوسع أم التراجع.

الأحزاب المتنافسة:

يتسم المشهد الانتخابي في الجزائر السابق للانتخابات التشريعية المقررة في 2 يوليو 2026 باتساع قاعدة التنافس وتزايد المؤشرات الدالة على إعادة ترتيب المجال الحزبي والسياسي.

المؤشر العدد
إجمالي القوائم المقبولة 793 قائمة
إجمالي المترشحين 9854 مترشحًا
عدد القوائم الحزبية المقبولة 613 قائمة حزبية
عدد قوائم التحالفات الحزبية قائمة واحدة
عدد القوائم الحرة المقبولة 125 قائمة حرة

فقد أعلنت الهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات عن قبول  793 قائمة تضم  9854 مترشحًا عبر مختلف الدوائر الانتخابية داخل الدولة، منها 613  قائمة حزبية وقائمة واحدة لتحالف حزبي و   125 قائمة حرة، مقابل رفض  61 قائمة، بما يعكس من جهة كثافة الحضور الحزبي والمستقل في السباق الانتخابي، ومن جهة أخرى يكشف عن تشدد في شروط الضبط والفرز القانوني للقوائم. كما تكشف التركيبة الاجتماعية للمترشحين عن الحضور الواضح للشباب التي تمثل  54% من إجمالي المترشحين، إلى جانب  47% من ذوي المستوى الجامعي، فيما تبلغ نسبة النساء  21% من إجمالي القوائم المقبولة. وعلى الرغم من ذلك فإن هذه الأرقام لا تُعد مجرد أرقام تنظيمية بل تكشف عن محاولة إعادة تشكيل النخب البرلمانية من خلال توسيع حضور الشباب وأصحاب الكفاءات، بالإضافة إلى تشديد الرقابة على القوائم واستبعاد عدد من المرشحين والملفات لأسباب تتعلق بشبهات المال المشبوه، أو الأحكام القضائية، أو عدم استيفاء الشروط القانونية. ومن ثم، فإن هذه المؤشرات تمثل مدخلًا ضروريًا لفهم خريطة المتنافسين وحدود المنافسة، وطبيعة البيئة السياسية والتنظيمية التي تُدار في إطارها الانتخابات التشريعية الحالية.

الخريطة الانتخابية:

تكشف خريطة التنافس في انتخابات 2026 أن المشهد الحزبي الجزائري يتجه إلى استعادة الأحزاب المنظمة موقعها المركزي بعد أن شهدت انتخابات 2021 حالة من التقدم النسبي للقوائم الحرة والمستقلين. ويظهر ذلك بوضوح في أرقام القوائم المقبولة، حيث تتصدر جبهة التحرير الوطني وجبهة المستقبل المشهد بـ74 قائمة مقبولة لكل منهما، يليهما التجمع الوطني الديمقراطي بـ72 قائمة، ثم حركة البناء الوطني وحركة مجتمع السلم بـ68 قائمة لكل منهما. ولا تعكس هذه الأرقام مجرد حضور عددي، بل تشير إلى وجود بنية تنظيمية قادرة على تغطية أغلب الدوائر الانتخابية، واستيفاء الشروط القانونية، وخوض حملة وطنية شاملة بدل الاكتفاء بالمنافسة الموضعية.

(*) الأحزاب الكبرى: يعتبر حزب جبهة التحرير الوطني هو الفاعل الأكثر تأثيرًا في المشهد الانتخابي، ويعود ذلك إلى تاريخه الطويل في العمل الحزبي بالإضافة إلى القدرة على الحفاظ على شبكة تنظيمية واسعة عبر جميع الولايات، ورغم التراجع الذي عرفه الحزب خلال السنوات الأخيرة نتيجة ارتباطه بفترة ما قبل الحراك، فإن تشريعيات 2026 تكشف أنه ما يزال  يحتفظ بقدرة واضحة على العودة إلى مركز المنافسة.  حيث وتكمن أهمية هذا الحضور في أن الحزب لا يدخل السباق بوصفه حزبًا تاريخيًا فقط، بل بوصفه آلة انتخابية ما تزال قادرة على التعبئة والانتشار وتقديم نفسها باعتبارها طرفًا رئيسيًا في تشكيل البرلمان المقبل. إلى جانبه، يبرز التجمع الوطني الديمقراطي بوصفه أحد أعمدة المجال الحزبي الرسمي، معتمدًا على خطاب تنموي وإداري أكثر منه أيديولوجيًا، وعلى انتشار تنظيمي واسع في عدد من الولايات حيث استطاع الحزب أن ينتشر في 69 ولاية . أما جبهة المستقبل، فتقدم نفسها باعتبارها أحد أبرز الأحزاب الصاعدة خلال السنوات الأخيرة؛ إذ استطاعت توسيع انتشارها الجغرافي وتثبيت موقعها ضمن القوى الأكثر جاهزية في 68 ولاية، بما يجعلها مرشحة لتكون من المستفيدين الأساسيين من إعادة ترتيب الخريطة البرلمانية.

