صناعة التأثير: كيف يشكل تيك توك الأمن المجتمعي؟

في ديسمبر 2022، تصدرت إحدى الوقائع المؤلمة عناوين الأخبار في مصر، بعد إصابة طفل بشلل دائم نتيجة مشاركته في أحد التحديات المتداولة عبر تطبيق تيك توك. ولم تكن هذه الحادثة سوى نموذج لعدد من الوقائع المشابهة التي شهدتها دول مختلفة حول العالم، حيث ارتبطت بعض التحديات الرقمية بإصابات خطيرة ووفيات بين الأطفال والمراهقين. وفي المقابل، استخدمت المنصة ذاتها في حملات التوعية الصحية، وجمع التبرعات للحالات الإنسانية. ويعكس هذا التناقض حقيقة جوهرية مفادها أن المنصات الرقمية لم تعد مجرد أدوات للترفيه والتواصل، بل أصبحت فاعلًا مؤثرًا في تشكيل السلوك والوعي والقيم الاجتماعية، بما يجعل تأثيرها ممتدًا إلى أحد أهم المجالات الحيوية في حياة المجتمعات، وهو الأمن المجتمعي.
ومن بين هذه المنصات، يبرز تطبيق تيك توك بوصفه إحدى أكثر المنصات تأثيرًا وانتشارًا، نظرًا لاعتماده على خوارزميات متقدمة قادرة على توجيه المحتوى وفق اهتمامات المستخدمين، فضلًا عن اعتماده على اقتصاد الانتباه الذي يقوم على جذب المستخدم وإبقائه أطول فترة ممكنة داخل المنصة. وبذلك لم يعد المستخدم هو من يبحث عن المحتوى، بل أصبح المحتوى هو الذي يبحث عن المستخدم ويُصاغ خصيصًا ليتوافق مع اهتماماته وسلوكياته الرقمية.
وفي ضوء ذلك، يسعى هذا المقال إلى تحليل العلاقة بين تطبيق تيك توك والأمن المجتمعي، من خلال استكشاف أبرز التأثيرات الإيجابية والسلبية المرتبطة باستخدامه، وطرح رؤية لإدارة هذه التأثيرات بما يحقق التوازن بين الاستفادة من مزايا المنصات الرقمية وحماية المجتمع من مخاطرها المحتملة.
مفهوم الأمن المجتمعي في العصر الرقمي
في البداية، كان مفهوم الأمن المجتمعي التقليدي يُقصد به حماية الإنسان من التهديدات المباشرة التي تمس حياته، مثل العنف أو الاعتداء أو النزاعات المسلحة. وكان يُنظر إليه على أنه حالة سكون أو حصانة من الأخطار الظاهرة. ومع التغيرات الحديثة، أصبح الأمن المجتمعي مرتبطًا بأبعاد متعددة تتجاوز مجرد حماية الأفراد من الأخطار الجسدية، لتشمل الأمن الغذائي، والاستقرار الأسري، والصحي، والتعليم وإشباع الحاجات الفردية الأساسية. كما يشمل الأمن الثقافي والديني والاجتماعي والبيئي، حيث يُنظر إليه كشبكة مترابطة من الأبعاد التي تضمن سلامة واستقرار المجتمع.
ومن الأبعاد الحديثة التي أضافها العصر الرقمي هو الأمن الفكري والمعلوماتي، حيث أصبح الوصول إلى المعلومات الدقيقة والمفيدة وحماية الأفراد من الأخبار المضللة والشائعات جزءًا لا يتجزأ من الأمن المجتمعي. فالتحديات الرقمية تتطلب النظر إلى الأمن كعملية حماية للأفراد والجماعات من تأثيرات المحتوى الرقمي سواء على مستوى القيم والسلوكيات أو على مستوى الاستقرار النفسي.
هنا يبرز الدور الجديد للخوارزميات الرقمية كفاعل اجتماعي غير مرئي، إذ تؤثر في تشكيل الوعي الجمعي وتوجه اهتمامات الأفراد بطريقة قد تعزز أو تضعف الأمن المجتمعي.
