رسائل مبطنة: دلالات حفاوة الاستقبال الباكستاني للرئيس الإيراني

لم تكن زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى باكستان في 24 يونيو 2026 حدثًا دبلوماسيًا عاديًا يمكن تفسيره بمنطق البروتوكول الرسمي التقليدي بين دولتين جارتين، بل بدت أقرب إلى مشهد سياسي مدروس بدقة، وحمل رسائل متعددة المستويات، تجاوزت العلاقات الثنائية المباشرة، إلى دوائر إقليمية أوسع ربما قد تتصل لاحقًا بإعادة تشكيل موازين التحالفات وآليات النفوذ وإدارة الأزمات في جنوب وغرب آسيا.
اللافت في هذه الزيارة لم يكن حدوثها في حد ذاته، فالعلاقات الإيرانية – الباكستانية لم تنقطع تاريخيًا رغم ما شهدته من توترات على فترات متقطعة، وإنما اللافت كان مستوى الاحتفاء الباكستاني سياسيًا ورمزيًا الذي رافق الزيارة، بدءًا من الاستقبال الرسمي رفيع المستوى، والمراسم العسكرية الواسعة، واللغة الإيجابية التي استخدمتها القيادة للباكستانية، وصولًا إلى منح الرئيس الإيراني تكريمًا علميًا، وحضور كثيف يعكس رغبة واضحة في إظهار الزيارة باعتبارها حدثًا استثنائيًا وليس لقاءً بروتوكوليًا دوريًا، فضلًا عن توقيت الزيارة الحساس في ظل الأوضاع الإقليمية الراهنة وما شهدته المنطقة جراء الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران وما تلاها من جولات للمفاوضات من أجل حلحلة هذه الأزمة.
ولفهم هذا المشهد، لا بد من تجاوز القراءة السطحية التي تربط الأمر فقط بالعلاقات الثنائية، والنظر إلى الزيارة من منظور أوسع باعتبارها جزءًا هامًا من لحظة قد تعتبر “إعادة تموضع إقليمي” تشهدها المنطقة بعد تغيرات متسارعة تتعلق في المقام الأول بالجانب الإيراني، والخليج والهند وأفغانستان، وعدد من القوى الآسيوية الأخرى.
رسائل مبطّنة:
أولى الرسائل التي يمكن التقاطها من هذا الاستقبال هي أن باكستان تحاول إعادة تعريف دورها الإقليمي، حيث أن ارتبطت صورة إسلام آباد لعقود طويلة بكونها دولة تتحرك داخل هوامش ترتبها قوى أكبر، كونها ترتبط بالصين اقتصاديًا، وتعتمد على دول الخليج ماديًا، وتحافظ على قنوات أمنية ودبلوماسية مفتوحة مع الولايات المتحدة، لكن خلال السنوات الأخيرة ظهرت محاولات واضحة لبناء صورة مختلفة تقوم على فكرة أن باكستان ليست مجرد طرف يتلقى نتائج التوازنات الإقليمية، بل فاعل مؤثر وقادر على المشاركة في صناعتها.
ومن هذا المنظور، فإن استقبال الرئيس الإيراني بهذه الحفاوة يعد إعلانًا عن امتلاك إسلام آباد قدرة التواصل مع أطراف متعارضة في الإقليم دون الانخراط الكامل في أي محور، أي أن باكستان تريد أن تُرى كدولة قادرة على الحديث مع إيران والخليج والولايات المتحدة والصين في وقت واحد.
أما العامل الثاني الذي قد يفسر الحفاوة في الاستقبال فيتمثل في محاولة تجاوز مرحلة العلاقات الإيرانية – الباكستانية التي ظلت لسنوات قيد الحسابات الأمنية. فعلى الرغم من الجوار الجغرافي الممتد بين البلدين، لم تصل العلاقات بينهما إلى مستوى التحالف الاستراتيجي الكامل. كما أنه كانت هنالك ملفات معقدة تضغط على العلاقات بينهما، أهمها التوترات الحدودية في إقليم بلوشستان، وكذلك ملفات الجماعات المسلحة، والتنافس غير المباشر على النفوذ في أفغانستان، فضلًا عن حساسية علاقة باكستان التاريخية بدول الخليج، والتي كانت في بعض الأحيان محل توتر بالنسبة لإيران.