(*) الأحزاب الإسلامية: تعتبر الأحزاب الإسلامية أحد الأطراف الرئيسية في خريطة المتفاعلين، وتخوض هذه التيارات الانتخابات في ظل ظروف مختلفة عن الانتخابات السابقة التي استطاعت أن تحقق فيها حضورًا لافتًا،  فـحركة مجتمع السلم، التي تعد أبرز أحزاب التيار الإسلامي، تدخل الانتخابات وهي تراهن أساسًا على الحفاظ على موقعها البرلماني وتعزيزه نسبيًا، أكثر من رهانها على تصدر المشهد. وقد بدا ذلك واضحًا في خطابها الانتخابي الذي يركز على قضايا الحوكمة ومحاربة الفساد والتنمية والعدالة الاجتماعية، أكثر من تركيزه على الطابع الأيديولوجي التقليدي.

وهناك مجموعة عوامل ساهمت في تغيير الخطاب السياسي لهذه التيارات منها الأوضاع الإقتصادية ومحاولة كسب حشد الشباب و تشتت الكتلة الإسلامية بين أكثر من حزب ذي مرجعية متقاربة، مثل حركة مجتمع السلم، وحركة البناء الوطني، وحركة النهضة. فبدل أن تدخل هذه القوى الانتخابات ضمن جبهة موحدة قادرة على تجميع أصوات الناخبين المحافظين، تخوضها في حالة من التنافس البيني، ما يؤدي إلى تشتيت الأصوات والحد من فرص تحقيق قفزة نوعية في النتائج. وعلى الرغم من ذلك إلا أن بعض هذه الاحزاب استطاعت أن تحقق انتشار ميداني كبير في بعض الولايات فقد حصل حركة البناء الوطني على انتشار في 67 ولاية، تواصل حركة مجتمع السلم الاعتماد على شبكتها التنظيمية التقليدية داخل المدن الكبرى والأوساط الجامعية والنقابية. وقد نجحت الحركة في تقديم قوائمها في 64 ولاية، ما يجعلها من أكثر الأحزاب انتشاراً على المستوى الوطني. وخلال الأشهر الأخيرة كثفت الحركة لقاءاتها التنظيمية والندوات السياسية في ولايات الشرق والوسط، مع تركيز خاص على فئة الشباب والطبقة الوسطى وقضايا التشغيل والحوكمة والإصلاح الاقتصادي.

(*) القوائم الحرة والمستقلون: إذا كانت انتخابات 2021 قد شهدت حضورًا كثيفًا للقوائم الحرة والمستقلين، فإن انتخابات 2026 تبدو مختلفة بوضوح. صحيح أن القوائم الحرة ما تزال حاضرة، لكنها لم تعد تمثل الظاهرة الأبرز في المشهد كما كان الحال قبل خمس سنوات. ويمكن تفسير هذا التراجع بعدة عوامل، أهمها تشديد شروط الترشح، وارتفاع كلفة الدخول إلى المنافسة بالنسبة إلى القوائم غير المنظمة، فضلًا عن استعادة الأحزاب الكبرى لجزء من حضورها التنظيمي. كما أن تجربة 2021 نفسها لم تؤدِّ إلى تكريس المستقلين ككتلة برلمانية قادرة على صناعة التوازنات، ما أضعف جاذبية هذا الخيار في نظر بعض الناخبين والمرشحين. وبذلك، فإن القوائم الحرة في تشريعيات 2026 لا تدخل من موقع “المفاجأة السياسية” أو “بديل الأحزاب”، بل من موقع قوة موضعية قد تنجح في بعض الدوائر المحلية، لكنها لا تبدو قادرة على إعادة تشكيل المشهد الوطني.