لماذا تيك توك؟
يُعد تطبيق تيك توك أحد أبرز المنصات الرقمية تأثيرًا في السنوات الأخيرة، ليس فقط بسبب الانتشار الواسع الذي حققه عالميًا ومحليًا، بل أيضًا لطبيعة تصميمه التي أحدثت تحولًا جذريًا في أسلوب استهلاك المحتوى الرقمي. فمنذ انطلاقه عام 2016، نجح التطبيق في جذب ملايين المستخدمين حول العالم، خاصة من فئة الشباب والمراهقين، ليصبح منصة مركزية لمحتوى الفيديو القصير الذي يُنتجه المستخدمون بأنفسهم، سواء كان ترفيهيًا أو تعليميًا أو توعويًا، وهو ما جعله بيئة خصبة لتشكيل أنماط جديدة من التفاعل الرقمي.
وانطلاقًا من هذه الخصائص، تم اختيار تطبيق تيك توك تحديدًا كنموذج للدراسة، نظرًا لكونه يجمع بين الانتشار السريع للمحتوى وقوة التأثير الخوارزمي في توجيه المستخدمين؛ إذ تعتمد المنصة على خوارزمية توصية ذكية تحول تجربة المشاهدة من عملية بحث إرادية إلى تدفق مستمر للمحتوى المُخصص، بحيث يصبح المحتوى هو الذي يصل إلى المستخدم بدلًا من أن يبحث عنه. وبفضل هذه الآلية، أصبحت الخوارزميات الرقمية قادرة على التأثير في تفضيلات الأفراد واهتماماتهم، بما يجعلها فاعلًا غير مباشر في تشكيل الرأي العام والسلوك الاجتماعي.
ولا يقتصر تأثير تيك توك على بنيته التقنية فقط، بل تؤكده أيضًا مؤشرات الاستخدام العالمية. فوفقًا لتقرير النظرة العامة العالمية للبيانات الرقمية لعام 2025 بلغ متوسط الوقت الذي يقضيه المستخدمون على تيك توك نحو 47.5 ساعة شهريًا، وهو معدل يفوق جميع المنصات المنافسة، كما تكشف البيانات عن نمو متسارع في معدلات استخدام التطبيق، إذ ارتفع متوسط الاستخدام الشهري من 34 ساعة عام 2024 إلى 47.5 ساعة عام 2025، بمعدل زيادة بلغ نحو 39.7%، وهو ما يعكس تصاعد حضوره في الحياة اليومية للمستخدمين.
ويرتبط هذا الانتشار الكبير بطبيعة الجمهور الذي يستهدفه التطبيق؛ إذ تشير البيانات العالمية إلى أن نحو 64% من مستخدمي تيك توك تتراوح أعمارهم بين 16 و29 عامًا، وهي الفئة العمرية الأكثر استخدامًا للتقنيات الرقمية والأكثر قابلية للتفاعل مع المحتوى الجديد. كما يلجأ معظم المستخدمين إلى التطبيق بحثًا عن المحتوى الترفيهي السريع أو المقاطع المضحكة القصيرة لقضاء أوقات الفراغ، وهو ما يعزز من معدلات الاستخدام المتكرر ويزيد من فرص التعرض المستمر للمحتوى.

مصر تحتل المركز الـ 9 عالميًا في عدد مستخدمي التيك توك- المصدر: https://datareportal.com/reports/digital-2026-egypt
ومن جهة أخرى، فإن طبيعة المحتوى داخل تيك توك تعزز من قوة تأثيره المجتمعي بشكل ملحوظ، حيث يقوم على الفيديو القصير وسهل الاستهلاك، ويعتمد على الصورة والحركة أكثر من اعتماده على النصوص الطويلة، مما يجعله أكثر ملاءمة لمختلف الفئات العمرية والثقافية. كما أن سهولة إنتاج المحتوى ونشره تتيح لأي مستخدم أن يتحول إلى صانع محتوى قادر على الوصول إلى جمهور واسع خلال فترة زمنية قصيرة.
