ما موقف دول جنوب شرق آسيا من حرب إيران؟

على الرغم من التزمها الحياد الدبلوماسي ورفض الانخراط في مسار الحرب بأي شكل، اتخذت إندونيسيا وماليزيا مواقف أقرب إلى الجانب الإيراني ترواحت ما بين إدانة الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران وتجنب إدانة الأخيرة في اعتداءاتها على دول الخليج العربي والانخراط في مساعي دبلوماسية لإنهاء النزاع من جهة وتحرير السفن التجارية العابرة لمضيق هرمز من جهة أخرى.
وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي محددات موقف دول جنوب شرق آسيا من حرب إيران والدوافع الكامنة خلف هذا الموقف بالقياس على مواقف إندونيسيا وماليزيا.
محددات الموقف
على الرغم من تشابه المواقف الإندونيسية والماليزية من حرب إيران، إلا أن تغير سياسات وتحالفات البلدين ساهمت في خلق تمايز طفيف في العلاقة مع أطراف الأزمة، وهو ما يمكن توضيحه على النحو التالي:
(*) رفض الحرب على إيران: عبرت ماليزيا في العديد من التصريحات واللقاءات الدولية عن رفضها الحرب على إيران، حيث أدان رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم في 18 أبريل 2026 بصورة واضحة الهجمات الإسرائيلية والأمريكية على إيران، وأشار إلى تقديم تعازيه لإيران في “استشهاد” الزعماء الدينيين والعسكريين وطلاب المدارس، حسب وكالة الأنباء الرسمية “برناما”.
(*) الانخراط في مساعي التهدئة: منذ اندلاع الأزمة عرضت إندونيسيا التدخل كوسيط لإنهاء الصراع، وعرض الرئيس برابو سوبيانتو مطلع مارس الماضي عن اعتزامه زيارة طهران لتهدئة التوترات بالمنطقة وعرض الوساطة بين إيران والولايات المتحدة شريطة موافقة أطراف الصراع. وتجنبت جاكرتا توجيه أي إدانة مباشرة لطهران، ورفضت دعم قرار مجلس الأمن رقم 2817 الصادر في 11 مارس 2026، والذي اعتبر الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج والأردن واستهداف المنشآت المدنية والمناطق السكنية “مدانة”، وقال المتحدث باسم الخارجية الإندونيسية نابيل موتشيلا أن القرار لا يعكس مبدأ التوازن، في إشارة لعدم إدانته الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران. وعلى الجانب الآخر أشار رئيس الوزراء الماليزي إلى أن بلاده دعمت مساعي التفاوض ووقف الحرب في الشرق الأوسط من خلال “التعاون الوثيق مع باكستان ودول الخليج وتركيا”.
(*) رفض الدعم أو المشاركة في الصراع: رفض البلدان دعم أي تحركات عسكرية من شأن توسيع الصراع أو الانخراط فيه، إذ شدد رئيس الوزراء الماليزي في اتصال هاتفي مع نظيره السنغافوري لورانس وونج في 21 أبريل 2026 على أهمية الحفاظ على حرية وأمن الممرات البحرية في مضيق هرمز، بما يتوافق مع القانون الدولي. وفي ذات السياق رفضت جاكرتا على لسان وزير الخارجية سوجيونو في 24 أبريل 2026 المشاركة المهمة البحرية المشتركة لحماية السفن التجارية عبر مضيق هرمز بقيادة بريطانيا وفرنسا.
دوافع استراتيجية
تأثرت مواقف البلدين من حرب إيران، نتيجة لآثار الصراع اقتصاديًا على الداخل وجيوسياسيًا على رابطة دول جنوب شرق آسيا وفيما بين أعضائها من جهة أخرى، وهو ما يمكن تفصيله على النحو التالي:
(&) الحياد الإقليمي: ترتبط كل من إندونيسيا وماليزيا بعلاقات استراتيجية مع دول الخليج العربي، وبلغ حجم التبادل التجاري بين دول المجلس وإندونيسيا نحو 15 مليار دولار في 2024 ، و13 مليار دولار مع ماليزيا، لكنها على الجانب الآخر ترتبط مع إيران بعلاقات طيبة ولكنها بمستويات أقل بكثير، حيث سجلت بيانات التبادل التجاري لطهران مع جاكرتا في 2022 نحو 257 مليون دولار، مقابل نحو 550 مليون دولار مع كوالالمبور. ويظهر ميل موقف البلدين قليلًا بالتعاطف مع إيران نتيجة دخول إسرائيل على خط التصعيد بالنظر إلى رؤية الجانبين خاصة الماليزي أن الحرب بالأساس عدوان إسرائيلي مدعوم من الولايات المتحدة على إيران، وهو ما يؤثر على موقف البلدين رغم العلاقات المتنامية مع دول الخليج العربي.