(*) المعارضة التقليدية: إلى جانب هذه الكتل الأساسية، تظل هناك أحزاب معارضة تقليدية مثل جبهة القوى الاشتراكية وحزب العمال وتجمع أمل الجزائر، لكنها تدخل السباق بقدرات أكثر محدودية، سواء من حيث الانتشار الجغرافي أو القدرة على الحشد. ويبدو أن دور هذه الأحزاب في الانتخابات الحالية لن يتجاوز، على الأرجح، الحفاظ على تمثيل رمزي أو محدود داخل البرلمان، من دون أن تكون طرفًا حاسمًا في معركة الصدارة.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن خريطة المتنافسين في انتخابات 2026 تنقسم عمليًا إلى ثلاث دوائر: أحزاب كبرى منظمة مرشحة للهيمنة على الكتلة الأكبر من المقاعد؛ تيار إسلامي يسعى للحفاظ على نفوذه أكثر من توسيعه؛ ومستقلون ومعارضة تقليدية يملكون حضورًا متفاوتًا، لكن من دون القدرة على قلب موازين المشهد الوطني.

من المحتمل؟

إذا كانت خريطة المتنافسين توضح من هم اللاعبون الرئيسيون، فإن السؤال الأهم يظل: من يملك الحظوظ الأكبر للفوز بالمعركة الانتخابية؟ والإجابة هنا لا ترتبط فقط بعدد القوائم، بل بمجموع عناصر القوة التي يمتلكها كل طرف: الانتشار الجغرافي، والقدرة التنظيمية، والخبرة الانتخابية، والتموضع السياسي داخل المجال العام.

(-) أفضلية واضحة للأحزاب الكبرى المنظمة: المؤشرات المتاحة توحي بأن الرابح الأرجح لن يكون حزبًا منفردًا بالمعنى الحاسم، بل كتلة حزبية واسعة تضم الأحزاب الأكثر تنظيمًا والأكثر قدرة على تغطية الدوائر الانتخابية. وفي مقدمة هذه الكتلة تأتي جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وجبهة المستقبل، مع احتمال أن تكون حركة البناء الوطني جزءًا من هذه الكتلة أو قريبة منها سياسيًا. وتعود أفضلية هذه الأحزاب إلى عدة أسباب.

أولهما الانتشار الجغرافي؛ فالحزب الذي يملك حضورًا في أغلب الولايات والدوائر يملك تلقائيًا فرصة أكبر في تحويل حضوره إلى مقاعد. وثانيها القدرة التنظيمية؛ إذ إن البيئة الانتخابية الحالية، بما تتضمنه من شروط قانونية وإجرائية صارمة، تكافئ الأحزاب التي تمتلك جهازًا حزبيًا منضبطًا وقادرًا على إدارة الملفات والحملة والمرشحين. وثالثها القدرة على التعبئة الميدانية؛ فالحملات الانتخابية في الجزائر لا تُحسم بالخطاب الإعلامي وحده، بل بالوصول المباشر إلى الناخبين عبر الاجتماعات المحلية والتجمعات واللقاءات الجوارية.

(-) الإسلاميون: في المقابل، لا تبدو الأحزاب الإسلامية في موقع يسمح لها بقلب المعادلة أو تصدر المشهد. فـحركة مجتمع السلم تظل الفاعل الإسلامي الأهم، لكنها تدخل الانتخابات في وضع أقرب إلى الدفاع عن الموقع منه إلى الهجوم لاحتلال الصدارة. وينطبق الأمر بدرجات متفاوتة على حركة النهضة وحركة البناء الوطني، مع ملاحظة أن الأخيرة تتمتع بمرونة أكبر بسبب تموضعها الأقرب إلى أحزاب الأغلبية.