وتنعكس هذه الخصائص على أنماط الاستخدام اليومي؛ إذ يفتح المستخدم التطبيق في المتوسط نحو 19 مرة يوميًا، بينما يقضي الأطفال والمراهقون ما بين 75 إلى 87 دقيقة يوميًا على المنصة. وتؤدي هذه الهيمنة على الانتباه، إلى جانب خاصية التمرير المستمر للمحتوى، إلى تعزيز التأثير السلوكي والفكري على المستخدمين، خاصة الفئات الأصغر سنًا التي تكون أكثر قابلية للتأثر بالمحتوى المتداول دون تمحيص نقدي كافٍ.
وعلى المستوى المحلي، تعكس البيانات حجم هذا التأثير بوضوح، حيث تستمر منصات التواصل الاجتماعي في مصر في تحقيق انتشار واسع، إذ بلغ عدد مستخدمي التيك توك ما يقارب 48.8 مليون مستخدم بالغ، ومقارنة بالمنصات الأخرى، بلغ عدد مستخدمي الفيسبوك حوالي 52.9 مليون مستخدم، وإنستجرام حوالي 24.1 مليون مستخدم، وهو ما يعكس مدى تغلغله في البيئة الرقمية المصرية.

عدد مستخدمي منصات التواصل في مصر- المصدر: https://datareportal.com/reports/digital-2026-egyp
يتضح من المقارنة أن تيك توك بات قريبًا جدًا من فيسبوك في حجم الجمهور النشط، متجاوزًا إنستجرام بفارق كبير، وهو ما يفسر تصاعد أهميته كمنصة رئيسية للتأثير الرقمي في مصر.
كما يمكن التأكيد على أن خطورة وتأثير تيك توك لا تنبع فقط من طبيعة المحتوى المعروض، بل تتجاوز ذلك إلى سرعة انتشار هذا المحتوى وصعوبة ضبطه أو السيطرة عليه قبل وصوله إلى جمهور واسع، وهو ما يجعل المنصة حالة نموذجية لدراسة العلاقة بين الخوارزميات الرقمية والأمن المجتمعي في العصر الحديث.
التأثيرات السلبية والإيجابية لتيك توك على الأمن المجتمعي
لم يعد تأثير تطبيق تيك توك مقتصرًا على الجوانب الترفيهية والتواصل فحسب، بل امتد ليشمل أبعادًا متعددة تمس الأمن المجتمعي بمفهومه الشامل؛ إذ أصبح التطبيق، بفعل انتشاره الواسع واعتماده على خوارزميات متطورة قادرة على توجيه المحتوى وفق اهتمامات المستخدمين، أداة مؤثرة في تشكيل الأفكار والسلوكيات والقيم الاجتماعية. ومن ثم يمكن تناول أبرز هذه التأثيرات السلبية من خلال أربعة أبعاد رئيسية وهي:
(*) التهديدات الفكرية: تُعد الشائعات والأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة من أبرز التحديات التي يفرضها تطبيق تيك توك على الأمن المجتمعي؛ إذ تتيح طبيعة المنصة القائمة على الانتشار السريع للمحتوى تداول معلومات غير موثقة على نطاق واسع وفي فترات زمنية قصيرة. كما تزداد خطورة هذه الظاهرة خلال الأزمات والأحداث الحساسة؛ حيث يمكن للمحتوى المضلل أن يؤثر في اتجاهات الرأي العام ويقوض الثقة بالمؤسسات الرسمية.
وفي هذا السياق، تؤدي الخوارزميات المعتمدة على التفاعل إلى إعادة عرض المحتوى الأكثر انتشارًا بصورة متكررة، وهو ما يسهم في ترسيخ المعلومة في أذهان المتلقين حتى وإن كانت غير صحيحة. فكلما زادت كثافة التكرار ارتفعت احتمالية قبول الأفراد للمعلومة بوصفها حقيقة واقعة، وهي ظاهرة معروفة في الدراسات الإعلامية بـ”أثر الحقيقة الوهمية”، الأمر الذي يجعل المنصة بيئة خصبة لانتشار التضليل المعلوماتي والتأثير في الإدراك الجمعي للمجتمع.