(&) حماية المصالح: على الصعيد الاستراتيجي سعى البلدان للعب دور أكثر عقلانية نظرًا لتوجه دول مجلس التعاون لإنهاء الأزمة وعدم توسيع الصراع أو الانخراط فيه من جهة، ونتيجة لتأثر سلاسل إمداد البلدين بإغلاق إيران لمضيق هرمز من جهة أخرى، وهو ما أثر على إمدادات السلع الحيوية وعلى الصناعة المعتمدة على النفط والغاز مثل صناعة البلاستيك في ماليزيا، وأدى ذلك لارتفاعات في أسعار وقود الديزل غير المدعوم، بينما حافظت الحكومة على دعم البنزين رغم ارتفاع فاتورة الاستيراد في الاقتصاد المعتمد بصورة رئيسية على التجارة. كما حرصت جاكرتا وكوالالمبور على التواصل مع إيران نتيجة انكشاف سلاسل إمداد الطاقة وتعرضها للابتزاز الإيراني من خلال السيطرة الانتقائية على مضيق هرمز، حيث تغطي إمدادات الطاقة الحالية السوق الماليزي حتى نهاية مايو بحسب الحكومة. وأدى تأثر إمدادات النفط والغاز القادم من منطقة الخليج إلى لجوء إندونيسيا للطاقة الروسية، حيث يستحوذ الشرق الأوسط على نحو 25% من واردات النفط في البلاد مقابل 30% للغاز الطبيعي المسال.
(&) إعادة التموضع على الساحة الدولية: ارتبطت إندونيسيا في عهد برابو سوبيانتو بإعادة تشكيل دور إندونيسيا على الساحة الدولية كقوة متوسطة وأكبر دولة إسلامية غير عربية ساعية للعب دور في صناعة السلام وتجنب الانخراط في نزاعات الشرق الأوسط، وهو ما يظهر في انضمام إندونيسيا لمجلس السلام بشأن غزة وانفتاحها على إرسال جنود ضمن قوة الاستقرار الدولية المزمع نشرها في القطاع والتلويح بإمكانية تطبيع العلاقات مع إسرائيل في سياق الرؤية العربية الإسلامية وتحالف حل الدولتين، إلا أن الاضطرابات الداخلية حدت من التزام سوبيانتو بتلك الرؤية، فيما كان من أوائل الزعماء الساعيين للوساطة والذهاب إلى طهران للمساهمة في حل الصراع.
(&) التزام نهج آسيان: يمثل العامل الصيني مؤثرًا رئيسيًا في سلوك الدولتين، إذ تتخوف جاكرتا وكوالالمبور من دعم الولايات المتحدة في مواجهة دولة شريكة للصين، فضلًا عن المخاوف الجيوسياسية الأوسع المرتبطة بنقل معركة السيطرة على الممرات البحرية من مضيق هرمز إلى مضيق ملقا الاستراتيجي الذي لوح وزير المالية الإندونيسي بوربايا يودهي ساديوا بفرض رسوم على السفن المارة عبره منتصف أبريل 2026، قبل أن يتراجع في 24 من الشهر ذاته والتزام بلاده بأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار بعد مداولات مع دول الرابطة.
ورفضت إندونيسيا منح الطائرات العسكرية الأمريكية إذنًا بالتحليق في أجوائها خوفًا من التورط في أي نزاعات محتملة في بحر الصين الجنوبي، حسبما نقلت وكالة رويترز عن مصدرين إندونيسيين في 14 أبريل 2026.
وإجمالًا؛ تأثرت مواقف دول جنوب شرق آسيا، خاصة إندونيسيا وماليزيا من حرب إيران بالمصالح الاقتصادية والاستراتيجية لكلا البلدين من جهة وبالموقف من أطراف الصراع ممثلين في إيران وإسرائيل والولايات المتحدة بصفة أساسية من جهة أخرى، فضلًا عن المخاوف من امتداد آثار الصراع جيوسياسيًا إلى رابطة الآسيان وتهديد حياد دولها في أي صراع دولي محتمل.