إن أكبر ما يمكن أن تحققه هذه الأحزاب، وفق الواقع الحالي، هو الحفاظ على حضور معتبر داخل البرلمان، وربما تحسين عدد المقاعد في بعض الدوائر، لكن من دون أن تصبح الكتلة الأولى أو مركز الثقل الأساسي. فالتشتت بين الأحزاب الإسلامية، وتحول أولويات الناخبين، وصعود الأحزاب الأكثر التصاقًا بخطاب التنمية والإدارة، كلها عوامل تحد من فرص الإسلاميين في تحقيق قفزة انتخابية كبيرة.

(-) المستقلون: أما القوائم الحرة والمستقلون، فمن المستبعد أن يكرروا المفاجأة التي صنعوها نسبيًا في انتخابات 2021. فضعف الزخم، وتشدد القواعد، وعودة الأحزاب الكبرى إلى الميدان، كلها عوامل تجعل من حضورهم أقرب إلى تأثير محلي محدود منه إلى قوة برلمانية وطنية. وقد ينجح بعضهم في حصد مقاعد داخل دوائر بعينها، خاصة في المناطق التي تتقدم فيها الاعتبارات المحلية والعائلية على الانتماءات الحزبية، لكن من الصعب تصور تحولهم إلى كتلة قادرة على صناعة التوازنات الكبرى.

(-) الرابح الأعمق: لكن إذا كان الحديث عن الرابح الانتخابي على مستوى الأحزاب يقود إلى ترجيح كفة الكتلة الحزبية المنظمة، فإن الرابح الأعمق على المستوى السياسي قد يكون السلطة نفسها، إذا نجحت الانتخابات في إنتاج برلمان أكثر انضباطًا وأقل تشظيًا من برلمان 2021. فالسلطة لا تبدو معنية فقط بمن يفوز بالمقاعد، بل بشكل البرلمان الذي سيخرج من صناديق الاقتراع: برلمان متنوع شكليًا، لكنه قائم على أحزاب يمكن التعامل معها داخل قواعد اللعبة المؤسسية، وأقل اعتمادًا على المستقلين أو الكتل غير المتجانسة.

ومن هذه الزاوية، فإن تشريعيات 2026 تبدو أقرب إلى عملية إعادة ضبط للمجال البرلماني منها إلى معركة مفتوحة على تغيير جذري في التوازنات السياسية. فالفائز الحقيقي ليس فقط الحزب الذي يحصد مقاعد أكثر، بل أيضًا الطرف الذي ينجح في فرض شكل التنافس وقواعده وحدوده.

دلالات المشهد الانتخابي:

لا تكمن أهمية انتخابات 2026 في معرفة الحزب الأول أو عدد المقاعد التي سيحصل عليها هذا الطرف أو ذاك فقط، بل في الدلالات السياسية الأوسع التي يكشفها هذا الاستحقاق عن طبيعة النظام الحزبي الجزائري وحدود التحول داخله.

(*) عودة الأحزاب بعد استثناء 2021: تتمثل أولى هذه الدلالات في أن الجزائر تبدو بصدد استعادة الأحزاب المنظمة لموقعها المركزي بعد تجربة 2021 التي فتحت الباب أمام المستقلين والقوائم الحرة. وهذا يعني أن السلطة تميل، في هذه المرحلة، إلى برلمان أكثر حزبية وأقل تشظيًا، لأن هذا النموذج أكثر قابلية للإدارة السياسية، وأقدر على إنتاج كتل واضحة داخل المؤسسة التشريعية.

(*) ضبط التعددية لا إلغاؤها: السلطة لا تتجه إلى إلغاء التعددية أو غلق المجال الحزبي بالكامل، بل إلى ضبط هذه التعددية وإعادة ترتيبها. فقبول مئات القوائم من أحزاب متعددة، بما فيها أحزاب معارضة وإسلامية، يمنح العملية الانتخابية طابعًا تعدديًا واضحًا. لكن في المقابل، فإن التشدد في شروط الترشح، ورفض عشرات القوائم، والتشديد على محاربة المال الفاسد، كلها مؤشرات على أن هذه التعددية تجري داخل سقف مضبوط، هدفه تقليص الفاعلين غير المنضبطين، وترجيح كفة الأحزاب القادرة على العمل داخل المجال الرسمي.