(*) التهديدات السلوكية: إن التهديدات السلوكية تمس أنماط الفعل والممارسة اليومية للأفراد، ولا سيما فئة المراهقين والشباب. فقد ارتبط التطبيق بانتشار ظاهرة التقليد الأعمى للمؤثرين وصناع المحتوى، فضلًا عن المشاركة في التحديات الخطرة التي قد تؤدي إلى إيذاء النفس أو الآخرين.
وقد شهدت السنوات الأخيرة انتشار عدد من التحديات الخطرة عبر المنصة، مثل تحديات كتم الأنفاس أو بعض الممارسات العنيفة التي أسفرت عن إصابات ووفيات في دول مختلفة، كما سُجلت حالات مشابهة داخل المجتمع المصري. ويمكن تفسير هذه الظاهرة في ضوء نظرية التعلم الاجتماعي التي تؤكد أن الأفراد يكتسبون السلوكيات من خلال الملاحظة والتقليد، خاصة عندما يرتبط النموذج المقلَّد بالشهرة أو المكافآت الاجتماعية. ومن ثم فإن التكرار المستمر لعرض هذه السلوكيات قد يسهم في تطبيعها وتشجيع تقليدها، بما ينعكس سلبًا على الأمن والسلم المجتمعي.
(*) التهديدات الثقافية والقيمية: على مستوى أعمق، تمتد آثار التطبيق إلى البنية الثقافية والقيمية للمجتمع؛ إذ تسهم بعض أنماط المحتوى في تطبيع سلوكيات لا تتوافق مع القيم الاجتماعية السائدة، كما تعزز النزعة الاستهلاكية وثقافة الظهور والبحث عن الشهرة السريعة باعتبارها معيارًا للنجاح الاجتماعي.
ويزداد هذا التأثير نتيجة هيمنة الخوارزميات العالمية التي تفضّل المحتوى الأكثر جذبًا للتفاعل بغض النظر عن مدى اتساقه مع الخصوصية الثقافية للمجتمعات المحلية، ومن ثم ينشأ نوع من الصراع بين القيم المحلية التي تستند إلى العادات والتقاليد والمعايير الاجتماعية، وبين القيم الرقمية العابرة للحدود التي تروجها المنصة، وقد تجلى ذلك في الجدل المجتمعي والقانوني المتكرر حول بعض صناع المحتوى الذين اتُّهموا بنشر محتوى يتعارض مع القيم الأسرية والمجتمعية، وهو ما يعكس حجم التحدي الذي تفرضه المنصات الرقمية على المنظومة القيمية للمجتمع.
(*) التهديدات النفسية: ترتبط الأبعاد السابقة جميعها بجانب نفسي لا يقل أهمية عنها، حيث تشير العديد من الدراسات إلى وجود علاقة بين الاستخدام المفرط لتطبيق تيك توك وارتفاع معدلات القلق والاكتئاب والغضب واضطرابات النوم وتراجع القدرة على التركيز. كما يسهم المحتوى القائم على المقارنات الاجتماعية المستمرة في خفض مستويات الرضا عن الذات وتقديرها، خاصة لدى المراهقين والشباب.
إلى جانب ذلك، تؤدي آلية التدفق المستمر للمحتوى إلى زيادة احتمالات الإدمان الرقمي؛ إذ يفقد المستخدم تدريجيًا إدراكه للوقت الذي يقضيه على المنصة نتيجة التفاعل المتواصل مع المحتوى المخصص له. ومن ثم فإن هذه التأثيرات النفسية لا تقتصر على الفرد وحده، بل تمتد إلى المجتمع ككل، لأن الأمن المجتمعي يبدأ من صحة الأفراد النفسية وسلامتهم وقدرتهم على التفاعل الإيجابي والمتوازن مع محيطهم الاجتماعي.
وعلى الرغم من التحديات السابقة، فإن تقييم أثر تيك توك على الأمن المجتمعي يقتضي تبني رؤية متوازنة تأخذ في الاعتبار الجوانب الإيجابية التي يمكن أن تسهم في خدمة المجتمع عند الاستخدام الرشيد للمنصة.
فقد أصبح التطبيق وسيلة فعالة لنشر الرسائل التوعوية في المجالات الصحية والقانونية والأمنية، حيث تستفيد المؤسسات الحكومية والخبراء والمتخصصون من الانتشار الواسع للمنصة في تبسيط المعلومات والوصول إلى شرائح كبيرة من الجمهور، خاصة فئة الشباب. كما برز دوره في دعم المبادرات المجتمعية والإنسانية من خلال تسليط الضوء على الحالات المحتاجة للمساعدة، وتعزيز ثقافة التطوع والتكافل الاجتماعي.
ومن ناحية أخرى، أظهرت المنصة فاعلية كبيرة في سرعة نقل التحذيرات والتعليمات أثناء الأزمات والكوارث والطوارئ، بما يسهم في رفع مستوى الوعي المجتمعي وتسريع الاستجابة للأحداث. كما أتاحت المجال أمام العديد من صناع المحتوى لتقديم مواد تعليمية وتثقيفية تسهم في نشر المعرفة وتنمية المهارات.
وبناءًا على ذلك، فإن تطبيق تيك توك لا يُعد في ذاته تهديدًا للأمن المجتمعي أو داعمًا له بصورة مطلقة، وإنما تتحدد آثاره وفق طبيعة الاستخدام وآليات التنظيم والرقابة ومستوى الوعي الرقمي لدى المستخدمين؛ فالمشكلة الحقيقية لا تكمن في الأداة ذاتها، بل في كيفية توظيفها وإدارتها بما يحقق التوازن بين حرية الاستخدام وحماية المجتمع من المخاطر المحتملة، بما يضمن تعظيم المنافع وتقليل الأضرار في آن واحد.
إدارة التأثير
في ضوء ما سبق عرضه من تأثيرات إيجابية وسلبية لتطبيق تيك توك، يتضح أن التعامل مع المنصات الرقمية لم يعد يحتمل منطق المنع الكامل؛ فهذه المنصات أصبحت جزءًا أصيلًا من الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية المعاصرة، كما أن طبيعتها العابرة للحدود تجعل من الصعب فرض سيطرة شاملة على المحتوى المتداول عبرها. ومن ثم فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في منع التأثير الرقمي، وإنما في إدارته بصورة رشيدة تضمن تعظيم منافعه والحد من مخاطره على الأمن المجتمعي.
وتستند هذه الرؤية إلى الانتقال من مفهوم الرقابة التقليدية إلى مفهوم الحوكمة الرقمية، الذي يقوم على توزيع المسئولية بين الدولة والمنصات الرقمية والمؤسسات المجتمعية والمستخدمين أنفسهم، بما يحقق التوازن بين حرية التعبير وحماية المجتمع.
(&) تطوير الإطار التشريعي والتنظيمي: يمكن التفكير في إنشاء هيئة وطنية أو مجلس متخصص لتنظيم المحتوى الرقمي وصناعة التأثير الإلكتروني، يتولى وضع الضوابط المهنية والأخلاقية لممارسة النشاط الرقمي، ومتابعة الالتزام بها، بما يسهم في تنظيم المجال الرقمي دون المساس بحرية الإبداع والتعبير.
(&) تقنين نشاط صناع المحتوى الرقمي: أصبحت صناعة المحتوى الرقمي نشاطًا اقتصاديًا مؤثرًا يحقق عوائد مالية كبيرة ويصل إلى ملايين المتابعين، الأمر الذي يفرض ضرورة الانتقال من حالة الممارسة الفردية غير المنظمة إلى إطار مهني أكثر انضباطًا.
ومن هذا المنطلق، يمكن إنشاء كيان مهني أو نقابة لصناع المحتوى والمؤثرين الرقميين، تكون بمثابة المظلة التنظيمية لهذه الفئة، وتتولى تسجيل الممارسين المحترفين للنشاط، ووضع مدونة سلوك مهني تحدد الحقوق والواجبات والمسؤوليات المجتمعية المرتبطة بصناعة المحتوى. كما يمكن أن تقدم برامج تدريب وتأهيل في مجالات أخلاقيات النشر الرقمي، والأمن المعلوماتي، وحماية الأطفال، ومكافحة التضليل الإعلامي.
ولا يقتصر دور هذه الجهة على تنظيم صناع المحتوى فحسب، بل يمتد إلى إدارة العلاقة بينهم وبين المنصات الرقمية والمعلنين والجمهور، بما يحقق قدرًا أكبر من الشفافية والمساءلة، ويحد من انتشار المحتويات التي تقوم على الإثارة أو الإساءة أو السعي إلى الشهرة والربح بأي وسيلة.
(&) تعزيز مسؤولية المنصات الرقمية: يقع على عاتق المنصات الرقمية مسئولية أساسية في إدارة التأثيرات الناتجة عن خوارزميات التوصية التي تحدد طبيعة المحتوى الذي يصل إلى المستخدمين. ولذلك ينبغي العمل على تطوير هذه الخوارزميات بصورة تقلل من انتشار المحتوى الضار أو المضلل أو المحرض على العنف والكراهية، وتعزز في المقابل المحتوى التعليمي والتوعوي والإيجابي.
كما يتطلب الأمر رفع مستوى الشفافية بشأن آليات التوصية بالمحتوى، وتطوير نظم أكثر فاعلية لرصد وإزالة المحتويات الخطرة، والتعامل السريع مع الحسابات التي تروج للتحديات المؤذية أو الأخبار الكاذبة أو الممارسات المخالفة للقانون.
وختامًا، تكشف تجربة تطبيق تيك توك عن التحول العميق الذي أحدثته المنصات الرقمية في مفهوم الأمن المجتمعي؛ إذ لم تعد التهديدات تقتصر على المخاطر المادية أو الأمنية التقليدية، بل امتدت لتشمل أبعادًا فكرية وسلوكية وقيمية ونفسية تؤثر بصورة مباشرة في استقرار المجتمع وتماسكه. وفي المقابل، أظهرت هذه المنصات قدرتها على الإسهام في نشر الوعي، ودعم المبادرات المجتمعية، وتعزيز التواصل ونقل المعرفة، بما يؤكد أن تأثيرها لا يرتبط بطبيعتها التقنية في حد ذاتها، وإنما بطريقة توظيفها وإدارة آثارها المختلفة.
ومن ثم، فإن التحدي الذي تواجهه المجتمعات المعاصرة لا يتمثل في السعي إلى حظر المنصات الرقمية أو إقصائها، وهو أمر يزداد صعوبة في ظل الطبيعة العابرة للحدود للفضاء الرقمي، وإنما يتمثل في بناء منظومة متكاملة لإدارة التأثير الرقمي تقوم على التشريع الرشيد، والتنظيم الفعّال، والمسؤولية المجتمعية، والوعي الفردي، بما يضمن الاستفادة من الفرص التي تتيحها هذه المنصات مع الحد من تداعياتها السلبية.
وعليه، فإن مستقبل الأمن المجتمعي في العصر الرقمي يرتبط بمدى قدرة المجتمع على إنتاج مستخدم واعٍ، وصانع محتوى مسئول، ومنصة أكثر التزامًا بمعايير الشفافية والمسئولية الاجتماعية. فكلما ارتفعت مستويات الوعي الرقمي، وتعززت مهارات التحقق من المعلومات ومقاومة التضليل، ازدادت قدرة المجتمع على التفاعل الآمن مع البيئة الرقمية والاستفادة من إمكاناتها التنموية.