ويبدو من حيثيات مشهد الأمس أن الطرفين ربما قد وصلا إلى قناعة تقوم على تحويل الجوار من عبء أمني إلى فرصة استراتيجية، وهنا يصبح التقارب السياسي والاستقبال رفيع المستوى وسيلة لإعادة إنتاج الثقة وخلق بيئة تسمح بفتح ملفات أكبر بين الجانبين تتعلق بالطاقة والتجارة والتكامل الإقليمي بشكل عام. فباكستان تواجه منذ سنوات ضغوطًا اقتصادية واضحة، أزمة طاقة، ارتفاع كلفة الاستيراد، ضغوط على العملة، وحاجة متزايدة للنمو والتشغيل، وفي المقابل تمتلك إيران موارد طاقة كبيرة، وموقعًا جغرافيًا هامًا يجعلها بوابة للربط بين جنوب وغرب ووسط آسيا. لذلك ربما يبدو منطقيًا أن تتحول المجاملة السياسية إلى أداة تمهيد لمجالات أوسع من التعاون الاقتصادي. فكلما ارتفع مستوى الثقة السياسية، كلما زادت قدرة الطرفين على اختبار مسارات تعاون كانت تعد عوائق أو ضغوط في السابق.
ويُذكر أن مكانة إيران في السياسية الخارجية الباكستانية وحسابات إسلام آباد ككل، هي مكانة جيواستراتيجية هامة، ونظرًا لوجود طرف ثالث إقليمي يتنافس مع باكستان على مسألة التوازن في العلاقات مع إيران، والحديث هنا عن الهند. فالعلاقات الإيرانية – الباكستانية لا يمكن قراءتها بمعزل عن موقف الهند وحساباتها، حيث أن نيودلهي تنظر إلى طهران باعتبارها شريكًا استراتيجيًا في مجالات الطاقة والنقل وبوابة الوصول إلى آسيا الوسطى، إلى جانب أن علاقتها معها أيضًا تمنحها هامشًا لتجاوز القيود الجغرافية التي تفرضها إسلام آباد.
من هنا تدرك باكستان أن ترك المجال الإيراني مفتوحًا بالكامل أما الهند، يحمل تكلفة استراتيجية على المدى الطويل. ومع ذلك فإن التقارب مع إيران لا يعني بالضرورة الدخول في صدام مع الهند، لكنه يحمل في طياته رسالة ضمنية مفادها أن باكستان لن تفرط في التعاون مع الجانب الإيراني أو تركه خارج مجال سياساتها واستراتجياتها.
ومن اللافت أيضًا أن للزيارة بعًا رمزيًا دينيًا لا يقل أهمية عن الحسابات الخارجية، حيث أن باكستان دولة ذات أغلبية سنية لكنها تضم مجتمعًا شيعيًا مؤثرًا، كما أنها دولة جوار مباشر لإيران حيث بيئة إقليمية شديدة الحساسية تجاه الانقسامات المذهبية. لذلك فإن العلاقات مع طهران بالنسبة لإسلام آباد ليست فقط ملف يتعلق بالسياسة الخارجية والدبلوماسية، بل أيضًا ملف استقرار داخلي وتوازن مذهبي ومجتمعي.
مؤشرات مفسرة:
على الرغم من كافة الرسائل والدلالات التي حملتها الزيارة وفقًا للواقع الراهن الآن في المنطقة وفكرة التوزانات الإقليمية لكل طرف وفقًا لحسابات سياسته الخارجية، إلا أن المبالغة في تفسير الزيارة باعتبارها إعلانًا عن محور إيراني – باكستاني جديد كما صورتها بعض وسائل الإعلام، قد تكون قراءة متسرعة وغير منظبطة ولا تعكس طبيعة السياسة الخارجية الباكستانية تحديدًا والمعروفة تاريخيًا بمرونتها العالية وحرصها على تجنب الاصطفافات الحادة. فإسلام تدرك أن تحركاتها ووضعها الإقليمي الآن لا يسمح لها بالانضمام إلى معسكر مغلق، أو تحالف كامل وحاد مع طرف بعينه.
لذلك يبدو أن ما جرى أقرب إلى محاولة باكستانية لإعادة توزيع علاقاتها الخارجية وليس استبدالها، أي بناء شبكة اتصالات وتفاهمات أوسع تسمح لها بالحفاظ على التوازن في الإقليم وفتح قتنوات أكثر عمقًا مع إيران باعتبارها دولة جوار لا يمكن تجاوزها جغرافيًا وأمنيًا واقتصاديًا. وكذلك الحفاظ على العلاقات مع كل من والصين والخليح والولايات المتحدة.
ومن جهة أخرى، فإن إيران تدرك أن البيئة الإقليمية بعد سنوات من الحروب والضغوط والعقوبات والتغيرات الدولية لم تعد تسمح بالاعتماد على أدوات النفوذ التقليدية وحدها، ولذلك تبدو أكثر اهتمامًا بإظهار أنها ما تزال قادرة على إنتاج شراكات سياسية واستقبال دبلوماسي وتفاهمات إقليمية تتجاوز منطق الخلافات بشكل ما خاصة مع دول الجوار، كما فعلت منذ ما يزيد عن مع أفغانستان.
ومن هنا تكتسب أهمية زيارة الرئيس الإيراني بعدًا أكبر، فهي لبست اختبارًا لمستقبل العلاقة الإيرانية –الباكستانية، بقدر ما قد تكون اختبار لفكرة أوسع تتعلق بكيفية تحرك القوى الإقليمية المتوسطة في مرحلة تتراجع فيها التوازنات التقليدية والتحالفات والمحاور الصلبة وتزداد فيها مساحات المناورة السياسية. والشراكات المرنة وربما تحالفات مؤقتة. وفي هذا السياق تحاول دول إقليمية مثل باكستان ألا تكون مجرد ساحة تنافس لطموحات القوى الكبرى، بل تسعى للتحول إلى لاعب مؤثر له حساباته الخاصة.
كما أن الرسائل غير المعلنة التي حملتها الزيارة لا تقل أهمية عن الرسائل المعلنة. فالترحيب العسكري المكثف، والمرافقة الجوية، ومستوى الاحتفاء الإعلامي، كلها عناصر لم تكن ضرورية بروتوكوليًا بالمعنى الضيق، لكنها كانت ضرورية سياسيًا لإنتاج صورة معين، وهي صورة دولة تريد أن تُظهر استقلال قرارها، وقدرتها على استقبال رئيس إيران في توقيت إقليمي حساس دون أن تعتبر ذلك خروجًا على توازناتها التقليدية.
وفي المقابل، أرادت طهران أن تُظهر أن المجال الإقليمي حولها لم يُغلق، وأنها ليست منعزلة بالكلية و لديها قدرة على التحرك السياسي والدبلوماسي والحصول على اعتراف واحترام رسميين من دول إقليمية مؤثرة، وأن خطاب العزلة لا يترجم بالضرورة إلى عزلة فعلية على مستوى العلاقات الثنائية.
ولكن على الصعيد الآخر، تظل هناك تساؤلات مطروحة بشأن الخلافات العالقة بين البلدين، فهل ستتمكن الدولتان من تجاوز الملفات الأكثر حساسية مثل (أمن الحدود، والتبادل التجاري، والربط الاقتصادي، والتوازنات المرتبطة بالخليج والهند)؟ أم أن الزيارة ستبقى حدثًا رمزيًا في تاريخ العلاقات الثنائية؟ ولعل في الفترة المقبلة قد تتضح الإجابة على هذه التساؤلات، في حال وجود اتفاقات من نوع مختلف، ومستوى أعلى تنسيق بين البلدين، وإمكانية استمرار التواصل السياسي مستقبلًا.
وفي كل الأحوال، ستظل هذه الزيارة على وجه التحديد وفي هذا التوقيت الحرج، كاشفة عن تحولات أوسع في إطار العلاقات بين باكستان وإيران، وربما يكون أهم ما كشفته الزيارة ليس قوة إيران، ولا تبدل توجهات باكستان، بل حقيقة أعمق مفادها أن هذه الفواعل الإقليمية بدأت تدرك أن امتلاك القدرة على التواصل مع الجميع قد أصبح في حد ذاته مصدرًا جديدًا للقوة.
ختامًا، لا يبدو أن زيارة الرئيس الإيراني إلى باكستان دشنت تحالفًا جديدًا أو انتقالًا جذريًا في السياسة الخارجية الباكستانية، لكنها كشفت عن اتجاه أكثر وضوحًا، وهو أن باكستان تسعى إلى توسيع هامش استقلالها الاستراتيجي، وإيران تبحث عن تثبيت حضورها الإقليمي عبر شبكة علاقات أوسع وأقل استقطابًا. ولهذا فإن الطائرات العسكرية المرافقة للرئيس الإيراني، والاستقبال العسكري الحافل، والتكريمات الرسمية لم تكن جوهر الحدث بقدر ما كانت أدوات لإخراج رسالة سياسية أكبر تقول إن الجغرافيا السياسية للمنطقة لا تزال قابلة لإعادة التشكيل، وإن إسلام آباد تسعى لأن تكون جزءًا من عملية إعادة التشكيل.