(*) الإسلاميون يتكيفون مع بيئة جديدة: مرحبا فالأحزاب الإسلامية لم تعد تدخل الانتخابات بخطاب أيديولوجي صلب كما في السابق، بل بخطاب أكثر براغماتية يركز على الاقتصاد والتنمية والحوكمة. وهذا التحول يعكس تكيّف الإسلاميين مع بيئة سياسية واجتماعية جديدة، لكنه يعكس أيضًا حدود قدرتهم على استعادة الزخم السابق، خاصة في ظل تشتتهم الداخلي وتراجع جاذبية الشعارات الكبرى أمام الأزمات المعيشية.

(*) أزمة المشاركة: غير أن أهم ما يواجه الانتخابات الجزائرية لا يتعلق فقط بخريطة المتنافسين، بل بمستوى المشاركة الشعبية. فحتى لو نجحت السلطة في إنتاج برلمان أكثر انضباطًا، وحتى لو استعادت الأحزاب الكبرى موقعها، فإن الشرعية السياسية لهذا البرلمان ستظل رهينة بمدى قدرة الانتخابات على استقطاب الناخبين. وقد أظهرت انتخابات 2021 أن أزمة العزوف ليست تفصيلًا ثانويًا، بل هي أحد أكبر التحديات التي تواجه النظام السياسي الجزائري. ولذلك، فإن أي نجاح تنظيمي أو حزبي في انتخابات 2026 سيظل منقوصًا إذا لم يُترجم إلى ارتفاع ملموس في نسبة الإقبال وإلى قدر أكبر من ثقة المواطنين في جدوى البرلمان ودوره.

في الختام، تكشف الانتخابات التشريعية الجزائرية لعام 2026 عن أكثر من مجرد سباق على المقاعد؛ فهي تعكس محاولة لإعادة هندسة التنافس الحزبي وترتيب المجال السياسي بعد سنوات من السيولة التي أعقبت حراك 2019. فخريطة المتنافسين تظهر بوضوح عودة الأحزاب الكبرى المنظمة إلى صدارة المشهد، في مقابل تراجع زخم المستقلين، فيما يخوض الإسلاميون المعركة بمنطق الحفاظ على النفوذ لا منطق التوسع. أما من حيث الحظوظ، فتشير المعطيات إلى أن الكتلة الأوفر حظًا هي تلك التي تضم الأحزاب الأكثر تنظيمًا والأوسع انتشارًا، وعلى رأسها جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وجبهة المستقبل، مع حضور مهم لحركة البناء الوطني وحركة مجتمع السلم.

لكن الرابح الأعمق من هذه الانتخابات قد لا يكون حزبًا بعينه، بل النمط السياسي الذي تسعى السلطة إلى ترسيخه برلمان أكثر حزبية، أقل تشظيًا، وأكثر قابلية للإدارة المؤسسية. ومع ذلك، فإن نجاح هذا النموذج سيظل مرهونًا بعامل حاسم لا تحسمه القوائم ولا التحالفات، وهو مستوى المشاركة الشعبية. فإذا بقيت أزمة العزوف قائمة، فإن البرلمان المقبل قد يكون أكثر انضباطًا من سابقه، لكنه لن يكون بالضرورة أكثر شرعية أو أكثر قدرة على تجديد العلاقة بين المواطن والسياسة. ومن هنا، فإن تشريعيات 2026 تمثل اختبارًا ليس فقط لقوة الأحزاب، بل أيضًا لقدرة النظام السياسي الجزائري على استعادة الثقة في العملية الانتخابية نفسها.

سناء عوض الله

سناء عوض الله- باحثة ببرنامج دراسات السياسات العامة بالمركز. الباحثة حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية، وتعد رسالة الماجستير في دراسات الأمن الإقليمي. مهتمة بدراسة التحولات الاجتماعية والديمغرافية في منطقة الشرق الأوسط، كما أنها متابعة للشئون المصرية، خاصة التحولات الاقتصادية في السوق المصري (دراسات السوق).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى